تبنَّت المؤسسة الحاكمة المصرية الجديدة، المُتمحورة حول جنرالات الجيش والأجهزة الأمنية والتي تربعت على عرش السلطة غداة إطاحة الرئيس حسني مبارك في تموز/يوليو 2013، نوعين من النزعة الشعبوية: إحداهما دينية والأخرى وطنية.

كلا هاتين الشعبويتين مكّنتا حكام مصر من إحكام قبضتهم على العديد من مناحي الحياة في البلاد، بذريعة أنهم يمارسون السلطة باسم المواطنين العاديين ويسعون عبرها إلى توفير حاجاتهم ومتطلباتهم.

الشعبوية الدينية ترتقي بالحكام إلى مصاف المَثَلْ الأعلى الأخلاقي، وتعطيهم حق النطق باسم الدين ليس في الشأن العام والمجال السياسي وحسب، بل أيضاً في مايتعلّق بتأثيرات ومضاعفات هذا الدين على الحياة الخاصة والأخلاق. أما الشعبوية الوطنية، فتُستخدم لتبرير احتكار المؤسسة الحاكمة للسلطة، وهي تسمح للجنرال الحاكم، عبد الفتاح السيسي، بالادعاء أنه نصير المصالح الوطنية والأمن القومي، مايمكّنه من لعب دور "حامي حمى الجماهير".

والحال أن جنرالات الجيش والأمن في مصر يمتطون المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية لفرض تفسيراتهم الخاصة للدين في شتى المجالات. هذه التفسيرات تتمظهر في ثلاث وسائل متقاطعة: الأولى، عبر تأطير الطاعة للحاكم وفرض سياسات الحكومة بوصفهما من فرائض الدين. والثانية، عبر الزعم بأن المفاهيم التي تروّج لها الحكومة عن الدين تقع في خانة الاعتدال. وتبعاً لذلك، أي توجّه ضدها يوسَم فوراً بالتطرف. الوسيلة الأخيرة هي وصف الحاكم بأنه الراعي الأول والأعلى لـ"القيم والأخلاق الشريفة". وبالتالي، أي مفاهيم أخلاقية تخرج عن هذا السياق، تُعتبر "غير ملائمة لمصر".

وهكذا، وعبر العزف على هذه الألحان الوطنية الشعبوية الخاصة، تطرح المؤسسة الحاكمة نفسها على أنها الضامن للاستقرار والحارس اليقظ على مصالح المواطين العاديين، تماماً كما كان الحال منذ أن تسلّق الضباط سلّم السلطة غداة ثورة العام 1952، واعتبروا أنفسهم الأب الرؤوم والأم الحانية الراعية للأمة الوليدة. ومثل هذا النمط من الشعبوية، يُشرّع الأبواب والنوافذ أمام تسخيف السياسة والسياسيين المدنيين، فيُدين جنرالات الجيش والأمن هؤلاء بدعوى افتقارهم إلى القدرة على توفير الرفاه الحقيقي للبلاد، أو بأنهم مجموعات معزولة لاتسعى إلا وراء مصالحها الخاصة. وهكذا، وبعد هذا الهزؤ والسخرية، تتذرع المؤسسة الحاكمة بأنها تملأ الفراغ عبر تعيين الضباط العسكريين والأمنيين في المؤسسات لحماية الشعب وتوفير الحاجات الأساسية للمواطنين. 

تصوغ الشعبوية الوطنية إطاراً للحكم يتنافى بشكلٍ واضح مع دولة القانون والحوكمة الرشيدة. فمؤسسات المنظومة العسكرية، التي تفيد من هذه الشعبوية، تتمتع بحصانة دستورية وقانونية وسياسية تحميها من كل أشكال المحاسبة والمساءلة، مايقوّض عمل السلطتين التشريعية والقضائية، وبالتالي يحدّ من الضوابط والموازين داخل النظام، ويعطّل عمل الهيئات الرقابية مثل الجهاز المركزي للمحاسبات.

علاوةً على ذلك، يحظى الجيش في مصر بوضعٍ خاص بموجب دستور العام 2014، مايعني أن بنود ميزانية القوات المسلحة لايُمكن أن تُناقَش بشفافية، وأن آليات الإشراف على عمل القوات المسلحة أضحت في حكم المُلغاة. فالمدنيون باتوا يُحالون إلى المحاكم العسكرية متى شاء الجنرالات. وبعد العام 2013، مَثل آلاف المصريين، ومن ضمنهم عمّال وطلّاب جامعيون ونشطاء شباب، أمام المحاكم العسكرية. واستغلّت المؤسسة العسكرية هذا الوضع الخاص الذي يضمنه لها الدستور لتعزّز دورها الاقتصادي والاجتماعي. فعلى سبيل المثال، منح مرسوم صادر عن الرئيس المصري في العام 2015 القوات المسلحة صلاحية تأسيس شركات ربحية واستثمارية بالتعاون مع شركاء مصريين وأجانب.

أما على المستوى العام، فتعمد الشعبوية الوطنية إلى كتم الأصوات الحرة المطالِبة بالتغيير الديمقراطي، وكبح الحركات الاجتماعية الناشطة في الدفاع عن حقوق الإنسان وصون الحريات. وقد سعت المؤسسة الحاكمة إلى تشويه سُمعة هذه الأصوات والحركات لبتر أي ارتباط مفاهيمي قائمٍ بين الديمقراطية وبين حقوق الإنسان ومصالح الناس العاديين. كما شنّت وسائل الإعلام الخاضعة إلى سطوة النظام هجوماً على النشطاء المُنادين بالديمقراطية وعلى عمّال المصانع الذين رفعوا مطالب مشروعة لزيادة الأجور، ووجّهت إليهم جزافاً تهم بالفساد والخيانة والتآمر مع "أعداء الأمة"، من دون تقديم أي أدلّة. وطالت حملات التشهير المُمنهجة التي شنّتها وسائل الإعلام أيضاً المنظمات غير الحكومية المستقلة، والجمعيات المهنية التي ندّدت بانتهاكات حقوق الإنسان واسعة النطاق والسياسات الاقتصادية والاجتماعية. كان هدف الجنرالات خلق بيئة لتبرير وتسهيل الحملات القمعية وإسكات الأصوات المعارضة.

كل ذلك أفضى إلى مفارقة أورويلية: إذ يمارس النظام المصري سلوكياته باسم الشعب، لكنها موجّهة أساساً ضد الشعب. وفي غضون ذلك، تستخدم المؤسسة الحاكمة مفهوم الشعبوية الوطنية لتفكيك الأسس التي تستند إليها دولة القانون. وبحجّة الدفاع عن الأمة وتوطيد الأمن القومي، تُطبَّق في مصر اليوم تغييرات قانونية تتنافى ومبادئ العدالة والمساواة. وتحت ذريعة شنّ "حرب على الإرهاب" لإعادة إرساء الاستقرار والدفاع عن سلامة الأراضي، قامت القوات العسكرية والأمنية بعمليات مراقبة غير قانونية وهي تهدّد بشكلٍ متواصل حقوق المواطنين وحرياتهم.

يتمثّل أوضح مثال على هذه التدابير القانونية اللاديمقراطية في تعديل المادة 78 من قانون العقوبات، الذي ينصّ على تجريم التمويل الأجنبي مهما كانت أغراضه، الأمر الذي يجعل الناشطين المؤيدين للديمقراطية والمنظمات غير الحكومية المستقلة عرضة لمواجهة عقوبات حكومية قاسية.

علاوةً على ذلك، غالباً ماتخلق الشعبوية الوطنية بيئة تسمح بإلغاء المعايير العالمية لسيادة القانون، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، باعتبارها ممارسات غربية لاتنطبق على مصر ولا تُلزِم الحكومة. وبالفعل، تعتبر الرؤية العامة للشعبوية الوطنية مبادئ سيادة القانون والديمقراطية أشبه بحصان طروادة يحرّكها "أعداء الأمة" من الداخل والخارج لتقويض الاستقرار. وهكذا، تجري عمليات الخطف والتعذيب والقتل خارج نطاق القضاء، وتمارَس مختلف انتهاكات الحقوق بذريعة حماية الوطن والدفاع عن مصالح المصريين العاديين.

لم تُطبِّق المؤسسة الحاكمة التي يسيطر عليها الجيش والأجهزة الأمنية سياسة عامة سليمة، كما لم تضع أي أسس للنمو الاقتصادي. بدلاً من ذلك، استغلت السلطات الشعبوية الوطنية لطرح الحقائق جانباً، وحظر التدفق الحر للمعلومات، والانتقاص من قيمة المعرفة والتفكير العلمي في قضايا السياسة العامة. وينبع مثل هذا العداء من ميل المؤسسة الحاكمة إلى إنكار وجود الأزمات، وإنحاء اللوم على الآخرين وتحميلهم مسؤولية البيئة السلبية المستفحلة في المجتمع اليوم، والإيعاز إلى المواطنين بأن واجبهم يقتصر على الطاعة وحسب. كما أنها تستخدم ازدراءها لدقائق السياسة وتفاصيلها لتبرير إطلاق حلول عشوائية تطال العديد من الصعوبات التي تتخبط مصر في لُججها، وكأن إنقاذ البلاد ممكن في ظل استمرار انتهاك حقوق الإنسان، واضطلاع الجيش بدور مبالغ فيه على الصعيد الاقتصادي، والمكافحة الخجولة وشبه المعدومة للفساد.

وهكذا، ومع تنامي الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتفاقم التوترات السياسية، والسياسات العامة غير الفعّالة، وتضاؤل معدلات الرضى عن الرئيس، بات استخدام الشعبوية الدينية والوطنية على السواء إحدى الاستراتيجيتين الرئيستين اللتين تلجأ إليهما المؤسسة الحاكمة لإبقاء سيطرتها مبسوطة على مصر. أما الاستراتجية الأخرى فهي القمع السافر.

*الأورولية، نسبة لجورج أوريل في كتابه الشهير "1984"، الذي تحدّث فيه عن بروز الحكومة التوتاليتارية والاستبدادية، التي تُسيطر على كل مناحي الحياة في المجتمع والدولة. (المترجم)