ربما من المبكر للغاية استقراء مايعنيه انتصار دونالد ترامب الصادم في الانتخابات الأميركية، بالنسبة إلى السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. فترامب نفسه لم يطرح حتى الساعة أفكاراً متّسقة حول المنطقة، كما أن هويات كبار المسؤولين لاتزال في علم الغيب. وهذا مايجعل أهدافه الإقليمية أشبه بقائمة فارغة.

لكن، وكما لاحظ بيري كاماك أمس، ثمة بعض المعطيات الرئيسة التي قد تشكّل سياسته الأوّلية. فمع عدم استبعاد التبعات الكارثية التي قد يُسببها ترامب في معظم مجالات السياستين الداخلية والخارجية، ثمة مبرر للاعتقاد، وإن كان هذا سيُعتبر مفاجئاً، بأن الشرق الأوسط سيكون البقعة الأقل تأثراً بها.

في سورية، لايبدو مُحتملاً أن يتدخّل ترامب ضد نظام الرئيس بشار الأسد، مهما ارتكب هذا الأخير من انتهاكات وخطايا. إذ هو أعرب مراراً وتكراراً عن شكوكه بنوايا المتمردين السوريين، وانتقد بحدة دعم كلينتون لفكرة إقامة منطقة حظر جوي. وهذا، جنباً إلى جنب مع شعوره بالراحة في حضن روسيا، يزيدان من احتمال ألا يدعم ترامب فكرة التدخل الإنساني ضد النظام السوري.

على الرغم من أن الرئيس المنتخب سيُواجه ضغطاً كبيراً للتدخل من جانب مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية (وحتى من نائبه نفسه)، إلا أنه يبدو واضحاً الآن أن التصعيد الأميركي في سورية، الذي كان الجميع يتوقعونه، لن يرَ النور. وهذا يعني أن شيئاً ما شبيهاً بالأمر الواقع قد يتواصل، وهو أمر لم يكن ليحدث لو فازت هيلاري كلينتون بالرئاسة. أما بالنسبة إلى أولئك في الولايات المتحدة الذين كانوا يعتقدون أن التدخّل المحدود لم يكن ليحقق سوى النذر اليسير على أي حال، لا بل قد يعبّد الطريق أمام تورّط أوسع، فإن عدم توجّه الولايات المتحدة إلى سورية هو، برأيهم، أحد الجوانب المشرقة في هذه الانتخابات.

كذلك، لايُحتمل أيضاً أن يغيّر ترامب الكثير في طبيعة الحملة التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سورية والعراق، وهو سيدرك سريعاً أن هذه الحملة تُبلي بلاء حسنا للغاية، خاصة في العراق. كما سيكون سعيداً أن ينسب لنفسه الفضل لسقوط الموصل والرقة، إذا ما حدث ذلك غداة تنصيبه.

أما بالنسبة إلى إيران، سيؤدي وضع ترامب انتقاداته المتكررة للاتفاق النووي معها موضع التنفيذ، إلى نشوب تمزقات حادة. لكن يُحتمل أن يغيّر رأيه حين يطّلع بالكامل على الفوائد والمزايا الحقيقية للاتفاق، وعلى أكلاف شطبه، خاصة مع استبعاد إعادة فرض العقوبات. وهكذا، وبدلاً من تمزيق الاتفاق من دون تحضير بديل له، قد يكتفي ترامب بالمطالبة بصوت خفيض بإعادة التفاوض عليه. لكن على أي حال، هذه إحدى القضايا التي من الصعب للغاية الحُكم عليها مسبقا.

هنا نصل إلى خواتيم الأخبار الطيبة. إذ ما لم يحدث تغيُّر بارز في توجهاته، سيواصل ترامب في الغالب إطلاق العنان لآرائه المتطرفة ضد "الإسلام الراديكالي". وهذا سيعزز سرديات صدام الحضارات، ولن يسفر سوى عن زيادة جاذبية الجماعات الجهادية. ثم أن عدم إيلاء الاهتمام بحروب مثل تلك التي تجري وقائعها الآن في ليبيا واليمن، سيضمن للجهاديين الفارين من خلافة الدولة الإسلامية المُتحطمة ملاذات آمنة جديدة. والحال أن فهم ترامب الفج للتلاوين المعقّدة للعالم الإسلامي اليوم، والتي تتضمن حُمى نظريات المؤامرة حول جماعة الإخوان المسلمين في صفوف قواعده السياسية، سيجعل من ممارسة سياسة فعّالة أمراً عصي المنال.

نأتي الآن إلى بيانات ترامب الكاوية واللاذعة عن المملكة السعودية، ومطالباته الملحة بأن يتحمَّل الحلفاء قسطاً أكبر من الأعباء، لنقول أن كل هذا قد يكون مؤشراً على احتمال اندلاع توترات جديدة في التحالفات الإقليمية. لكن هذا أيضاً قد يُلقى به جانباً سريعاً على قارعة الطريق. قد يشعر حلفاء أميركا الشرق أوسطيون بالقلق من تعابير ترامب الازدرائية، وسلوكياته الغريبة، وآرائه المناهضة للإسلام، ومواقفه حول التحالفات، لكن يُحتمل أن ينسج علاقات طيبة للغاية مع الرجال الأقوياء المعادين للديمقراطية. وهنا، ليس مفاجئاً أن يكون الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من أوائل قادة العالم الذين بادروا إلى الاتصال بالرئيس المُنتخب للتهنئة. علاوةً على ذلك، يشعر العديد من مستبدي المنطقة بغبطة وحبور فائقين حين يكيل ترامب المديح للقادة الأوتوقراطيين الأقوياء، وحين يشن الحملات الصقرية على إيران، ويبدي شكوكه بالديمقراطية العربية وبإسلاميي التيارات الرئيسة. كما أنهم يطربون للحقيقة بأن أولى أولوياته ستكون مجابهة الإرهاب. وهذا سيعني، في المقابل، أن الإصلاحيين، ومجموعات المجتمع المدني، والناشطين وأولئك المطالبين بالحريات، سيجدون أنفسهم في مركب صعب.

لكن، وعلى الرغم من كل ذلك، ومهما كانت خطط ترامب للشرق الأوسط، من غير المحتمل أن تصمد هذه التوجهات حين تصطدم بجدار الحقيقة. هذا ماحدث لجورج دبليو بوش الذي وعد في بداية عهده بممارسة سياسة خارجية متواضعة، بيد أنه سرعان ماوجد نفسه يحاول تغيير الشرق الأوسط بالقوة. وهذا ماحدث أيضاً لباراك أوباما الذي وعد بالخروج من العراق وسورية، وإعادة تنظيم العلاقات مع العالم الإسلامي، فإذا بتنظيم الدولة الإسلامية يجرجره ثانية إلى العراق، وكذلك إلى سورية.

ترامب سيواجه منطقة مُبتلية بحروب متعددة، ودفقاً هائلاً من اللاجئين، وأزمة حوكمة عميقة. والحملات الانتخابية لم تفعل شيئاً لجعله مُستعدّاً للتعاطي مع كل ذلك. صحيح أنه سيتمتع بحرية كبيرة لانتهاج سياساته المُفضّلة خلال الشهور الأولى على الأقل من عهده، بيد أنه عاجلاً لا آجلاً سيواجه أزمات جديدة ومقاومة من كل الجهات والدوائر. وهذا سيجذب سياساته إلى اتجاهات مختلفة للغاية عن تلك التي كان يتوقع.