ثمة مناسبتان اثنتان شهدتا وفاة قائد كيان سياسي فلسطيني وهو متربّع في السلطة. في المرة الأولى، في العام 1963، لم يستقطب الحدث كبير اهتمام، لأن الكيان السياسي المعني كان تبخّر من الوجود. أما في الثانية، في العام 2004، حدث العكس: فقد كان لفلسطين مجموعة منوّعة من الهياكل السياسية التي تتمتع ببعض الحيوية وآليات واضحة لانتقال السلطة، وجرت مراعاتها كلها. لكن، في غالب الظن، سيُفضي الانتقال الثالث للسلطة، لدى حدوثه، إلى نتيجة تقع في منزلة بين منزلتَي هاتين التجربتَين.

في العام 1963، توفّي أحمد حلمي، رئيس وزراء حكومة كل فلسطين، في لبنان. كان حلمي، الذي بالكاد يُذكَر اسمه، يرأس هيئة كان يُفترَض بها إدارة دولة فلسطين التي أُعلِن عن إقامتها شكلياً في غزة في آب/أغسطس 1948. حصلت تلك الدولة على بعض الاعتراف الديبلوماسي حين أبصرت النور، إنما لم يكن لها في نهاية المطاف حضور فعّال في أي جزء من فلسطين، وسرعان ما انتقلت إلى القاهرة حيث تنفّست حياتها على الورق وحسب.

عندما وافت المنية حلمي، لم يكن لفلسطين عملياً أي مظهر من المظاهر المؤسسية أو السياسية، ماخلا كوكبة من الجمعيات والحركات في الشتات التي تفتقر إلى أي مؤسسة جامعة. كان الفلسطينيون أنفسهم يعيشون في ظل مجموعة منوّعة من الأنظمة والنظم السياسية التي لم يرأسها أي فلسطيني. وهكذا لم يخلف أحد حلمي، على الرغم من أن وفاته ضخّت بعض الزخم في الجهود الساعية إلى تشكيل هيئة جديدة لتمثيل الفلسطينيين، الأمر الذي أفضى في نهاية المطاف إلى قيام جامعة الدول العربية بإنشاء منظمة التحرير الفلسطينية في العام التالي. بيد أن المؤسسات الوطنية الفلسطينية لم تبدأ بالتحلّق حول منظمة التحرير الفلسطينية إلا بعدما استولت الفصائل السياسية الفلسطينية على المنظمة واختير ياسر عرفات رئيساً لها في العام 1969. أسفرت هذه العملية  لاحقاً  عن إعلان المنظمة قيام دولة فلسطينية في العام 1988، وإنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية في العام 1994 لإدارة شؤون الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة. وشكّل كل ذلك في عيون قادتها الأساس لدولة حقيقية (وليس مجرد دولة قانونية)، خاصة مع ترقّب إبرام اتفاق سلام مع إسرائيل.

يبلغ محمود عباس، الرئيس الحالي لدولة فلسطين، ورئيس اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية، ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، ورئيس حركة فتح (اختصار لحركة التحرير الوطني الفلسطيني)، الحادية والثمانين. وهو حصل على كل هذه الألقاب بعد وفاة عرفات في العام 2004، عبر سلسلة انتخابات أُجريت في مختلف الهيئات المعنية – وتُوِّجت هذه العملية بانتخابه رئيساً للسلطة الوطنية الفلسطينية في كانون الثاني/يناير 2005. ويعد حيازته على كل هذه الألقاب، باتت تُعقَد اجتماعات للهيئات الحاكمة، وتُجرى انتخابات، وتُطبَّق إجراءات مدوّنة.

ماذا سيحدث عندما يغيب محمود عباس عن المشهد؟

الإجراءات لانتخاب رئيس جديد للسلطة الفلسطينية خلفاً له واضحة، لكن من غير المرجّح أن يتم التقيّد بها. والبديل المؤقت عنه، وفق القانون الأساسي للسلطة الوطنية الفلسطينية، هو رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني الذي لم ينعقد منذ العام 2007 (إلا إذا احتُسِبت الجلسات المبتورة التي عقدها نواب حماس في غزة). ليس للمجلس التشريعي الآن رئيس معترَف به، وآخر رؤسائه كان عضواً في حركة حماس. ثم أن تسنّم رئيس جديد للمجلس التشريعي يحظى بقبول واسع، يفرض على الأرجح إجراء انتخابات عامة جديدة، وهو أمر شبه مستحيل في ظل الظروف السياسية الراهنة (بعدما عجزت السلطة الوطنية الفلسطينية حتى عن إجراء انتخابات بلدية في الضفة الغربية وغزة).

أقدَم عباس مؤخراً على خطوة مثيرة للجدل تمثّلت في إنشاء محكمة دستورية، ربما في مسعى منه لإضفاء غشاء قانوني على حل آني مؤقّت. هذه المحكمة قد تصادق على إجراءٍ تختار بموجبه منظمة التحرير الفلسطينية (التي يعتبرها الفلسطينيون مصدر الصلاحيات التي تتمتع بها السلطة الوطنية الفلسطينية) خلفاً لعباس. وهذا ليس بالأمر المستجد، إذ سبق لها أن أظهرت ولاءها لعباس بإصدارها بعض الأحكام الملائمة له سياسياً، وبالتالي، قد تواصل الامتثال اليوم والقيام بما هو مطلوب منها. لكن غالب الظن أن أي خطوة من هذا القبيل ستلقى معارضة من حماس، ولن تكون بالتالي نافذة في غزة. ولا ننسى هنا أن شرعية السلطة الوطنية الفلسطينية وحضورها الإداري حتى في الضفة الغربية شهد تفسّخاً خطيراً.

لكن، ماذا عن منظمة التحرير الفلسطينية ودولة فلسطين التي أعلنتها في العام 1988؟ رئيس منظمة التحرير الفلسطينية تختاره اللجنة التنفيذية للمنظمة، وهي الهيئة المعنية بصناعة القرارات اليومية وتتكوّن من 18 عضواً، بينهم الرئيس الذي يُطلَق عليه أيضاً، منذ العام 1988، لقب "رئيس دولة فلسطين". لطالما خضعت اللجنة التنفيذية إلى سيطرة رئيسها، وسيطرة حركة فتح منذ العام 1969، لكن هناك سبعة فصائل أصغر حجماً ممثَّلة فيها أيضاً (مع الغياب الفاقع لحركة حماس عن تركيبتها). النظام المعمول به في اللجنة هو النظام الأكثري، وهي نظرياً تُنتخَب من قبل المجلس الوطني الفلسطيني، أي الهيئة التي تتولى الرقابة على منظمة التحرير الفلسطينية بكاملها، لكن المجلس لم يلتئم منذ العام 1999. وتعاني منظمة التحرير الفلسطينية نفسها من التفسخ، بحيث باتت تُدار وكأنها مجموعة من المكاتب المرتبطة برئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية. صحيح أن المنظمة لاتزال تحتفظ بغلاف تاريخي ما، لكن حيويتها المؤسسية انحسرت كثيراً. ولكن يمكن أن تُستخدم هيكلياتها العفنة الراهنة فقط لإقرار خيار حركة فتح.

أما حركة فتح نفسها فتتمتع ببعض الحيوية، ولاسيما على المستوى المحلي في الضفة الغربية. غير أن قيادتها طاعنة في السن، وتعاني من انقسامات حادة، كما أنها منسلخة بعض الشيء عن القاعدة. يتم اختيار رئيس حركة فتح من الأعضاء العشرين في اللجنة المركزية (الذين تتراوح أعمارهم الآن بين 55 و82 عاماً)، بحسب نظام الأكثرية البسيطة. وبعد اختيار مرشّح، يجب أن يحظى بالموافقة من المجلس الثوري في حركة فتح الذي يتألف من 81 عضواً جرى انتخابهم خلال مؤتمر فتح السادس في العام 2012. وفي حين أُطلِقت وعود مرات عدة على امتداد الأعوام القليلة الماضية بتنظيم المؤتمر السابع، كان مصيرها كلها الإرجاء، حُدِّد موعد جديد في 29 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري لعقد المؤتمر. ويأتي على الأرجح إدراج المؤتمر مجدداً وبصورة مفاجئة على الروزنامة السياسية على خلفية الجهود التي يبذلها عباس لتهميش خصومه. وإذا عُقِد المؤتمر فعلاً، لن يتم خلاله اختيار أعضاء المجلس الثوري واللجنة المركزية فقط، بل أيضاً زعيم حركة فتح. بحسب هذه الإجراءات، يجب أن يكون الرئيس المقبل عضواً حالياً في اللجنة المركزية، وليس مجرد ناشط في فتح، مايؤدّي إلى تضييق الخيارات.

ينهمك الفلسطينيون، حين يناقشون انتقال السلطة، في لُجج التكهنات حول مختلف التطورات التي يمكن أن تطرأ (صراعات على السلطة بين كبار الشخصيات في سدّة المسؤولية، أو محاولات خرقاء من جانب عباس لتطهير المعارضين وتنصيب المحسوبين عليه في المناصب الأساسية) والسيناريوهات المحتملة (مثل نشوب صراع داخلي في حركة فتح أو توزيع شتى المناصب بين الشخصيات المختلفة، والاتجاه نحو القيادة الجماعية). غير أن هذه الأحاديث تستقطب اهتماماً أقل حين نقارنها بالانتقال الأخير للسلطة. فكل الهياكل تعاني من الوهن الشديد، كما أن المرشحين المحتملين لتسلّم المناصب القيادية خلفاً للمسؤولين الحاليين هم، في نظر الكثيرين، أشخاص عاجزون من فلول جيلٍ أخفق ببساطة في تحقيق التطلعات الوطنية الفلسطينية.