إذا استثنينا إمكانية حصول أحداث كبيرة غير متوقّعة، سينتخب البرلمان اللبناني في 31 تشرين الأول الثمانيني ميشال عون- قائد الجيش السابق، المسيحي الماروني، والحليف الأبرز لحزب الله. 

ما سهّل التوجّه نحو هذا الانتخاب كان قرار رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري، رئيس أكبر كتلة نيابيّة في البرلمان، في 21 تشرين الأول بدعم ترشيح عون. ومن شأن هذه الخطوة أن تُنهي الفراغ الرئاسي الذي استمرّ منذ أيار/مايو 2014، وهي أطول فترة فراغ منذ أن صمتت مدافع الحرب في العام 1990. 

كما أنّ الانتخاب المُتوقّع لعون سيجلب معه وفاقاً تتعطّش إليه الساحة السياسيّة اللبنانيّة. فهو سيُنهي على الأرجح الشلل السياسي، ويُعيد تنشيط المؤسسات الديمقراطية. غير أنّ هذا الانتخاب لن يُحقّق سوى القليل نسبياً على المدى البعيد. 

حزب الله سيضطلع بموقعٍ مركزيّ  

أوضح الحريري، عبر دعمه العلني لعون، أنّه يُدرك المخاطر الشخصيّة والسياسيّة التي تنطوي عليها خطوته. فقد كان عون خصماً سياسياً أساسياً، لا يتمتع البتّة بشعبية في أوساط جمهور الحريري، وترشيحه يُعتبر انتصاراً لحزب الله وسورية. ولكنّ الحريري رأى ألّا خيار آخر أمامه، ولاسيما في ظل محنته الماليّة والسياسيّة، والتي أبرزتها نتائجه السيئة في الانتخابات البلديّة في منتصف العام الجاري، سوى الإقدام على هذه الخطوة. 

أمّا بالنسبة إلى عون، فهو كان بأمسّ الحاجة إلى دعم كتلة الحريري (والحصول على الضوء الأخضر من الممثّل الأوّل للسنّة في لبنان) لضمان تسلّمه الرئاسة. وسبق لعون أن وضع كرسي الرئاسة نصب عينيه منذ فترة 1988-1989، حين ترأس حكومة عسكريّة لم يعترف بها وأشرف على جهودٍ عسكرية مدمّرة آنذاك لطرد الجيش السوري من لبنان. 

مع إبرام هذه الصفقة، نشط سياسيون بارزون لتعزيز مواقعهم. فلم يخفَ على أحد أنّ رئيس مجلس النواب نبيه بري علا صوته نتيجة تهميشه في المناورات الرئاسيّة الأخيرة. وهو أصرّ على التوصّل إلى صفقة شاملة (أو السلة الكاملة) حول الرئاسة، تتضمّن اتفاقاً حول قانون انتخابيّ جديد، بالإضافة إلى حصص وزارية في الحكومة الجديدة، وتطبيق الاتفاقيات السابقة المتعلّقة بقطاع النفط المُدرّ للربح والتي تمّ إبرامها مع جبران باسيل، صهر الجنرال عون ووزير الخارجيّة اللبنانيّة. من خلال استمراره بمعارضة عون، يسعى برّي إلى رفع السقف لضمان مصالحه مقابل موافقته. 

من جهته، لم يتّخذ الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، المقرّب من برّي، موقفاً بشأن انتخاب عون حتّى الساعة. غير أنّه، على الأرجح، سيدعم أيّ أمرٍ يمكن أن يعزّز الوئام المسيحي-الدرزي في منطقة الجبل حيث نفوذه. كما أنّه سيحرص على متابعة كيفية تأثير تقارب عون-الحريري على مستقبل اللوائح الانتخابيّة التي سيدعمها في الانتخابات البرلمانيّة المقررّ إجراؤها العام المقبل. 

كان حزب الله واصل دعم عون كمرشّحه الأوحد، على الرغم من أنّ الكثيرين اعتبروا أن الحزب فعل ذلك لهدف واحد هو استمرار الفراغ الرئاسي، انطلاقاً من الاعتقاد بأنّ عون لن يصبح أبداً مرشحاً توافقياً. وبالنسبة إلى آخرين، يشكّل عون وسيلةً يأمل الحزب من خلالها أن يواصل سيطرته على لبنان. على أيّ حال، مع قيام الحريري بدعم عون، لم يعد أمام حزب الله من خيار سوى إعلان تأييده له في الانتخابات. 

وهكذا، تدخل السياسة اللبنانيّة مرحلة جديدة، تدقّ فيها الأحداث المتسارعة المسمار الأخير في نعش التحالفين السياسيين الأساسيين اللذين حكما البلاد منذ العام 2005: تحالف 8 آذار المنضوي تحت لواء حزب الله وتحالف 14 آذار المرتبط بالحريري. 

نشهد اليوم نشوء تحالفات واسعة النطاق كانت مستحيلة قبل عام. بدأت إعادة تشكيل الاصطفافات هذه مع نهاية العام الماضي، عندما أعلن سعد الحريري دعم سليمان فرنجية، وهو حليف آخر لحزب الله والنظام السوري، للوصول إلى الرئاسة الأولى. وقد سبّبت هذه الخطوة امتعاض سمير جعجع، رئيس حزب القوات اللبنانية، الذي كان لايزال حتّى ذلك الحين المرشّح الرسمي لفريق 14 آذار. ردّ جعجع بتحويل دعمه إلى عون الذي كان في ما مضى خصمه المسيحي اللدود. 

ويبدو أنّنا نشهد الآن بروز محور الحريري-عون-جعجع، ومن غير الواضح كيف سيتفاعل حزب الله مع هذا التطور. فعلى الرغم من أنّ الحزب قريب من عون، إلّا أنّ علاقته بالحريري وجعجع ليست طيبة. وفي هذا الإطار، قد ينبثق محور منافس قوامه بري وجنبلاط وفرنجية، وحينها يُحتمل أن يكون حزب الله في موقع يمكّنه من استغلال هذا الاصطفاف لمصلحته. 

طريق يعجّ بالمطبّات أمام الحريري

يسود رأي شائع بأنّ دعم الحريري لعون يعني أنّه ستتمّ تسميته رئيساً للحكومة، إلّا إذا قرّر الحريري خلاف ذلك. وكان سبق للأمين العام لحزب الله حسن نصر الله أن أعلن أنّ الحزب سيوافق، على مضض، على تولّي الحريري تأليف الحكومة العتيدة. لكن، ليس مؤكداً أنّ الحزب سيسهّل عليه عمليّة التأليف أو ممارسة الحكم. وبالفعل، ألمحت التقارير الصحافيّة الأخيرة إلى أنّ السوريين يعارضون عودة الحريري؛ وأنّ برّي، الحليف المقرّب من سورية، قد يستخدم نفوذه لتحدّي الحكومة المقبلة على جبهات عدّة. 

في الوقت نفسه، ساهم إقرار الحريري عملياً بالهزيمة في الحدّ من قدرته على المساومة حول تشكيل الحكومة، ماتركه في موضعٍ هشّ أمام حزب الله وبري وعون في مسألة توزيع الحقائب. 

قد لاتنتهي مشاكل الحريري عند هذا الحدّ. فهو سيواجه مطبّات أخرى، حين تصيغ الحكومة بيانها الوزاري الذي يتعيّن عليه أن يُبدي توافقاً حيال مسائل وطنيّة مهمّة، من بينها دور حزب الله في سورية وتمويل المحكمة الدولية التي تحاكم عدداً من المشتبه بهم في ملف اغتيال الرئيس رفيق الحريري (جميعهم أعضاء في حزب الله)، هذا بالإضافة إلى إمكانية احتواء خطاب الحزب العدائي ضدّ المملكة العربية السعوديّة. يعقّد موقف عون من كلّ هذه المسائل جهود الحريري أكثر. 

في هذا السياق، قد يستتبع أيّ تأخير في تشكيل الحكومة تأجيل للانتخابات النيابية المقرّر إجراؤها في حزيران 2017، لأن حكومةً تتولّى تصريف الأعمال ليست مخوّلة تنظيم الانتخابات. 

ماذا سينجز عون؟ 

يصف أنصار عون زعيمهم بأنّه بطل يرعى حقوق المسيحيين، وسيعيد بناء هيبة مؤسسات الدولة. لعلّ ذلك تفاؤل مبالغ به. فقد شكّل عون جزءاً من المشهد السياسي اللبناني منذ عقود وشارك في الحرب الأهليّة. وكغيره من اللاعبين السياسيين، تورّط عن كثب في صفقات وفي تقويض الانتخابات وتقاسم المغانم الحكومية. أمّا سنّه ومزاجه الخاص فيعنيان أنّ الديناميكيّة المتوقّعة لشخص الرئيس المنتظر بعد فراغ طويل ستكون مفقودة. وأخيراً، لايمكن لعون فعل أيّ شيء، ولن يفعل، تجاه تورّط حزب الله في سورية، ما يقوّض سيادة للدولة. 

سيترتّب على كل ذلك العديد من الأمور. فعلى الجبهة الاقتصادية، مع التدخّل المستمرّ لحزب الله في سورية والمترافق مع الرضوخ الضمني للقادة اللبنانيين الأساسيين، سيبقى الأداء الاقتصادي متباطئاً على الرغم من نشاط القطاع الخاص. ويعود ذلك إلى أنّ تدفّق السيّاح ونسبة هامة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، خاصةً من دول الخليج العربي، سيبقى غائباً. 

أمّا على الجبهة الأمنيّة، فيُرجّح أن يركّز عون على تعيين الشخصيات الأمنية الرئيسة، خصوصاً قائد الجيش. كما سيسعى إلى تسجيل نجاحاتٍ محدّدة ضمن أجهزة الاستخبارات، وقد تستهدف هذه الخطوات اللاجئين السوريين. وقد يعمد العونيون،  في إطار مناهضتهم لوجود اللاجئين السوريين في لبنان، إلى تصعيد خطابهم الإقصائي إزاء مسألة اللجوء السوري، وربما يتجسد ذلك على الأرض في شكل إساءة أكبر للاجئين. وعلى المدى الطويل، وفي ظلّ تصاعد التوتّر الطائفي في لبنان، قد يؤدّي هذا التحرّك إلى تسريع نموّ العناصر المتطرّفة ضمن مجتمعات اللاجئين وغيرهم. 

باختصار، قد يُشرّع انتخاب ميشال عون الباب أمام إنهاء حالة الجمود السياسي القائمة ويبثّ قليلاً من الروح في المؤسسات اللبنانية، لكن توقّع حدوث تحوّلات جذريّة هو طموح ينبغي كبحه. وإن دلّ انتخاب عون على شيء، فإنه يشير إلى أنّ القادة اللبنانيين يميلون إلى ترجيح مصالحهم الخاصة  كلّما سنحت الظروف. وعلى الأرجح، سيُخفي وصول عون إلى سدّة الرئاسة حقيقة أن ماتغيّر لايتعدّى القشور.