أعلنت وزارة الداخلية المصرية قبل بضعة أسابيع، في 24 أيلول/سبتمبر الماضي، أنها أوقفت سبعة عشر عضواً في جماعة الإخوان المسلمين كانوا يتآمرون لنشر "مناخ تشاؤمي" في البلاد. وقد أعلمت الوزارة الرأي العام بأن الموقوفين يمثّلون "خلية تخريبية" مهمّتها تأليب المواطنين على حكومتهم الشرعية، وأنهم يلجأون إلى وسائل فائقة الخطورة لتحقيق مآربهم.

وعلى ذمّة وزارة الداخلية، أنشأت خلية نشر المناخ التشاؤمي هذه خلايا تابعة لها تنشط في جميع المحافظات المصرية الـ27. وهدفها بثّ معلومات مزيّفة عن ظروف العيش، وإثارة الشكوك حول المشاريع الاقتصادية والاجتماعية التي أطلقتها الحكومة، و"افتعال أزمات في الحياة اليومية"، من الاختناقات المرورية إلى النقص في إمدادات الطاقة وارتفاع أسعار المواد الغذائية.

وتُتَّهم الخلية بأنها عمدت، في إطار خطواتها هذه، إلى تأسيس حسابات وهمية في موقع فايسبوك وبوابات إخبارية رقمية تنشر معلومات مغلوطة، وكذلك بأنها طلبت من المواطنين الموالين للإخوان المسلمين التسبّب عمداً بزحمة سير عند التقاطعات الرئيسة، والتكدّس على محطات الوقود في العديد من المدن الكبرى للإيهام بوجود أزمة، وبالتالي خلق حالة من الهلع.

وتابع بيان الوزارة أن الخلية، وفي مسعى منها لضرب الاقتصاد الوطني، تورّطت أيضاً في مضاربات في السوق السوداء، بهدف إضعاف قيمة الجنيه المصري في مقابل الدولار الأميركي. وفي هذا الإطار، أعلنت الوزارة أن عناصر خلية نشر المناخ التشاؤمي اعتُقِلوا خلال "اجتماع سرّي" عُثِر فيه بحوزتهم على 70 ألف دولار أميركي و975 ألف جنيه مصري. وزُعم أنه عُثر أيضاً خلال العملية على وثائق إخوانية داخلية، تعرض الآلية التي يمكن اتباعها من أجل زيادة قيمة الدولار الأميركي، بما يتسبّب بزعزعة الأوضاع المالية في مصر.

هذه لم تكن المرة الأولى التي تهين فيها وزارة الداخلية ذكاء الشعب المصري ببيانات تحمّل فيها الإخوان المسلمين مسؤولية المشقات الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها البلاد. ففي تشرين الأول/أكتوبر 2015، اعتُقِل حسن مالك – القيادي في جماعة الإخوان وقطب الأعمال المصري – بتهمة العمل بمفرده على "الإضرار بالاقتصاد الوطني للبلاد، من خلال تهريب العملات الأجنبية إلى خارج البلاد". اتُّهِم بالمضاربة على سعر الصرف من خلال شبكة من شركات الصرافة المملوكة من أتباع للتنظيم وممثّلين عنه. ولايزال مالك خلف القضبان حتى الساعة.

لاتقتصر الاتهامات الحكومية على مسألة الأوضاع المالية للبلاد. ففي تشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي، إبان الفيضانات التي اجتاحت مدينة الإسكندرية بسبب غزارة الأمطار وتردّي نظام الصرف الصحي الذي تآكله الدهر، ساقت وزارة الداخلية تفسيراً معهوداً لتبرير الكارثة، واعتقلت خلية إخوانية متّهمة بسدّ مواسير الصرف الصحي، ما أدّى إلى غرق المدينة بالمياه.

أطلق بيان وزارة الداخلية حول خلية المناخ التشاؤمي الإخوانية أجراس إنذار، لسببَين أساسيين. أولاً، لايصنّف قانون العقوبات المصري "التشاؤم" في خانة الجرائم، كما أنه لاينص على اعتبار "نشر المناخ التشاؤمي" تهمة جنائية. والحال أنه عبر توقيف سبعة عشر مدنياً وإصدار بيان علني يتّهمهم بنشر المناخ التشاؤمي، ضربت وزارة الداخلية عرض الحائط بقوانين البلاد وأحيت في الأذهان الصورة الكارثية لتحرُّك الأجهزة الأمنية من دون ضوابط بالاستناد إلى تشريعات ملفّقة لا أساس لها. ففي مصر حيث تُرتكَب انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، ولاسيما على أيدي الأجهزة الأمنية، يشكّل تجاهُل القوانين المرعية الإجراء مظهراً آخر من مظاهر فساد السلطة.

ثانياً، قدّم بيان وزارة الداخلية حول خلية نشر المناخ التشاؤمي التابعة للإخوان المسلمين دليلاً على عدم اكتراثها للنظرة التي تُرمَق بها خارج حوزتها. فقد تضمّن تهماً مضحكة، واستخفّ بعقول المصريين عبر الإيهام بأن المبالغ المالية الصغيرة نسبياً، التي يزعم البيان أنه تم العثور عليها بحوزة الإخوانيين الذين جرى توقيفهم، كافية لإلحاق الضرر بالاقتصاد.

يعيش السواد الأعظم من المصريين واقعاً مختلفاً يتجرّعون كأس مرارته، بسبب الإخفاقات الاقتصادية والاجتماعية لحكومتهم والانتهاكات اليومية لحقوق الإنسان. والسبب في ذلك هو استعداد الحكومة لمنح الأجهزة الأمنية هامش تحرّك واسعاً وغير خاضع للضوابط، والتغاضي عن تجاوزاتها وسلوكها التعسّفي، والتعويل عليها في السيطرة على المجتمع وإسكات المعارضين. 

واقع الحال أنه في هذا العالم الوهمي الذي تفرضه وزارة الداخلية، من شبه المستحيل مساءلة الأجهزة الأمنية عن تجاوزاتها في مجال حقوق الإنسان. فغالباً مايتم التعتيم على هذه التجاوزات مع تحوّل الضحايا إلى مجرمين، والاتهامات الباطلة والملفّقة إلى المعيار السائد الجديد في آليات إنفاذ القوانين التي أصبحت في حالة انهيار في مصر.

قبل بضعة أشهر فقط، أعلنت الأجهزة الأمنية، في قضية تعذيب الطالب الإيطالي جوليو ريجيني ومقتله في كانون الثاني/يناير الماضي، أنها أطلقت النار على العناصر الخمسة في العصابة الإجرامية التي يُزعَم أنها ارتكبت الجريمة، وأردتهم. وادّعت، إثباتاً على كلامها، أنها عثرت بحوزة العصابة على جواز السفر العائد لريجيني ومقتنيات شخصية أخرى. بعد بضعة أيام، وبعدما رفضت الحكومة الإيطالية البيان معتبرةً أنه محاولة من السلطات المصرية للتضليل، وجدّدت مطالبتها الحكومة المصرية التوقف عن نشر معلومات مغلوطة، تراجعت وزارة الداخلية عن بيانها، وأعلنت أن المجرمين الذين قُتِلوا برصاص الأجهزة الأمنية لم يكونوا ضالعين في قضية ريجيني. إلى هذا الدَّرك وصل تزوير الحقيقة في مصر في زمننا هذا.