ستيفان لاكروا أستاذ مشارك في معهد العلوم السياسية في باريس، وباحث مشارك في مركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية في القاهرة. مؤلف "زمن الصحوة: الحركات الاسلامية المعاصرة في السعودية" (Awakening Islam: The Politics of Religious Dissent in Contemporary Saudi Arabia) و(Egypt’s Revolutions: Politics, Religion and Social Movements) (شارك في تحريره برنارد روجير)، وصدرت له مؤخراً عن برنامج كارنيغي للشرق الأوسط دراسة بعنوان "مصر: السلفيون البراغماتيون" (Egypt’s Pragmatic Salafis: The Politics of Hizb al-Nour).  وقد وافق على مناقشة مضمون هذه الدراسة مع "ديوان".

مايكل يونغ: صدرت لكم مؤخراً عن مركز كارنيغي دراسة عن حزب النور. ماهي الفكرة الرئيسة التي تعرضونها في هذه الدراسة؟

ستيفان لاكروا: النقطة التي أنطلق منها هي أنه على النقيض من معظم التوقعات التي ظهرت عند تأسيس حزب النور السلفي في العام 2011، تصرّف الحزب على الدوام كفريق سياسي براغماتي إلى أقصى الحدود. وعلى رغم المواقف المتشددة الصادرة عن شيوخ الدعوة السلفية، أي التنظيم أو التيار الديني الذي يقف وراء الحزب، قدّم حزب النور مثلاً الدعم لأحزاب وأفرقاء لا يشاطرونه قسطاً كبيراً من نظرته الدينية، أو حتى تحالَف معهم.

أحاول تحليل الأسباب وراء هذه النزعة العملية. وفي رأيي، يمكن التمييز بين مرحلتَين، وفق الجهة التي كانت تسيطر فعلياً على الحزب. فحتى كانون الأول/ديسمبر 2012، كان الحزب في أيدي مجموعة مستقلّة نسبياً من "السياسيين السلفيين" الذين كانوا مستعدّين لتحويله إلى "حزب سياسي حقيقي" وكانوا يطمحون للوصول إلى سدّة الحكم. وقد أدركوا أنه من أجل تحقيق ذلك الهدف، عليهم أن يُعيدوا النظر في (أو على الأقل أن يضعوا جانباً) بعض المفاهيم العقدية، ويَفصلوا الحزب فصلاً كاملاً عن الدعوة السلفية. كان هذا التطور شبيهاً إلى حد ما بتطور الأحزاب الإسلامية التقليدية في سياقات مماثلة في أماكن أخرى – وأحدث الأمثلة في هذا الإطار حركة النهضة في تونس.

في كانون الأول/ديسمبر 2012، وبعد صراع داخلي استمرّ عاماً ونيّف، استولت مجموعة من الشيوخ المنتمين إلى الدعوة السلفية بقيادة ياسر برهامي، على الحزب. نتيجةً لذلك، دُفِع مؤسسو حزب النور إلى الاستقالة، وأنشأوا حزباً سياسياً مختلفاً أطلقوا عليه اسم حزب الوطن. غير أن الشيوخ الذين تسلّموا حزب النور لم يكونوا أقل براغماتية في سلوكهم من أسلافهم، لكن هذه البراغماتية كانت مدفوعة بأسباب مختلفة جداً. ففي نظرهم، الغاية الوحيدة من حزب النور كانت أن يؤدّي دور ذراع الضغط أو اللوبي لتيارهم الديني، الدعوة السلفية، في الميدان السياسي. وكان ذلك يستوجب أن تشكّل "مصلحة الدعوة" المتصوَّرة، العامل الرئيس الذي يجدر بالحزب أن يأخذه في الاعتبار عند تحديد مواقفه أو تشكيل تحالفاته، بغض النظر عن الثمن السياسي.

هذا يُفسّر، مثلاً، التحالف الموضوعي بين حزب النور وبين الليبراليين والجيش ضد الرئيس محمد مرسي الذي كان قيادياً في جماعة الإخوان المسلمين، في ربيع 2013 – والذي أفضى إلى سيطرة الجيش على الحكم في الثالث من تموز/يوليو 2013. كان حزب النور معارِضاً بشكل أساسي للإخوان، لأن الشيوخ كانوا على قناعة بأنه لو تمكّن مرسي من فرض سلطته، لمارس الإخوان المسلمون تلقائياً هيمنة دينية بدفعٍ من سيطرتهم السياسية – فيهدّدون بالتالي الوجود السلفي في الميدان الديني.

كان هذا الموقف منسجماً إلى حد ما مع الحُجة التي أصرّ عليها الشيوخ قبل عام 2011، عندما رفضوا أي تدخّل في السياسة. فهم ظلّوا على موقفهم بأن السياسة ليست أداة للتغيير بحد ذاتها – أقلّه ليس قبل أن يصبح المجتمع جاهزاً على الصعيد الديني. واعتبروا أن الإصلاح لا يتحقق إلا من خلال نشر الإسلام السلفي في المجتمع. ولهذا، فإن حماية الهيئة التي تضطلع بهذه المهمة – وتعزيزها عند الإمكان – هي الهدف النبيل الوحيد.

يونغ: لماذا تعتبرون أن حزب النور ليس حزباً إسلامياً، أو بالأحرى لم يعد حزباً إسلامياً؟

لاكروا: إذا كان تعريف الحزب الإسلامي أنه حزب يعتبر أن الإسلام هو بمثابة خطة عمل للسياسة، ويهدف إلى حكم البلدان انطلاقاً من نظرته إلى مايجب أن تكون عليه الدولة الإسلامية، فحزب النور، أقلّه في شكله الراهن، لا ينطبق عليه وصف الأحزاب الإسلامية. كما ذكرتُ آنفاً، شيوخ الدعوة السلفية، المتحلّقون حول ياسر برهامي، والذين فرضوا سيطرتهم على حزب النور في كانون الأول/ديسمبر 2012، لا يرون في السياسة أداةً للتغيير بحد ذاتها. فالميدان السياسي في نظرهم هو مجرد مساحة يجب أن يكونوا ممثَّلين فيها من أجل حماية مصالح تيّارهم الديني – وتعزيزها عند الإمكان. يعني ذلك أنه بإمكانهم التحالف مع أي حزب أو فريق يعتبرون أنه قد يكون قادراً على ضمان وجودهم أو توسّعهم في الميدان الديني. بالطبع، سيدفعون نحو إقرار قوانين مستندة إلى الشريعة إذا كانوا في موقع يُخوّلهم القيام بذلك، إنما لن يُقدموا أبداً على مثل هذا الأمر على حساب الدعوة السلفية. بهذا المعنى، سياستهم مجرّدة من أي اعتبارات أيديولوجية. وهذا ما يجعلهم مختلفين جوهرياً عن تيارات إسلامية أخرى على غرار الإخوان المسلمين.

يونغ: كما أشرتم سابقاً في ما يتعلق بحركة النهضة، يشهد حزب النور نقاشاً مألوفاً يدور أيضاً في أوساط تنظيمات إسلامية أخرى، ويتمحور حول ماإذا كان يجب فصل الحزب السياسي عن التيار الديني – أي عن الدعوة السلفية في هذه الحالة. ماذا كشف هذا النقاش في مايختص بحزب النور وماذا كانت النتيجة؟

لاكروا: حرص مُؤيّدو الفصل في الحزب على وضع النقاش في إطار التخصص. فقد اعتبروا أن الشيوخ الدينيين ليسوا سياسيين، ولا يجدر بهم بالتالي أن يَتولّوا مسؤولية حزب سياسي. وأشاروا إلى أنه من الواضح أن المسألة لا تتعلق بفصل السياسة عن الدين، بل بالتمييز بطريقة عملية بين ميدانَين مُختلفين من مَيادين النشاط. غير أن أولئك الذين طالبوا بهذا النوع من الفصل التنظيمي كان يُحرّكهم، في العادة، دافعٌ مختلف، فهم اعتبروا أنه عبر تحرير أنفسهم من السلطة المباشرة للشيوخ، يمكنهم أن يأملوا بفرض مقاربة أكثر مرونة في التعامل مع العقيدة.

في حالة حزب النور تحديداً، كان السؤال المطروح، هل سيتصرف كحزب إسلامي أم ببساطة بصفته ذراع الضغط التابع لتنظيم ديني؟ في نهاية المطاف، أفضى ميزان القوى إلى ترجيح كفّة الشيوخ، وكانت الغلبة للخيار الثاني.

يونغ: بين المسار السلفي والمسار الذي يمثّله الإخوان المسلمون، أيّهما سيسود على الأرجح في مصر في المستقبل؟

لاكروا: حزب النور هو راهناً الحزب الديني الأخير الذي يملك حضوراً رسمياً في مصر ويخوض المنافسة في الانتخابات. فهذه كانت المكافأة التي حصدها الحزب على موقفه الداعِم للجيش خلال الحملة التي شنّها هذا الأخير للسيطرة على السلطة وبعدها. بيد أن هذا الموقف – الذي اعتُبِر ضرورياً لحماية الدعوة السلفية وحضورها الاجتماعي – لم يلقَ استحساناً في أوساط المُحافظين الدينيين. فما خلا نواة الدعوة السلفية التي حافظت على ولائها للقرارات الصادرة عن القيادة، يبدو أن حزب النور خسر قدراً كبيراً من الدعم في أوساط الجمهور الأوسع. وهو لن يستعيده، في غالب الظن، في المستقبل القريب، إذ يُرغمه النظام على تقديم مزيد من التنازلات السياسية التي تستمر في إلحاق الأذى بصورة "النقاء الديني" التي يسعى إلى الظهور بها. 

أما في مايتعلق بجماعة الإخوان المسلمين، فقد جرى حظرها رسمياً وتصنيفها بأنها "تنظيم إرهابي" منذ كانون الأول/ديسمبر 2013. اعتُقِل عشرات الآلاف من أعضائها، كذلك مُعظم قادتها، وأصبحت عاجزة إلى حد كبير عن مزاولة نشاطها. كما أنها خسرت أيضاً الكثير من الدعم من الجمهور الأوسع، بسبب الأخطاء السياسية التي ارتكبها مرسي أثناء وجوده في السلطة، والحملة الإعلامية المكثّفة التي تُشَنّ ضد الإخوان منذ نحو أربعة أعوام وتحمّلهم مسؤولية كل المصائب تقريباً التي حلّت بالبلاد.

على الأرجح، إذاً، أنه لا جماعة الإخوان ولا حزب النور سيتمكّنان من فرض حضورهما في المستقبل، بل قد تظهر قوى إسلامية جديدة. لقد تطرّقت، في مقال مشترك مع أحمد زغلول، إلى صعود السلفية الثورية – حركة اجتماعية تنادي بنسخة ثورية عن أيديولوجيا الإخوان المسلمين عبر صياغتها في لغة سلفية – في السنوات التي أعقبت الثورة المصرية. يبدو أن هذه الأفكار تكتسب زخماً اليوم في صفوف الشباب الإسلاميين المصريين.

يونغ: كيف ينظر نظام عبد الفتاح السيسي إلى حزب النور؟

لاكروا: في تموز/يوليو 2013، كان حزب النور يعلّل النفس بأنه سيتمكّن من إقامة شراكة قوية مع النظام الجديد، نظراً إلى أن هذا الأخير يحتاج إلى الدعوة السلفية لاستعادة السيطرة على الميدان الاجتماعي. غير أن ذلك لم يحدث. فقد اختار النظام الاعتماد في شكل أساسي على المؤسسات الدينية الرسمية مثل الأزهر، والتي تتعارض نظرتها إلى الإسلام مع النظرة السلفية. صحيح أن النظام لايزال يعتبر حزب النور نافعاً لاستراتيجيته، ولذلك سُمِح له بالترشح في الانتخابات في حين احتفظت الدعوة السلفية بالسيطرة على معظم المساجد التابعة لها بصورة رسمية أو غير رسمية. بيد أن السلفيين لم يحقّقوا أي مكاسب مهمة، ويتعرّضون إلى ضغوط شديدة. لهذا لم يكن أمامهم من خيار على الأرجح سوى القبول بالوضع القائم الذي يفرضه النظام.