خَدَمَ لقاء القمة بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان، الذي عُقد على هامش مؤتمر الطاقة العالمي في اسطنبول في 10 تشرين الأول/أكتوبر الحالي، جملة أهداف تكتيكية دفعة واحدة، تمثّل أحدُها في تحجيم وَقع خلافاتهما حول النزاع السوري.

بيد أن التعليق البارز الوحيد الذي أدلى به أردوغان في المؤتمر الصحافي المشترك غداة اللقاء، اقتصر على القول إنه تدارس وبوتين "الأزمة (السورية) من مختلف جوانبها، وأجرى معه نقاشاً خاصاً حول الاستراتيجية التي يمكن انتقاؤها لتوفير المساعدات الإنسانية إلى السكان العالقين في مواضع صعبة، خاصة في حلب". اللافت هنا أن أردوغان لم يُشر إلى القصف الروسي المكثّف للأحياء المحاصرة التي تُسيطر عليها المعارضة في النصف الشرقي من المدينة، والذي تسبّب بالكارثة الإنسانية الراهنة هناك.

ثم أن أردوغان لم ينبس ببنت شفة أيضاً حول المنطقة الآمنة التي أعلن عنها قبل ذلك بثلاثة أسابيع بالضبط، والتي قيل أن القوات المسلحة التركية تعمل على إقامتها في شمال سورية لإيواء المدنيين الذين شرّدتهم الحرب. بيد أن هذا في الواقع لم يكن هو الدافع الرئيس للسياسة التركية في شمال سورية منذ الدخول المحدود للوحدات البرية التركية في 24 آب/أغسطس الماضي، ولن يكون الهدف الحقيقي مستقبلاً. 

يُقال هنا إن الحكومتين التركية والقطرية تُركّزان جهود الإغاثة في بلدة جرابلس الحدودية بأمل جذب النازحين السوريين داخلياً إليها، وكأنهما تريدان الإيحاء أنهما تفيان بوعودهما لإقامة المنطقة الآمنة. لكن  منطقة آمنة مُجردة من المراكز السكانية الرئيسة ومايترافق معها من بنى تحتية (ناهيك عن أنها ستكون موضع تنازع بين أطراف عدة متحاربة)، لايُحتمل أن تجتذب إليها سوى النازحين المحليين. أما التدفقات الأخرى من النازحين، فقد يممت وجهها صوب المناطق الأكثر كثافة سكانيا، كمحافظة إدلب، التي تُسيطر عليها المعارضة، أو الأراضي الخاضعة إلى النظام، أو نحو تركيا.

البحث عن مبرّرات لعدم الحراك

بالطبع، القلق التركي حيال الأزمة الإنسانية في سورية صادق، لكن الميزان المُعقّد المتراقص بين هموم الحكومة التركية الداخلية واهتماماتها في مجال السياسة الخارجية، هو الذي منع إقامة المنطقة الآمنة، فيما جعلها أداة قابلة للتوظيف الإعلامي. ففي غضون السنوات الأربع الماضية، كان أردوغان ومسؤولون أتراك كبار آخرون يُحكمون الربط مراراً وتكراراً بين استعدادهم للتدخل عسكرياً لإقامة هذه المنطقة وبين الاشتراط بأن أنقرة لن تقوم بذلك إلا بناء على تفويض من الأمم المتحدة، أو بالتوافق والتعاضد مع الولايات المتحدة وحلفاء آخرين. هذا يبدو أمراً معقولاً ومنطقياً للغاية، إذ حتى بعض أطراف المعارضة السورية تعترف بأن المنطقة الآمنة أو أي تنويعات منها (على غرار منطقة الحظر الجوي أو المنطقة "المحايدة") تفرض تعقيدات عملانية جمّة، وتتضمن في طياتها مخاطر المجابهة المباشرة مع روسيا، ما سوف يقيّد حتى هيلاري كلنتون المعروفة بصقريتها، اذا أصبحت الرئيس الأميركي المقبل. أما باقي ماتبقى من التبريرات، فلم يكن أكثر من ذر رماد في العيون.

ثمة عيّنة  فاقعة عن هذه النقطة الأخيرة: قيام حلف شمال الأطلسي (الناتو) بنشر بطاريتي صواريخ باتريوت على الأرض التركية في أوائل العام 2013. آنذاك، داعبت المعارضة السورية الآمال بأنه يمكن لمظلة الدفاع الجوي هذه أن تتمدّد عبر الحدود لحراسة منطقة آمنة داخل سورية؛ وهي تطلعات تغذّت من تلميحات مسؤولين أتراك في مجالسهم الخاصة بأن أعضاء حلف الناتو ناقشوا بالفعل مثل هذا الخيار. بيد أن هذا في الواقع لم يكن البتة الهدف من نشر الصواريخ، بل على العكس: إذ شدد البيان الرسمي للناتو في 4 كانون الأول/ديسمبر 2012، بأن الغرض الأول هو "الدفاع عن سكان تركيا وأراضيها، والمساهمة في نزع فتيل التصعيد على طول حدود الحلف".

أصابت الحكومة التركية عصفورين بحجر واحد، حين لجأت إلى معاهدة الدفاع الأطلسية. فهي، من جهة،  طمأنت شعبها (خاصة القواعد الشعبية لحزب العدالة والتنمية الحاكم وغلاة القوميين الأتراك) بأنها كانت ولاتزال ملتزمة بالأمن القومي ووحدة وسلامة أراضي الجمهورية التركية، إثر إبرام اتفاق وقف إطلاق نار مثير للجدل مع حزب العمال الكردستاني (PKK). ثم أن نشر بطارية الباتريوت، من جهة ثانية، كبّل معصمَي الحكومة في ما يتعلّق بالمنطقة الآمنة في سورية، لأنه لم يعد في مقدورها القيام بعمل عسكري وراء حدودها، من دون أن تنقض زعمها القانوني لحلفائها بأنها في موضع الدفاع عن النفس.

الأمر بالنسبة إلى الحكومة التركية كان أشبه برجل مُهدّد بالانجرار إلى عراك بالأيدي، فيصدح بالصراخ "أتركوني أُربيهم"، لكنه يحرص في الوقت نفسه على أن يقوم أصدقاؤه أوالمارّة بمنعه من ذلك. والحال أن عدم استعداد الولايات المتحدة لإقامة منطقة آمنة، أو منطقة حظر جوي من أي نوع في سورية، كان صريحاً بقدر ماكان ثابتاً. ففي كانون الأول/ديسمبر 2014، على سبيل المثال، وصف كل من وزير الخارجية جون كيري ومستشارة الأمن القومي سوزان رايس الحديث عن المنطقة العازلة أو الآمنة بأنه "سابق لأوانه". وقد أتيح للحكومة التركية، يقيناً منها أن الولايات المتحدة لن تقود الحملة لتحقيق هذا المسعى، أن تعمد إلى إطلاق المواقف العلنية المِقدامة حول الموضوع من دون التعرّض إلى أي المخاطر العسكرية والأكلاف السياسية التي ستتبع تنفيذه. 

هذه الديناميكيات نفسها تواصلت حتى بعد أن وصل اتفاق نشر الباتريوت إلى خواتيمه المُتفق عليها، في الفترة بين كانون الثاني/يناير 2015 وكانون الثاني/يناير 2016. فالمطالب التركية بإقامة منطقة آمنة سورية وصلت إلى ذرى جديدة في صيف 2015، أوحى خلالها مسؤولون كبار أتراك بأنه تم التوصل أخيراً إلى اتفاق مع الولايات المتحدة حول إقامتها. بيد أن الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية مارك تونر نفى ذلك كلياً مجدداً في 11 آب/أغسطس، قائلاً:" كنا واضحين للغاية.. ليس هناك منطقة آمنة، ولا ملاذ آمن".

في غضون ذلك، باتت تحولّات سياسية داخلية ضخمة تلعب الدور الرئيس في تكوين سياسة الحكومة التركية إزاء مسألة المنطقة الآمنة. أحد هذه التحولات كان الشرخ الذي برز بين أردوغان وبين رئيس الحكومة آنذاك أحمد داوود أوغلو، الذي يُعتبر أكثر التزاماً إيديولوجياً بأجندة السياسة الخارجية الإسلامية وبالتدخل في سورية. كان داوود أوغلو قد أمر، وفقاً لمصادر موثوقة، القوات المسلحة التركية ببدء عمليات عبر الحدود في أيار/مايو وحزيران/يونيو 2015. لكن رئيس هيئة الأركان (السابق) نجدت أوزال راوغ ووارب، متذرعاً بمختلف الحجج حول المضاعفات المحلية والدولية، ومانحاً نفسه إجازة مَرَضِية لتبرير غيابه في لحظة من اللحظات. علاوةً على ذلك، أدى استئناف المعارك مع حزب العمال الكردستاني أيضاً إلى تعقيد التوجهات إزاء سورية، وجرى إخضاع أي تفكير بالمنطقة الآمنة إلى مقتضيات الهدف الأول الضاغط المُتمثّل في منع قيام كانتون كردي سوري يتمتع بالحكم الذاتي على طول الحدود المشتركة.

القوات التركية تدخل 

ذر الرماد في العيون كان، مرة أخرى، سمة كل مايتعلّق بالعمليات العسكرية في شمال سورية منذ 24 آب/أغسطس الماضي. في حينه، اقتطع الجيش التركي شريطاً ضيّقاً من الأرض السورية على امتداد 90 كيلومتراً من الحدود المشتركة بين البلدين، وأيضاً دعمت القوات الخاصة التركية هجوماً ناجحاً لمجموعات المعارضة المسلحة السورية لاستعادة بلدة جرابلس الحدودية ومعها سلسلة من القرى، من أيدي تنظيم الدولة الإسلامية. كان الهدف الفوري، من الناحية الرسمية، منع تنظيم الدولة الإسلامية من إطلاق الصواريخ عبر الحدود على القرى التركية، والمساهمة عموماً في الجهود لمقارعة هذا التنظيم. لكن هذا الموقف الجازم والحاسم ظاهرياً، أخفى في الواقع التحديات الكبرى التي يواجهها أردوغان في الداخل التركي وفي الخارج.

التدخّل التركي في سورية، الذي أتى غداة محاولة الانقلاب العسكري في 15 تموز/يوليو، خدم هدفاً مزدوجاً: فهو أوحى، أولاً، بأن أردوغان يقبض بإحكام على ناصية القوات المسلحة (عبر إظهار قدرته على توجيه الأوامر إليها بتنفيذ مهمة كانت تقاومها منذ سنوات) وبأنه يثق بها. كما أنه (التدخل) كان وسيلة لحرف الأنظار عن الاضطرابات الداخلية التركية. لقد عزز أردوغان قبضته الشخصية على السلطة، وطرد 80 ألف موظف  - بما في ذلك قضاة، وضباط شرطة، وأكاديميين في جامعات الدولة - وأطبق على الإعلام المستقل والمعارض، ولاحق الأحزاب والمسؤولين الأكراد. بيد أن الصراع مع أنصار فتح الله غولن (المتّهم بالوقوف وراء المحاولة الانقلابية) في جهاز الدولة وقطاع الشرطة والدرك والقوات المسلحة، لم تنته فصوله بعد. هذا إضافةً إلى أن جروح الأضرار التي لحقت بخدمات الحكومة، والاقتصاد، وسمعة البلاد الدولية، ستحتاج إلى حيّز وافر من الزمن لمداواتها. والأمر نفسه ينطبق على الانقسامات داخل حزب أردوغان.

هذا المعطى يصح أكثر ما يصح على القوات المسلحة. فطرد 1684 ضابطاً كبيراً من السلك في أوساط آب/أغسطس الماضي، قطع دابر التهديد الآني والفوري المُحدق بالسلطة المدنية، لكن أردوغان لايستطيع أن يكون واثقاً من أن الجيش بات محيّداً تماماً عن الجبهة السياسية. وعلى الرغم من أن "عملية التحضّر الثورية" التي أطلقتها الحكومة منذ تموز/يوليو المنصرم، قد تعالج هذا القلق على المدى الطويل، إلا أن القوات المسلحة لن تستعيد تماماً تماسكها وفعاليتها لسنوات عدة مقبلة ستشهد خلالها أيضاً تواصل الصراع المرير مع حزب العمال الكردستاني.

أردوغان كان قد ألهب اهتمام الإعلام في 7 أيلول/سبتمبر الماضي، حين أشار عَرَضَاً إلى أن "أوباما يريد القيام بشيء مشترك ما في الرقة"، وهي المدينة الشمالية السورية التي جعلها تنظيم الدولة الإسلامية عاصمته الرسمية. إلا أن تعليقه هذا كان محض لفتة علاقات عامة، هدفها الإيحاء بوجود تحسُّن في العلاقات التركية-الأميركية التي تأزمت بفعل اتهامات أنقرة لواشنطن بالتواطؤ مع المحاولة الانقلابية في تموز/يوليو الماضي. ثم أن الرقة تفرض، علاوة على ذلك، عقبات كأداء سياسية وعملانية، لأنه ليس في وسع القوات التركية الوصول إليها إلا بالتقدّم مباشرة من جنوب الحدود عبر الخطوط الكردية السورية، أو الانطلاق من شرق حلب وجنوب بحيرة الأسد عبر طول خطوط النظام السوري. كما ستكون القوات التركية عُرضة إلى خطر دفع أثمان فادحة في العديد والعتاد المُدرّع، حالما تصطدم بالدفاعات المكينة والجاهزة للدولة الإسلامية. على أي حال، كان وزير الدفاع فكري أيشق قد ألمح بعدها بأسبوعين إلى رفض خيار التدخل العسكري الأوسع، حين أكد مواصلة تقديم الدعم العسكري للمعارضة السورية، لكنه أضاف: "أما اليوم، فليس لدينا أي خطة للاشتراك في عملية عسكرية ينخرط فيها مُشاتنا".

لعبة انتظار 

لكل هذه الأسباب، يُرجح أن يبقى التدخل العسكري التركي محدوداً في غضون الأشهر المقبلة. إذ ليس لدى أردوغان أي حافز لدفع مزيد من القوات إلى سورية، لأن ذلك قد يعرّضه إلى خطر إضعاف شوكته في معترك السياسات الداخلية التركية، وفي عرين صفوف القوات المسلحة. لا بل يُستبعد أن يغامر أردوغان بتجريد حملة عسكرية إلى الرقة، قبل أن تتربع إدارة أميركية جديدة على عرش البيت الأبيض وتكون قادرة على توفير مكاسب ملموسة له بالمقابل في مجالي السياسة الخارجية والأمن. يُضاف إلى ذلك أن الانقلاب الدبلوماسي الذي نفّذه بوتين بإعلانه عن صفقة أنبوب الغاز التركي خلال إطلالته على اسطنبول، قد لايصمد أمام خضم خلافات البلدين السياسية حول سورية وقضايا أخرى.

في مطلق الأحوال، فإن استمرار الدعم المادي للمجموعات المسلحة السورية يؤكد أن السياسة التركية إزاء سورية ستبقى معلّقة في حالة انتظار، وأن أنقرة، وعلى عكس كل التكهنات الإعلامية، ليست على وشك التخلّي عن هذه الجماعات كجزء من التفاهم مع روسيا. بيد أن مثل هذا الدعم سيوظّف فقط لتحقيق المصالح التركية الخاصة بمنع توسيع الكانتون الكردي في شمال سورية.

ببساطة، إن إقامة منطقة آمنة في سورية ليست أولوية عملانية، لا للأجندة التركية ولا الدولية، حتى ولو بقي الحديث عنها عملة رائجة للغاية سياسيا.