فاضل علي رضا هو مدير مشروع تونس في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. شارك مؤخراً كلاً من مروان معشر ومارك بيريني في وضع إحدى أوراق كارنيغي بعنوان "تدعيم عملية الانتقال في تونس: دور الإصلاحات واسعة النطاق". وافق علي رضا على التحدث إلى "ديوان" حول الورقة المذكورة قبيل وقت قصير من انطلاق أعمال مؤتمر الاستثمار العالمي "تونس 2020"، الذي سيلتئم يومي 29 و30 من تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري.

مايكل يونغ: برأيك ما الأطروحة الرئيسة في ورقة كارنيغي الأخيرة التي شاركت في وضعها؟

فاضل علي رضا: تتمثَّل أطروحتنا الرئيسة بالتالي: في حين أقرّت الحكومات التونسية الأخيرة إصلاحات تشريعية ومارست دبلوماسية اقتصادية استباقية، في مسعىً منها لتعزيز البيئة الاستثمارية في البلاد، فإن ثمّة حاجة إلى ترقية المقبولية الشعبية والإدماج والتشاور من القاعدة إلى القمة كي يحقق الاستثمار، أو أي استراتيجية على مستوى السياسات، منافع اقتصادية وسياسية واجتماعية واسعة. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن تونس حققت الكثير من الإنجازات في فترة قصيرة من الزمن، تمثّلت في بناء نموذج لحياة سياسية قائمة على شكل من سياسات التوافق. وهذه ميّزت التطور السياسي في تونس في مرحلة ما بعد الانتفاضات العربية، فيما كانت تعكف تونس على صياغة سياسة اقتصادية طويلة الأجل تهدف إلى التصدّي للتحدّيات المستمرة. بيد أن الفجوة بين المواطنين والدولة لاتزال قائمة، على نحو جعل الكثير من التونسيين متشككين، أو حتى سلبيين، في موقفهم تجاه ما يُعتبر سياسات نخبوية.

نحن نجادل بأنه إذا ما أُريد لبرنامج الإصلاح واستراتيجية التنمية اللذين يجري تنسيقهما مع شركاء تونس الدوليين أن يحققا النجاح، فلا بد أن يكون هناك المزيد من الشفافية والشمولية للجميع في عملية صنع السياسات، وكذلك في عملية تنفيذ المشاريع. وبالتالي، سيكون مؤتمر الاستثمار الدولي "تونس 2020"، الذي يعقد هذا الشهر في مدينة تونس، لحظة مفصلية على صعيد ربط الاستثمارات والالتزامات المتعلقة بتقديم المساعدات بالمشاريع التقليدية ذات الأصول الثابتة.

وفي الوقت نفسه، نطرح في الورقة توصيات نعتقد أنها يمكن أن تساعد على متابعة خطوات المؤتمر بعد انتهاء أعماله. هذه التوصيات هي في الواقع حلول تونسية موجودة بالفعل في دستور العام 2014، لكن لم تتم ترجمتها إلى تشريعات أكثر تحديداً، لأنها تنطوي على صعوبات سياسية. فالمادة 10 من الدستور تدعو إلى وضع نظام ضريبي عادل ومنصف وإلى مكافحة التهرّب الضريبي، في حين تدعو المادة 11 إلى أن يفصح كبار المسؤولين عن الأصول التي يمتلكونها، وتلزم المادة 14 الدولة بانتهاج اللامركزية في الإدارة. وما من شك في أن إعطاء الأولوية لهذه التوصيات، يمكن أن يساعد في ضمان أن تصبح فوائد الاستثمار ملموسة على نطاق واسع، فضلاً عن تدعيم الشرعية الشعبية لعملية الانتقال السياسي في تونس.

مايكل يونغ: ما العقبات التي تقف في وجه الإصلاح في تونس اليوم؟

فاضل علي رضا: ثمّة انطباع شعبي سائد في تونس، مفاده أن بعض الإصلاحات التشريعية الأخيرة، ولاسيما الإصلاحات الاقتصادية الليبرالية مثل استقلالية المصرف المركزي أو قانون الاستثمار الجديد، هي أمور غير قابلة للأخذ والردّ، أو على الأقل غير قابلة لمناقشة عامة واسعة وشاملة. وعليه، ولذا، إذا لم يؤمن الناس بتلك الإصلاحات أو يفهمونها، أو إذا لم يشعروا بأن رأيهم مؤثِّر فيها، فهذا يشكّل عقبة أمام نجاحها.

عندما يتعلق الأمر بالإصلاحات التي تتطلّب إجراء تغييرات تشريعية لتحديث القوانين في تونس بحيث تتوافق مع دستور العام 2014 التقدمي، كالقوانين التي تتطلّب أن يفصح كبار المسؤولين الحكوميين عن أصولهم أو تتطلّب لامركزية إدارية، فإن العقبة هنا تكمن في جماعات المصالح القوية التي تخشى خسارة الامتيازات الحكومية التي تتمتع بها حالياً. وتشمل هذه الجماعات تكتلات الشركات الكبيرة ورجال الأعمال الذين يتمتعون بمراكز مالية قوية ويعملون في التجارة غير المشروعة والمنظمات التجارية الأخرى، وبعض مسؤولي الدولة والمسؤولين المحليين، وما إلى ذلك.

مايكل يونغ: كان هناك الكثير من التعليقات على حقيقة أن المناطق الداخلية في تونس لاتزال مهمّشة. هلّا تفضلت بتوضيح الوضع بلغة الأرقام، وأن تطلعنا على العواقب المترتبة على الاستقرار جرّاء ذلك؟

فاضل علي رضا: لنلق نظرة على الوضع في ولاية القصرين،على سبيل المثال، وهي المنطقة الداخلية الرئيسة التي شهدت قدراً كبيراً من الاضطرابات في التاريخ الحديث. في كانون الثاني/يناير من هذا العام، أنتجت "إنكيفادا- Inkyfada" وهي إحدى وسائل الإعلام على شبكة الإنترنت، رسماَ معلوماتياً (إنفوغراف) بالاعتماد على بحث أجراه "المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية-Forum Tunisien pour les Droits Economiques et Sociaux"، أو " FTDES"، يُظهر أن معدل البطالة في القصرين هو أعلى بحوالي 9 في المائة من المتوسط الوطني. وفي الوقت نفسه، فإن معدل العمر المتوقع فيها أقل بواقع 7 سنوات كاملة منه في تونس العاصمة.

ثمّة أرقام رئيسة أخرى تروي قصة أقسى وأشدّ قتامة. فنسبة الأمية أعلى ومعدل وفيات الرضَّع أعلى؛ كما أن إمكانية الوصول إلى المياه سيئة جداً لدرجة أنه كان هناك نقص في إمداداتها في بعض المناطق الريفية في كل صيف منذ سنوات عدة. لا بل هناك بعض الناس الذين لم يحصلوا على الماء البتة طيلة أيام طوال. وما من شك في أن ذلك الوضع يتناقض بصورة صارخة مع الوضع في المدن الساحلية، التي تتوفَّر على منتجعات غنية بالمياه وحمامات سباحة وملاعب غولف، وما إلى ذلك. ولذلك لم يكن مفاجئاً أن تنطلق الاضطرابات الواسعة التي شملت كل أنحاء البلاد – في العام 2008، وفي كانون الثاني/يناير 2011، ومؤخراً في كانون الثاني/يناير 2016 – من المناطق الداخلية المهمّشة، قبل أن تتمددّ إلى الأحياء الفقيرة في المدن الكبرى. أما بالنسبة إلى عواقب التهميش على الاستقرار، فقد بدت أكثر وضوحاً خلال ثورة 2010–2011، التي أجبرت الحكومة العام 2016 على اعتماد تدابير شعبوية قصيرة الأجل. يكمن التحدّي بالفعل في كيفية معالجة الأسباب العميقة لهذه الاضطرابات بطريقة شاملة وطويلة الأجل قد توفَر بديلاً عن السياسات التي توضع فقط كردٍ على الأزمات.

مايكل يونغ: لاتزال تونس تعاني من تضخم القطاع العام. برأيك كيف يمكن للجهود الرامية إلى الحدّ من التضخم أن تؤثر على الاقتصاد والاستقرار الوطني؟

فاضل رضا علي: تتمثل الحجّة التي تسوقها الحكومة لتقليص التوظيف في القطاع العام وإحدى الحجج الرئيسة التي يسوقها "صندوق النقد الدولي" في أن التوظيف يشكّل استنزافاً للميزانية في تونس، مايعني أنه لن يتوافر كبير مجال للاستثمار. صحيح أننا رأينا نضوباً في استثمارات الدولة، بيد أن الأمل معقود على أن الإصلاح يمكن أن يؤدي إلى زيادة استثمارات القطاع الخاص باعتبارها وسيلة لسدّ الفجوة. وعلى الرغم من ذلك لا مندوحة من أن يصطدم الأساس المنطقي المتعلق بالميزانية لخفض التوظيف في القطاع العام بالعديد من الحقائق السياسية والاقتصادية.

إحدى الحقائق السياسية تتمثّل في أن الحكومة السابقة وقّعت اتفاقاً في العام 2015 مع نقابة العمال الرئيسة، الاتحاد العام التونسي للشغل، لزيادة المرتبات خلال العام 2018. والحقيقة الثانية هي أن الاتحاد التونسي العام للشغل يعمل أحياناً باعتباره معارضة فعلية للحكومة، في الوقت الذي تبدو فيه المعارضة الرسمية ضئيلة العدد. وثمة حقيقة ثالثة – حقيقة اقتصادية – تتمثّل في أن الكثير من الأسر في تونس تعتمد على موظف واحد في الأسرة كعائل لها. علاوة على ذلك، فإن النمو يتأثّر بالاستهلاك إلى حد ما، وبالتالي فإن خفض التوظيف أو الرواتب في القطاع العام، قبل أن تتوفّر مؤسسات القطاع الخاص الصغيرة والمتوسطة الحجم (المشاريع الصغيرة والمتوسطة) على البيئة المناسبة للازدهار، يمكن أن يضرّ بحجم الطلب الكلي. وهذا يهدد أساساً بإثارة كل المضاعفات السلبية التي لوحظت جرّاء فرض تدابير التقشف في أماكن أخرى.

مايكل يونغ: أنتم تركزون على أن المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة تعاني من مروحة من العقبات في تونس، بما في ذلك الفساد والمحسوبية ونظم الجمارك والضرائب الباهظة. ترى ما هي أهمية هذه المؤسسات، وهل تسعى جهود الإصلاح إلى إزالة تلك العراقيل ؟

فاضل رضا علي: تُعتبر المؤسسات الصغيرة والمتوسطة عموماً بيئة مناسبة لتوفير فرص العمل. وهذا ينطبق على تونس أيضاً، حيث نرى الكثيرين يعملون في القطاع غير الرسمي بسبب العراقيل القانونية والتنظيمية، فضلاً عن المحسوبية والفساد والعوائق الأخرى أمام إمكانية الوصول إلى السوق. وعليه فإن عملية الإصلاح الشاملة للضرائب والجمارك، والتي يمكن أن تكون ذات تأثير كبير في مجال الحد من هذه العقبات، موجودة على أجندة الحكومة، غير أنها لاتشكِّل أولوية لأنها صعبة من الناحية السياسية. أما بالنسبة إلى لفساد، فقد قالت الحكومة التي تولّت السلطة في آب/أغسطس الماضي إن مكافحته ذات أهمية كبيرة، بيد أن هذا يم يحظ بالكثير من المتابعة. ففي الشهر الجاري فقط أعلن رئيس هيئة مكافحة الفساد الحكومية في تونس أن 50 من المسؤولين رفيعي المستوى تلاحقهم شبهة الفساد. وقد جرى إرسال قائمة بالأسماء إلى الحكومة، غير أن الهيئة لم تتلقّ أي ردّ.

مايكل يونغ: أخيراً، أين ترى تونس في غضون خمس سنوات من الآن؟ هل ستنتنظر إلى هذه الفترة كواحدة من قصص النجاح النادرة بين الانتفاضات العربية، أم تشعر بأنها ستكون فرصة أخرى ضائعة؟

فاضل علي رضا: ثمّة العديد من المؤشرات الإيجابية، حين يتعلق الأمر بإمكانية أن تواصل تونس بناء مجتمع سياسي أكثر عدلاً وأكثر انفتاحاً وشمولاً للجميع، فضلاً عن بناء دولة تخدم جميع المواطنين من حيث الحقوق السياسية والفرص الاقتصادية، ولكن أيضاً في مجالات الصحة والتعليم والبيئة. هناك مجتمع مدني نابض بالحياة وله حظ وافر من التعليم، ومواطنون مرنون وواسعو الحيلة ولاسيما في المناطق المهمّشة، وقدر كبير من التسامح وحتى التواطؤبين الأحزاب السياسية الرئيسة، هذا علاوة على تقليد بازغ يتمثّل  في الحوار بين أصحاب المصالح المتعارضة. ومؤخراً، عايّنا بروز خطوة إيجابية كبيرة، عندما عقد ضحايا حقوق الإنسان جلسات استماع علنية بتوجيه من "هيئة الحقيقة والكرامة". هذه كلها عوامل ذات صلة بالتطور السياسي في تونس. أما إن كان الأمر يتعلق بما إذا كنا سنرى تونس أكثر رخاءً وديمقراطية ذات نظام حكم شرعي يعمل في خدمة المواطنين، فهذا سيتوقف على ما إذا كانت الحكومة ستعمل بلا كلل لخدمة من يشعرون بأنهم لم يكسبوا شيئاً – أو حتى خسروا- في السنوات القليلة الماضية. ذلك أن الإصلاح الحقيقي الذي يخدم الشعب التونسي، يتطلّب وجود حكومة تتمتّع بالإرادة السياسية اللازمة لخوض معارك شرسة مع كل الجماعات وأصحاب المصالح، الذين يستفيدون من الوضع الراهن ويستغلّون السياسة لزيادة ثرائهم.