قبل 11 عاماً، اختارت الأمم المتحدة ديتليف ميليس للنهوض بمهام المفوّض الأول في فريق التحقيق في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في 14 شباط/فبراير 2005. كان ميليس، قبل تعيينه في هذا المنصب، وكيل نيابة رفيعاً في مكتب المدعي العام في برلين. وبعد تمضيته أشهراً عدّة في لبنان، عاد إلى ألمانيا في أواخر العام 2005 ليستأنف عمله السابق. ثم عُيِّن في العام 2009 رئيساً لبرنامج الاتحاد الأوروبي لدعم العدالة في الفيليبين، الذي كان هدفه مكافحة القتل غير القانوني، وعمليات الإخفاء القسري. اليوم، يمضي ميليس، بعد تقاعده، أوقاته بين ألمانيا ومايوركا.

مايكل يونغ: سيد ميليس، عُيِّنتم في العام 2005 رئيساً للجنة التحقيق الدولية المستقلة التي أنشأتها الأمم المتحدة للنظر في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري. اعتُبِر تشكيل اللجنة آنذاك خطوة أساسية في الجهود  لوضع حد للإفلات من العقاب في الجرائم السياسية. هل تكلّل ذلك المسعى بالنجاح؟

ديتليف ميليس: كان مقتل رفيق الحريري و22 آخرين، سبباً كافياً لتشكيل فريق دولي مهمته التحقيق في القضية، من أجل تقديم المساعدة والدعم للجهات اللبنانية التي كانت قدراتها محدودة آنذاك، وذلك بغية الكشف عن هوية الفاعلين. برأيي، وانطلاقاً من تجربتي مع لجنة التحقيق الدولية على امتداد ثمانية أشهر، استحقّ هذا المجهود  حتماً كل هذا العناء. في تلك الأوقات العصيبة التي مرّ بها اللبنانيون، أظهر مجلس الأمن الدولي – بما في ذلك روسيا – أنه على أهبة الاستعداد لمساعدة لبنان. لقد كشف التحقيق بما لايرقى إليه الشك، العناصر السياسية التي تقف خلف الجريمة ودوافعها. وأفضى إلى جلسات المحاكمة التي تدور مداولاتها في لاهاي تحت قوس المحكمة الخاصة بلبنان، والتي يؤمَل أن تصل إلى خواتيمها باصدار حكم عادل.

يونغ: ألم يكن التحقيق والمحكمة يحملان في طيّاتهما، في حال عدم التوصل إلى معرفة هوية الجاني وإدانته، خطر أن يسلّطا الضوء، وهذا احتمال قائم دائماً، على شوائب العدالة الدولية، ويساهما بالتالي في تعزيز الإفلات من العقاب؟

ميليس: يجب أن ندرك أن التحقيقات والمحاكمات والأحكام الصادرة – دولية كانت أم وطنية – لاتحقق أبداً عدالة كاملة. قد تفلح في ذلك أحياناً، لكنها تعجز عنه في معظم الأحيان. هذا جزء من المحاولات الهادفة إلى تبيان الحقيقة: نفلح تارةً، ونفشل طوراً. وفي معظم الأحيان، يمتزج النجاح مع الفشل. نحدّد هوية بعض الجناة، ونزجّ بعضهم في السجن، فيما يفرّ المجرمون الآخرون من وجه العدالة لأي سبب من الأسباب. هذا هو الواقع. فهل يجب أن تكون العاقبة عدم إجراء تحقيقات على الإطلاق؟ لاأظن ذلك.

يونغ: وجّهتم، على امتداد فترة طويلة، انتقادات للتحقيق في قضية الحريري. بالعودة إلى الوراء، كيف تصفون تلك التجربة؟ هل كنتم على حق أم على خطأ؟

ميليس: أقرّ بأن النقد أسهل دوماً من العمل. كان عملي كمدعي عام أيضاً موضع انتقادات، وهذا من طبائع الأمور. أحياناً تتوضّح الصورة عندما نرصد هوية المنتقدين والأسباب التي تدفعهم إلى الانتقاد. من هذا المنطلق، ساورتني بالفعل شكوك بشأن بعض الأمور التي حدثت بعدما تخلّيت أنا ومعظم المحققين الدوليين في فريقي عن القضية. الآخرون سيحكمون في المستقبل ما إذا كنت محقاً أم لا، لكنني أعتقد أنني كنت محقاً.

يونغ: بعض الأشخاص المشتبه في تورّطهم في اغتيال الحريري قُتِلوا في الأعوام الأخيرة. هل تعتقدون أنها كانت مجرد مصادفات؟

ميليس: ليست لدي أدنى فكرة. وبما أنني كنت أشغل منصب مدعي عام في السابق، لاأسمح لنفسي بإطلاق التكهنات. لكن مما لاشك فيه أنه أمر مؤسف للغاية أن شخصاً مثل رستم غزالة [الذي كان رئيساً لجهاز الاستخبارات العسكرية في لبنان عند اغتيال الحريري] لم يعد على قيد الحياة للمثول أمام المحكمة الخاصة بلبنان. وذلك خلافاً لبشار الأسد...

يونغ: هل لازلتم تتابعون مجريات المحاكمة اليوم؟ وإذا كنتم تفعلون، ماتقييمكم؟

ميليس: لاأتابعها. وفي المرات القليلة التي حاولت ذلك، وجدت صعوبة شديدة في  قطف معلومات حول مايجري. لذلك ليست لدي أدنى فكرة عما آلت إليه المحاكمة. يبدو أنها تستغرق وقتاً طويلاً، ولابد من أن هناك أسباباً لذلك. من المشكلات الأساسية التي تواجهها العدالة الدولية أن التحقيقات ومايعقبها من محاكمات تستغرق وقتاً طويلاً جداً. أحبّذ أن يتم اعتماد مدوّنة مقبولة دولياً للإجراءات الجنائية في القضايا الدولية، الأمر الذي من شأنه أن يساهم في تسريع عجلة المحاكمات، من دون تهديد حقوق المتّهمين. في رأيي، العدالة المؤجَّلة هي عدالة محجوبة.

يونغ: عُلِّقَت آمال في تسعينيات القرن العشرين على تقدّم معايير السلوك الدولي، من خلال ماسُمِّي في ذلك الوقت "التدخل الإنساني". بيد أن الحرب في سورية أظهرت فشل هذا المفهوم. برأيكم، إلامَ ستؤول الجهود الهادفة إلى فرض المعايير القانونية الدولية للسلوك على الفاعلين السياسيين في العالم؟

ميليس: تأثير العدالة الدولية الرادِع على المرتكبين من  ذوي الدوافع السياسية محدود، تماماً كما هو الحال مع المجرمين العاديين. هذا مانشهده في سورية الآن. يعتقد المرتكبون على مختلف المستويات أنهم لن يمثلوا أبداً أمام قوس العدالة، والحال أن قلة قليلة منهم ستخضع إلى لمحاكمة في ظل الظروف الراهنة. نحتاج إلى محكمة جنائية دولية تتمتع بالسلطة اللازمة لفتح قضية كلما رأت ضرورة لذلك، ولديها شرطة مستقلة خاصة بها ذات سلطة تنفيذية على مستوى العالم.

يونغ: انطلاقاً من تجربتكم في العالم العربي في الماضي، وفي سورية على وجه التحديد، هل تفاجئكم المذبحة المفتوحة التي تشهدها سورية حاليا؟

ميليس: نعم تفاجئني. لطالما اعتقدت أن النظام السوري لن يتمكّن من الصمود، وأنه سينفجر من الداخل بسبب بنيته وممارساته الإجرامية. ذات يوم سيحدث ذلك بالتأكيد، لكن على مايبدو في ظل ظروف أكثر دراماتيكية مما توقّعت. يروّعني الآن أن العالم يتفرّج على المأساة في سورية، وأن روسيا التي دعمت التحقيق في قضية الحريري خلال رئاستي للجنة، تؤدّي دوراً ناشطاً في قتل مئات آلاف المواطنين السوريين.

يونغ: اضطلعتم، خلال عملكم كمدعي عام في برلين، بدور أساسي في التحقيق في ملابسات تفجير ديسكوتيك لابيل، وكذلك في التحقيق في تفجير المركز الثقافي الفرنسي في برلين الذي نفّذه الإرهابي الدولي كارلوس، فضلاً عن العديد من القضايا الأخرى. كيف تقارنون تجاربكم آنذاك بما تواجهه أوروبا اليوم، مع ظهور الإرهاب المحلي المنشأ الذي تمارسه مجموعات مرتبطة بما يُسمّى تنظيم الدولة الإسلامية؟

ميليس: قد تختلف الأيديولوجيات والقضايا، لكن الأساليب تتشابه كثيرا: تفجير أهداف عشوائية أو أهداف يجري اختيارها لـ"رمزيتها"، فضلاً عن قتل المدنيين. شهدنا ذلك في ثمانينيات القرن العشرين، من خلال الهجمات ضد القطارات ومحطاتها، والمطارات وطائرات الركّاب، والمطاعم، والصحف والصحافيين، وماإلى هنالك. عامل الاختلاف الوحيد في الوقت الراهن هو أن معظم الجناة مستعدّون للتضحية بأنفسهم عند ارتكابهم لجرائمهم. وهذا يزيد من صعوبة ردع هذه الممارسات، غير أنه يُلغي عنصر الابتزاز الذي كان يُستخدَم من أجل الحصول على الإفراج عن المجرمين الإرهابيين الموقوفين.

يونغ: توجّهتم في السابق إلى باريس للإدلاء بإفادتكم في محاكمة كارلوس. أي نوع من العلاقة ينشأ بين المدعي العام والشخص الذي يقوم بتحقيقات عنه؟ هل ينشأ بينهما غير مألوف من أشكال الحميمية؟

ميليس: من أجل التحقيق بفعالية في ملابسات جريمة ما، يجب فهم الدافع وراءها. في مواجهة مشتبهٍ به، تحاول أن تفهم – وليس أن تحترم – دوافعه الشخصية أيضاً. عليك بطريقة من الطرق أن تكون صادقاً مع المشتبه به وتقيم علاقة شخصية معه من أجل الحصول على المعلومات. يبدي جميع المجرمين تقريباً رغبة في الحديث عما ارتكبوه وتبريره وشرحه، إذا شعروا أن الظروف مؤاتية. هكذا هي الطبيعة البشرية. والمحقق يحاول تأمين الأجواء المناسبة. هذه ليست مسألة حميمية بل قضية احتراف.

يونغ: في مختلف الأحوال، كانت هناك علاقة مماثلة بينكم وبين ديبلوماسي سوري نقل العبوة التي استُخدِمت في تفجير القنصلية الفرنسية في برلين في العام 1983 – والذي طلب لاحقاً اللجوء السياسي في ألمانيا.

ميليس: مهنياً، كل من يساعدني على كشف ملابسات جريمة ما يستطيع أن يعوّل علي للحصول على المساعدة المهنية والشخصية، ضمن الحدود القانونية. الديبلوماسي السوري الذي تتحدث عنه قدّم أدلّة تثبت تورّطه، وتورّط رؤسائه في السفارة السورية وفي وزارة الخارجية، وكذلك تورّط الإرهابيين، الذين شاركوا جميعاً في تفجير القنصلية الفرنسية. أدلى بمعلومات قيّمة ليس بالنسبة إلينا نحن الألمان وحسب، إنما أيضاً بالنسبة إلى السلطات السويسرية واليونانية والفرنسية. وقد أدركت أنه لن يتمكّن من العودة إلى أسرته في سورية في ظل نظام الأسد. لذلك بذلت مافي وسعي لمساعدته على الإقامة في برلين بعد إخلاء سبيله، وبعد بضع سنوات، تمكّنّا حتى من إحضار أسرته من دمشق إلى برلين. بالطبع، ساهمت اعترافاته في تخفيف الحكم الصادر بحقه، لكن هذا الأمر ممكن في نظامنا القضائي.

يونغ: إلى أي حد تتعامل ألمانيا بفعالية مع التحدي الذي تشكّله الدولة الإسلامية اليوم؟ لقد شهدنا بعض الهجمات في ألمانيا، إنما ليس بحجم الاعتداءات التي وقعت في فرنسا. ماهي الأسباب برأيكم؟

ميليس: الحظ حليفنا إلى حد كبير حتى الآن، لكن في الوقت نفسه، التعاون بين مدّعينا العامين وأجهزتنا الاستخباراتية وسلطات الشرطة لدينا متطوّر ومنظَّم إلى درجة كبيرة، وبالتالي يتمتع بالفعالية. قبل أعوام، أنشأنا آلية استشارية رسمية حيث يعقد مسؤولون متخصصون يعرفون بعضهم بعضاً ويتبادلون الثقة على مستوى العمل، اجتماعات منتظمة في مركز مجهّز كما يجب، ويتبادلون المعلومات، ويطوّرون استراتيجيات، ويناقشون علناً القضايا الفردية والمستجدّات. نستخدم أيضاً وسائل تقنية متطورة في التحقيقات تحت إشراف قضائي.

أرى أيضاً أن عدداً كبيراً من المهاجرين من العالم الإسلامي يتماهون مع ألمانيا إلى حد ما، أو على الأقل يقدّرون المنافع التي تؤمَّن لهم في البلد حيث يعيشون، والتي تشمل ظروفاً آمنة ومريحة للعيش، ومجانية التعليم والرعاية الصحية، والحق في ممارسة معتقداتهم الدينية، وحرية التعبير، وماإلى هنالك. لذلك يبدي هؤلاء الأشخاص استعداداً للتعاون مع السلطات الألمانية أو دعمها من أجل الحؤول دون وقوع حوادث إرهابية. لقد اختبرنا ذلك مؤخراً عندما قدّم لاجئون سوريون المساعدة لتوقيف مواطن سوري يُشتبَه في ضلوعه في أعمال إرهابية.

يونغ: هل ولّت أيام المدّعي العام الذي يقود حملات قضائية في أوروبا؟

ميليس: لم يكن لها وجود في الأصل. يجب أن ندرك أننا لسنا في عرض تلفزيوني. تتطلب المقاضاة الفعالة – سابقاً وراهناً – تعاوناً وثيقاً مع الزملاء الدوليين والشرطة، وعند الاقتضاء، مع أجهزة الاستخبارات. في غياب العمل الجماعي، يتخبّط المدعي العام في لجج الضياع. بالطبع، يجب أن يتحلى بالعزيمة ويركّز على مقتضيات عمله، أي المسؤولية، وطاعة القانون، واحترام الضحايا.

يونغ: لابد من أن التقاعد مملٌّ بعض الشيء بعد مسيرة مهنية كتلك التي خضتموها. هل يصيبكم التقاعد بالملل؟

ميليس: كلا، على الإطلاق. الحياة رائعة من دون جثث، وليالٍ من الأرق، وساعات طويلة في العمل، واجتماعات مطوّلة، وهذا ليس سوى غيض من فيض المزايا التي يؤمّنها التقاعد. كان هناك وقتٌ للعمل – نحو 40 عاماً – والآن حان الوقت كي أعيش.