عندما زرت المحكمة الدستورية العليا في مصر لأول مرة قبل ربع قرن، كان مبناها يقبع بعيداً عن الأنظار في مكاتب يغشاها الغبار في مقر المحكمة العليا في وسط القاهرة. كان العائق الوحيد أمام دخولها هو تحديد موقعها. أما الآن فتتخذ من مبنى نيو- فرعوني مهيب ويحظى بحراسة مشدّدة مقراً لها على ضفاف نهر النيل.

صعد نجم المكانة السياسية للمحكمة بخطى متسارعة. ففي الثمانينيات والتسعينيات، كانت المحكمة وراء سلسلة من الهزائم القانونية للنظام، ما أدّى إلى حرمانه من بعض أدواته السابقة لإدارة شؤون السياسة والاقتصاد المصريَّين، كالتلاعب بقواعد الانتخابات وفرز الأصوات، وفرض قيود على المنظمات غير الحكومية، وحتى اقتطاع ضريبة من المبيعات. في كل هذه الحالات، لم تشكّل قرارات المحكمة تهديداً للنظام، بل تسبّبت فقط بإزعاجات شديدة، ما اضطُرَّه إلى التكيف والبحث عن أدوات جديدة تحلّ مكان تلك التي فقدَها.

إذا كانت المحكمة الدستورية العليا تمكّنت من إصدار هذه الأحكام، فالفضل يعود إلى ماتتمتع به من استقلال ذاتي قوي يستمد ركائزه من القانون والعرف، الأمر الذي منحها صلاحيات واسعة لتعيين قضاة جدد. لكن في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، استخدمت الرئاسة المصرية سلطتها، التي كانت لاتزال كامنة (إنما مشروعة قانوناً)، في التعيينات لجعل المحكمة أكثر خضوعاً. لم يكن أمام المحكمة الدستورية العليا من خيار سوى القبول بما قُدِّر لها. وفي العقد الأخير من عهد الرئيس حسني مبارك، التزمت المحكمة الصمت نسبياً. لكن مع سقوط هذا الأخير في العام 2011، تمكّنت هذه الهيئة من إقناع القيادة العسكرية – التي كانت تمارس آنذاك صلاحيات الرئاسة – بمنحها استقلالاً ذاتياً كاملاً وعزلها عن الآليات الديمقراطية التي كان يُتوقَّع أن تظهر غداة الانتفاضة.

مارست الأحكام الصادرة عن المحكمة الدستورية العليا تأثيراً هائلاً على الصراعات السياسية طيلة عامَين بعد الانتفاضة – ولاسيما عبر حل برلمان في العام 2012 ومنع الإخوان المسلمين من استخدامه لتغيير المنظومة القانونية المصرية، ماشكّل أوضح مؤشر على أن المحكمة ترى إلى نفسها كجزء من جهاز دولة لايألو جهداً لدرء كل مايعتبره فوضى وتدخلاً إسلامياً في الحوكمة.

أما جماعة الإخوان المسلمين، فقد عمدت إلى مضايقة المحكمة وسعت لتحويلها إلى مؤسسة أكثر إذعاناً. لكن، وقبل أن تتمكّن من تحقيق ذلك، أُنقِذت المحكمة مع عزل الرئيس محمد مرسي، واستبدال الدستور الذي أشرف الإخوان على وضعه بآخر شارك القضاء عموماً – والمحكمة الدستورية العليا تحديداً – في صياغته. كما اضطلع رئيس المحكمة الدستورية العليا، عدلي منصور، بمنصب الرئيس المؤقت للبلاد، وتولّى بصفته هذه الإشراف على عملية وضع الدستور.

استُبدِل منصور بعد تقاعده من رئاسة المحكمة بعبد الوهاب عبد الرازق، وهو من المخضرمين الذين عملوا طويلاً في المحكمة، وساهموا في صوغ بعض الآراء خلال المرحلة التي نشطت فيه المحكمة. تمكّن القانون الذي يمنح المحكمة الدستورية العليا استقلالاً ذاتياً، من الصمود في وجه الاضطرابات التي شهدتها الأعوام الخمسة الماضية. فهي لم تتعرّض إلى حملات تطهير للقضاة المتعاطفين مع المعارضة، كما حدث في أجهزة قضائية أخرى. في عهد الإخوان المسلمين، أُبعِد العديد من القضاة، بينهم تهاني الجبالي، العدوة اللدودة للإخوان. وفي مؤشر لافت، لم تقم المحكمة باستدعائها للانضمام إلى قوسها من جديد بعد العام 2013، على الرغم من أنه كان بإمكانها أن تفعل لو أرادت. 

بما أن المحكمة الدستورية العليا تُصدر أحكامها من دون أي إشارة إلى اتجاهات التصويت – ومن دون ظهور آراء معارِضة بين أعضائها – يستحيل الجزم بشأن ميول القضاة على المستوى الفردي. بيد أن الفحوى العامة لتوجّه المحكمة واضح إلى حد ما: إنها عموماً جزء من المنظومة السياسية التي برزت في البلاد بعد العام 2013، لكنها أيضاً شديدة الحرص على استقلالها الذاتي ومستعدّة لخوض المعارك بنفسها – كما فعلت عندما نقضت مرسوماً كان رئيس القضاة نفسه قد أصدره لدى تسنّمه رئاسة البلاد بالوكالة، حالما عاد إلى مقاعد المحكمة.

تنظر المحكمة الدستورية حالياً في عدد من القضايا الحسّاسة، منها قانون التظاهر الذي استُخدِم للقضاء على ثقافة الاحتجاج النابضة في مصر؛ والخلاف حول نقل السيطرة على جزيرتين حدوديتين إلى السعودية. وغالب الظن أن مزيداً من القضايا الحسّاسة ستُعرَض على المحكمة؛ فالقانون الذي انتُخِب بموجبه البرلمان الحالي يمكن الطعن به من منطلقات عدّة. ثمّ أن المحكمة الدستورية العليا لمّا تتوصل بعد إلى قانون للانتخابات التشريعية خالٍ من الشوائب الدستورية. العمل جارٍ أيضاً على إعداد قوانين حول المنظمات غير الحكومية والصحافة، وهذه ستكون على الأرجح مادّة للطعن الدستوري. يُشار إلى أن الدستور الراهن مشابه إلى حد كبير للدساتير السابقة، لكنه يتضمن تغييرات أساسية في بعض المواد الحسّاسة، مايعني أن التشريعات التي وُضِعت بموجب الدساتير السابقة قد تُعتبَر غير دستورية في ظل الدستور الحالي.

صيغ الدستور المصري الحالي ليعكس مصالح الأفرقاء الأساسيين في الدولة، بما في ذلك الجيش والقضاء والشرطة. فعلى سبيل المثال، يؤمّن الدسنور حماية فعلية للدور الذي تؤدّيه المحاكم العسكرية في محاكمة المدنيين، علماً بأن هذه المسألة كانت غامضة دستورياً في دستور 1971 السابق. غير أنه يبدو أن بعض موادّه صيغت بشكل غير متقن، فيما قد تحمل مواد أخرى مفاجآت عند وضعها في عهدة المحكمة الدستورية العليا.

كيف يمكن أن تتعامل المحكمة الدستورية العليا مع القضايا الحسّاسة سياسياً؟

خلال الأعوام الخمسة الماضية التي أمضيتها في مراقبة السياسة المصرية، وضعت مقالاً أعتقد أنه يتميّز بتبصّر عميق. كان عنوان المقال "اضطراب قضائي مقبل في مصر، شدّوا الأحزمة"، وأوضحت فيه أن القضاء يتّجه إلى تأدية دور قوي في الصراع السياسي في مصر بعد الانتفاضة. لكنني كتبت أيضاً مقالاً أودّ كثيراً لو أنساه تحت عنوان "ربيع السيسي"، توقّعت فيه - وكنت مخطئاً في ذلك – أن يلجأ الرئيس المنتخب الجديد، على غرار السادات ومبارك، إلى تحرير تكتيكي لاجتثاث المسؤولين الكبار الذين قد يتحدّونه أو يفلتون من قبضته.

لقد أخطأت التقدير في المقال الثاني، لأن السيسي لم يتصرّف كشخص يسعى إلى السيطرة على أجهزة الدولة كافة، إنما كرئيس مجمع من مؤسسات الدولة يتمتع كل منها بنوع من الاستقلال الذاتي وبإفلات شبه تام من المساءلة. ليست الرئاسة في عهد السيسي عاجزة كما كانت في عهد مرسي، وتحقق عموماً مبتغاها. لكنها تبدو في شكل عام أقل قدرة على تسيير شؤون الدولة اليومية، مقارنةً مع الرؤساء الذين حكموا البلاد قبل انتفاضة 2011.

لذلك، أتوقّع أن تعود المحكمة الدستورية العليا تدريجاً إلى الجمع بين المواقف الناشطة والامتثالية. وقد يبرز استقلالها الذاتي النسبي في شكل أكبر، مع انحسار ذكريات 2013 وتمكّنها من إبطال بعض القوانين التي تشكّل جزءاً من آلية عمل النظام. لكن على النقيض من مرحلة التسعينيات، ستكون في غالب الظن أكثر حماية للمنظومة القائمة مما كانت عليه في أوج مسيرتها. تستطيع المحكمة أن تختار توقيت صدور أحكامها بحيث لاتأتي في أوقات غير مؤاتية بالنسبة إلى النظام. ويمكنها أيضاً نشر آراء استشارية صادرة عن هيئة المفوّضين لديها (التي تحضّر القضايا لطرحها على المحكمة) لتكون بمثابة تحذير مُسبق. ولدى المحكمة أدوات أخرى يمكنها استخدامها لتطويع الأحكام المناوئة التي قد تصدر عنها، وتسهّل قيام النظام بإدخال تعديلات عليها.

على أي حال، ماهو واضح أن المحكمة الدستورية العليا ستتلقّى على الأرجح سيلاً من القضايا الحساسة. ويُتوقَّع أن تُلحِق هذه الهيئة هزائم بالنظام، لكنها ستمنحه أيضاً بعض الانتصارات. في حالة الهزائم، سوف تصدر الأحكام بطريقة لاتهدّد مصالح النظام الأساسية – غالباً ماتتعلم المحاكم الطموحة أن مَن يمدّون أعناقهم طويلاً يمكن أن تُجَزّ رؤوسهم. وتنبثق فلسفة المحكمة القانونية من مقاربة تدعم دور الدولة المصرية في شكل عام، وبالتالي الأرجح أنها ستستخدم الأدوات التي تمتلكها كي تصوغ آراءها بطرق أقل تهديداً وتختار التوقيت الأنسب لإصدار أحكامها.

لكن في مصر اليوم، يُتوقّع أن يتحوّل كل خلاف سياسي إلى خلاف دستوري، وسيكون للمحكمة الدستورية العليا على الدوام رأي في هذه الخلافات، ولو لم يكن هذا الرأي متّسقاً.