في خضمّ الفوضى التي أعقبت صدور نتائج الانتخابات الأميركية في 7 تشرين الثاني/نوفمبر، نشر باحث متخصّص في شؤون الشرق الأوسط تغريدة على تويتر، قال فيها: "الولايات المتحدة تحذو الآن كليّاً حذو مصر". اعترضتُ على هذا الحكم بقوّة، على رغم أني أشاطره مخاوفه وقلقه (وأتفهّم محدودية حجم التغريدات على تويتر). لكن ثمة سؤال يستأهل التوقّف عنده: هل ستسلك الولايات المتحدة مساراً شعبوياً مُفعَماً بالاستقطاب والسلطوية، على غرار مصر؟
طفت على السطح عوامل مشتركة في البلدين- أبرزها شعور المواطنين بأن مشاغلهم لا تحظى بآذان صاغية من لُدن الحكومة – وهذا حفّز المصريين في العام 2013 والأميركيين في العام 2016 على "إطاحة المُعربدين". في العام 2013، تداعى المصريون إلى الشارع ليس فقط في 30 حزيران/يونيو، بل قبله بأشهر حين عمّت المظاهرات شوارع بورسعيد وأماكن أخرى، لأنهم شعروا أن حكومة الرئيس آنذاك محمد مرسي لا تكترث لهمومهم. صحيحٌ أن الوضع الاقتصادي لم يكن على ما يرام، لكن الأخطر هو الشعور الذي كان سائداً على نطاق واسع بأن حكومة مرسي منكبّةٌ على تنفيذ أجندتها الخاصة، غير آبهةٍ بالاستياء الشعبي المتنامي. وتبدّى ذلك من خلال الإعلان الدستوري، ودستور معدَّل، وسنّ قانون يحدّ من استقلالية القضاء، والإجراءات القمعية التي مارستها الشرطة بحق المتظاهرين.

ثمة ما هو أكثر بكثير من ذلك. لكن خلاصة القول أن ملايين المصريين اختاروا في نهاية المطاف أن يضعوا مصيرهم بين يدي وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي، الذي قاد بين ليلةٍ وضحاها انقلاباً عسكريّاً قوّض عملية الانتقال الديمقراطي.

لم يكُ انتخاب دونالد ج. ترامب ثورة ولا ثورة مضادّة. ولم يحظَ في الواقع حتى بغالبية أصوات الشعب الأميركي، بل حصل على مايكفي من الأصوات في الولايات الرئيسة (يُعزى ذلك إلى أهواء المجمع الانتخابي الأميركي). ومع ذلك، كانت الأصوات المؤيّدة لترامب كافية لتشكّل تقريعاً حادّ اللهجة للنخبة السياسية – ليس فقط للرئيس أوباما وحده، بل أيضاً لسائر القادة الجمهوريين والديمقراطيين الذين تسلّموا مقاليد الحكم في البلاد طيلة العقود العديدة الماضية.

شهدت تلك العقود تحوّلات اقتصادية زرعت الإحباط في نفوس ملايين الأميركيين على أوضاعهم ومستقبلهم. وسَرَت آنذاك نقاشات مطوّلة حول خسارة الوظائف الصناعية في الولايات المتحدة جرّاء التجارة العالمية، وكذلك المكننة والأتمتة، ناهيك عن التغيّر المُقلِق مع الوقت في طرق توزيع الثروة. وساهمت سلسلة المقالات التي نشرتها صحيفة "واشنطن بوست" مؤخراً بعنوان "أسباب غير طبيعية: المرض والوفاة في البلدلت الأميركية الصغيرة"، والتي أماطت اللثام فيها عن معدّلات الوفاة التي ازدادت باطّراد على مدى الأعوام الأخيرة في صفوف النساء البيض المُنتميات إلى الطبقة المتوسطة، بسبب المخدّرات والكحول والانتحار؛ هذا علاوةً على الشريط السينمائي "Winter’s Bone"، الذي كشف عن الأوضاع الوخيمة التي تغشى المناطق الواقعة خارج المدن الكبرى.

لم تَزِد هذه التقارير عمّا شهدته أنا بأمّ العين، عدا ربما إيراد بعض الأرقام. فقد تردّت الأوضاع الاجتماعية- الاقتصادية للطبقة العاملة بشكلٍ خَطِر بعد ثمانينيات القرن المنصرم. وبصراحة، صُعقتُ بما رأيت أثناء زيارة أقاربي في مسقط رأسي في ولاية كونيتيكت وشمال نيويورك. فالأقارب الذين كانوا أصحاب أعمال مُربِحة في القطاع الصناعي – على سبيل المثال كان يعمل عمّي على خطوط التجميع والإنتاج في مصنع أسلحة رشاشة – أُرغموا على العمل في قطاع الخدمات، مثل صفّ المنتجات على رفوف المتاجر الكبرى. كانوا يفتقرون إلى الأمان الوظيفي وإلى شتى أنواع المزايا، مثل التأمين الصحي والعطل المدفوعة. وفي الفترة بين التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، طال هذا التغيّر بلدات ومدناً صغيرة كانت سابقاً مزدهرة ونابضة بالحياة، إلا أنها غدت بائسة ومُكتئبة. وحين حضرت حفل زفاف أحد أبناء أنسبائي في ريف نيويورك في العام 2015، أدهشني الفقر المدقع الذي تتخبط في لُججه قرى شمال آلباني، عاصمة ولاية نيويورك، والذي يحاكي الفقر السائد في منطقة أبالاشيا.

هجعنا، إخوتي وأنا وعدد قليل من أبناء عمومتنا، خلال الثمانينيات والتسعينيات إلى مناطق في الجنوب، حيث كان ثمة فرص عمل أفضل وتكاليف المعيشة أقل. عندما كنا نعود إلى الشمال، كانت الأحاديث، سواءً في الاحتفالات أو الجنازات، تدور غالباً حول إغلاق المصانع، وعدم قدرة الشباب على تحقيق استقلالهم المادي، وارتفاع الضرائب بشكل غير منطقي، وتفشّي تعاطي المخدرات. جعلتني نظريات المؤامرة المتطرفة، حول ما يجري في واشنطن، أدرك مدى الاغتراب الكبير لأقاربي عن صنّاع القرار. ولذا لم أفاجأ إطلاقاً خلال زياراتي في العام 2016 حين سمعت أعمامي وعماتي وأولادهم يردّدون أن "خيار ترامب منطقي أكثر بكثير بالنسبة إلينا".

وكذلك كان السيسي بالنسبة إلى عدد لا بأس به من المصريين الذين سهلّوا تسنّمه السلطة. فهو سعى إلى استمالة النساء والمسيحيين، وكان الكثير منهم يشعرون بالقلق من أن يقيّد رئيس ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين حقوقهم. كما شرع السيسي بلا كلل إلى ترهيب وإسكات جميع المنتقدين - ليس فقط الإسلاميين، بل أيضاً الشباب الليبرالي واليساري الذي كان في الصفوف الأولى لثورة 2011 – واستخدم نفوذه كرئيس (وكذلك صلاحيات عدلي منصور، الرئيس المؤقت الذي استلم زمام الأمور عقب الانقلاب) لإصدار مئات المراسيم، بما فيها قوانين صارمة تحظر الاحتجاجات، وأخرى لمكافحة الإرهاب وسط غياب البرلمان.

شهدت عمليات فضّ الاحتجاجات التي أمر بها السيسي وحشية لا سابق لها في مصر، كما فرض حظراً على منافسيه السياسيين الرئيسين – ليس فقط جماعة الإخوان المسلمين بل أيضاً حركة شباب 6 أبريل الليبرالية – معتبراً الانتساب إلى أي منهما جريمة يعاقب عليها القانون. ومذّاك، تعيش مصر حقبة من الانتهاكات غير مسبوقة لحقوق الإنسان، وحتى من هوامش انخراط في الحياة السياسية أضيق من تلك التي كان مسموحٌ بها في عهد حسني مبارك.

غير أن الأميركيين الذين صوّتوا لترامب، وعلى الرغم من أنه لم يكونوا راضين أساساً عن قادة الحزبين الديمقراطي والجمهوري على حدّ سواء، لم تكن لديهم النية لرمي ديمقراطيتهم، التي يناهز عمرها القرنين، إلى سلّة المهملات، كما حدث في مصر. فعلى الرغم من أن أنصار ترامب أرادوا إرساء توازن إيديولوجي مختلف في المحكمة العليا عبر الاستنزاف والاستبدال، وأملوا باستخدام الإدارة والكونغرس الجمهوريين لتمرير قوانين، إلا أن الأمر لايتعلق بتقويض وظيفة تلك المؤسسات. إنه لمن المقلق فعلاً أن أنصار ترامب اختاروا التغاضي عن شتّى التصريحات المسيئة التي صدرت عن المرشح ومستشاريه، مؤججين بذلك نار الإقصاء الاجتماعي والاستقطاب، لكن لاتزال ثمة مؤسسات محايدة على غرار المحاكم للفصل في النزاعات الناشئة. لعلّ المصريين الذين أعلنوا معارضتهم لمرسي، لم يتعمدوا أيضاً تقويض ديمقراطيتهم الجديدة (فلنتذكر هنا أنهم كانوا يطالبون بإجراء انتخابات رئاسية مبكرّة بدلاً من تهميش كامل للإجراءات الديمقراطية) لكنهم في العام 2013 كانوا في مراحل الانتقال الأولى. فالبرلمان كان قد حُلّ جزئياً، والقضاء مسيّس، وهذا يعني أن أياً من مؤسسات الحكم لم تكن في وضع يخوّلها الوقوف في وجه السلطة التنفيذية التي يسيطر عليها الجيش.

وكما قلت لعمي وعمتي قبل بضعة أشهر، أعتقد أن أملهم سيخيب حيال مصير تظلّماتهم الاقتصادية المشروعة والمتواصلة منذ أمد، حين يرَوْن الإجراءات التي سيتخذها الرئيس المنتخب ترامب، الذي يُعتبر دخيلاً على الساحة السياسية وتحوم الشكوك حوله في مجال الأعمال. فقط انظروا إلى حال المصريين، فقد دعموا السيسي عبر انقلاب، وبعدها في انتخابات رئاسية، رغبةً منهم في تحسين أداء الدولة وتحريك عجلة الاقتصاد. لكن واقعهم بعد ثلاث سنوات يتمثّل في دولة غير مسؤولة أمام المواطنين بأي طريقة مجدية - إذ تمّ استبعاد المنافسين والبدائل كافة – وبات الاقتصاد أكثر تدهوراً مما كان عليه في العام 2013. لكن على الأقل حين يدرك الأميركيون هذا الواقع، سيبقى لديهم نظام سياسي يخولّهم إطاحة المعربدين، مرة أخرى.