لا ريب أن إحدى أعقد الصعاب التي سيواجهها الرئيس المنتخب دونالد ترامب، فيما هو يستعد لتسلّم مقاليد الحكم، هي النزاع الدائر في سورية. كان ترامب قد رسم الخطوط العريضة لسياسة أميركية جديدة في سورية قوامها التخلي عن محاولة إطاحة الرئيس السوري بشار الأسد، والتحوّل بدلاً من ذلك نحو شن حملة عسكرية أكثر تركيزاً على الدولة الإسلامية المُعلنة ذاتياً والتنظيمات الجهادية المتطرفة الأخرى.

بيد أن المقترحات التي طرحها ترامب لاتتضمن أية تفاصيل، وقد تبنّى مستشاروه وأوائل المرشحين الذين اختارهم لتسلّم المناصب العليا في إدارته، آراء متباينة حول المسألة. لكن الأرجح أن يضطر ترامب في بداية عهده إلى أن يُكمل من حيث انتهى الرئيس باراك أوباما الذي يغادر البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير 2017، على أن يُعدّل مساره لاحقاً. يعني ذلك، بدوره، أن السياسة التي انتهجها أوباما في التعاطي مع المسألة السورية سوف تُؤثّر على فهم ترامب للنزاع، وتتحكّم بخياراته في المستقبل، أقلّه في المدى القصير.

في هذا السياق، تحدّثت "ديوان" مع ديريك شوليت، المسؤول السابق رفيع المستوى في إدارة أوباما، بهدف الإضاءة بصورة أفضل على مقاربة الرئيس المنتهية ولايته للنزاع السوري – الذي استحوذ على الجزء الأكبر من اهتمامه، وطارده بصورة مستمرة، كما يقول شوليت الذي انتقل إلى مجلس الأمن القومي في العام 2011، بعدما كان قد عمل في فريق تخطيط السياسات لدى وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون اعتباراً من شباط/فبراير 2009. كما تولّى، بين العامَين 2012 و2015، منصب مساعد وزير الدفاع للشؤون الأمنية الدولية، فساهم في صياغة الاستراتيجية الأميركية في الملف السوري، في مرحلة تخلّلها العديد من التطورات الحاسمة، منها السجالات الحادّة داخل الإدارة الأميركية حول تسليح الثوار السوريين أو عدم تسليحهم، وسُبُل الرد على الهجوم الكيميائي الذي تعرّضت إليه الغوطة الشرقية في آب/أغسطس 2013، وصعود الدولة الإسلامية.

يعمل شوليت حالياً مستشاراً رفيع المستوى لشؤون السياسات الأمنية والدفاعية لدى صندوق مارشال الألماني للولايات المتحدة الذي يعنى بالدراسات والأبحاث ويتخذ من واشنطن مقراً له. وقد وضع كتاباً جديداً تحت عنوان "اللعبة الطويلة: كيف تحدّى أوباما واشنطن وأعاد تعريف دور أميركا في العالم" (The Long Game: How Obama Defied Washington and Redefined America’s Role in the World). يُشار إلى أن هذه المقابلة أُجريت قبل الانتحابات الأميركية.

آرون لوند: عندما اندلعت الأزمة السورية في العام 2011، بدا أن السياسة الأميركية تدور حول فكرة أن الرئيس بشار الأسد سيسقط، بغضّ النظر تقريباً عن تحرّك الولايات المتحدة أو عدم تحركها. هل هذا التوصيف دقيق، وفي هذه الحالة، هل بقاؤه في السلطة دليل على إخفاق استخباراتي؟

ديريك شوليت: في مستهل الأزمة في العام 2011، ساد شعورٌ بأننا أمام فصل آخر من فصول الربيع العربي. لقد انطلقت الأمور في شكل احتجاج سلمي ضد الأسد الذي لجأ إلى العنف للرد على التحركات، فبدأت رحى الحرب في البلاد. في ذلك الوقت، كان ثمة انطباعٌ بأن رحيل الأسد ليس وشيكاً بالضرورة، لكن كان هناك يقينٌ بأنه يخسر السلطة ويفقد السيطرة على بلاده – وهذا ما كان يحدث بالفعل. عندما ننظر إلى سورية الآن، يتبيّن لنا أنه فقدَ السيطرة على مساحات شاسعة من أراضي البلاد. لست على دراية بالنسَب المئوية، لكن ربما تراجعت مساحة الأراضي التي يسيطر عليها الآن إلى 40 أو 50 في المئة من إجمالي مساحة البلاد.

في تلك المرحلة، عند النظر إلى سورية انطلاقاً من السياق المصري أو الليبي وعدم الاستقرار الذي كان ينتشر في أماكن أخرى، ساد انطباعٌ بأن أيام الأسد باتت معدودة. والسبيل الوحيد كي يبقى في السلطة كان مواصلة الحصول على دعم خارجي، واللجوء إلى الوسائل العنفية. وهذا ماحدث بالضبط.

لوند: في مرحلة لاحقة من العام 2011 وفي مطلع العام 2012، تحوّلت الأزمة في سورية إلى نزاع مسلّح. متى بدأتم لأول مرة بمناقشة التدخل العسكري الأميركي، سواءً التدخل المباشر وفرض منطقة حظر جوّي أو عبر إرسال الأسلحة إلى المعارضة المسلّحة وتدريبها؟

شوليت: لا أذكر التاريخ تحديداً، لكني موقِنٌ بأننا بدأنا النقاش بحلول منتصف العام 2012. كانت هناك مسألتان مطروحتان: زيادة التدخل العسكري الأميركي المباشر وحماية تركيا أو الأردن. كان هناك أيضاً نقاش حول كيفية التعاطي مع المعارضة وما إذا كان يجب دعمها بطرق متنوعة. بحلول منتصف العام 2012، كان هذا النقاش جارياً على قدم وساق.

كان ثمة بندان آخران قيد البحث. كانا مترابطَين، لكن انطلاقاً من مصالحنا، كان ثمة اختلافٌ قليل في نظرتنا إلى كل منهما. البند الأول كان مسألة السلاح الكيميائي. مما لاشك فيه أنها كانت الهم الأساسي للإدارة بحلول العامَين 2012 و2013. ماذا يجب أن نفعل للحؤول دون استخدام 1300 طن من الأسلحة الكيميائية السورية أو وصولها إلى الأيادي الخطأ؟ كان هذا مصدر قلق لنا، وأيضاً للإسرائيليين وأطراف أخرى في المنطقة.

كانت هذه المسألة منفصلة إلى حدّ ما عن تلك المتعلقة بمصير الأسد والنزاع بحدّ ذاته، لكن كان هناك رابط معيّن بينهما. من أوجه الترابط أنه طالما هناك مَن يؤيّدون استخدام القوة العسكرية لإطاحة الأسد – لكن عددهم لم يكن كبيراً داخل الإدارة – فمن شأن التخلص من الأسلحة الكيميائية بعد سقوط الأسد أن يحتلّ على أي حال حيّزاً كبيراً من تفكيرنا.

لوند: لكن مع أن الحكومة الأميركية لم تنخرط باكراً في تسليح الثوّار، يبدو أن بلداناً أخرى فعلت. أقصد تركيا وقطر. لقد باشرت هاتان الدولتان بتسليحهم قبل صيف 2012. كيف تعاملت الولايات المتحدة مع هذا الأمر؟

شوليت: نعم، من الواضح أن الربيع العربي تحوّل إلى حرب بالوكالة بالنسبة إلى العديد من القوى الإقليمية. من ناحيتنا، واجهنا منذ البداية الأسئلة الآتية، من هي المعارضة؟ من هم كأفراد؟ ما جدول أعمالهم؟ كيف لنا أن نتأكد من أن الدعم سيصل إلى الأيادي المناسبة؟ وما إلى هنالك. تلك كانت الأسئلة التي كان علينا الإجابة عنها بموجب القانون، وليس باعتبارها مسألة سياسية حصراً.

عدد كبير من البلدان الأخرى لم يكُن لديه تلك الأنواع من القيود. كان لدينا شركاء لم يتوانوا عن توظيف مختلف أنواع الموارد في النزاع. وقد انتهى قسمٌ كبير منها في الأيدي الخطأ. وهذا يندرج إلى حد كبير في إطار مبدأ "عدو عدوي"، كما أن بعض شركائنا لم يكترثوا ما إذا كان الدعم الذي يقدّمونه يصل في نهاية المطاف إلى جبهة النصرة أو سواها من المجموعات. ولذلك، أمضينا وقتاً طويلاً في محاولة إقناعهم بدعم المعارضة المعتدلة، وتعبئة المجتمع الدولي من أجل العمل على تمكين المجموعات المعتدلة.

لوند: في ربيع 2013، أعلنت الولايات المتحدة أنها ستقدّم دعماً مباشراً لبعض مجموعات الثوّار المسلّحة. وصُوِّرت هذه الخطوة بأنها تأتي في إطار الردّ على استخدام الأسد للأسلحة الكيميائية، بعدما تحدّثت تقارير عدّة عن شنّ هجمات كيميائية صغيرة. هل كان ذلك صحيحاً، نظراً إلى أنه تزامَن مع دخول حزب الله العلني إلى الحرب السورية ومسائل أخرى؟

شوليت: أعلن البيت الأبيض في تلك المرحلة أن الخطوة تأتي ردّاً على استخدام الأسلحة الكيميائية، وكان ذلك صحيحاً. غير أن تفكيرنا وفهمنا للمعارضة تطوّرا أيضاً في تلك المرحلة. باتت لدينا معطيات أكبر، وأصبحنا أكثر يقيناً بأن الإمدادات التي سنقدّمها يمكن أن تتيح فرصة لتحقيق النتائج المنشودة، بدلاً من أن تؤدّي إلى تفاقم الأمور. بيد أن الإعلان الصادر عن البيت الأبيض في ربيع 2013 قدّم الخطوة بأنها جاءت ردّاً على التقارير عن استخدام الأسلحة الكيميائية، من جملة أمور أخرى.

لوند: وهل كنتم واثقين في تلك المرحلة من أن الأسد هو مَن يستخدم هذه الأسلحة، لأن الروس ادّعوا العكس؟

شوليت: نعم، بالتأكيد.

لوند: ثم وقع الهجوم الكبير بغاز الأعصاب في الغوطة الشرقية في 21 آب/أغسطس 2013. بعدها تعرّضت إدارة أوباما للانتقادات الأكثر حدّة، على مايبدو لأنها لم تنفّذ تهديدها ولم تتحرك عند تجاوز "الخط الأحمر" كما كانت قد توعّدت. مارأيكم؟

شوليت: حسناً، هذا هو موضوع الفصل الأول في كتابي، أنصح المهتمّين بالتفاصيل بقراءة ذلك الفصل.

مما لاشك فيه أن مسألة الخط الأحمر يستخدمها خصوم أوباما، وأيضاً عدد كبير من الأشخاص الذين يدعمونه، لكنهم يحبذون تدخلاً عسكرياً أميركياً أكبر للتخلص من الأسد. أنا أنظر إلى الأمر بطريقة مختلفة، بعدما أمضيتُ وقتاً طويلاً أسيرَ القلق حول مصير أسلحة الدمار الشامل في سورية.

بما أن بلادنا شنّت حرباً في العام 2003 على خلفية التلويح بخطر أسلحة الدمار الشامل ليتبيّن لنا لاحقاً ألّا وجود لها، ماتسبّب بمشكلات لانزال نتخبّط فيها حتى الآن، أجده أمراً لافتاً أن أوباما يتعرّض إلى الهجوم الآن لأنه يتعامل مع تهديد حقيقي تتسبّب به أسلحة الدمار الشامل. وقد كان هذا التهديد، بالمناسبة، أسوأ بكثير مما كان يُخشى العثور عليه في العراق.

بالطبع، بالعودة إلى الوراء، كان يمكننا التصرف بطريقة مختلفة في التعاطي مع بعض المسائل في سورية، من دون شنّ اجتياح واسع النطاق. لكن لو فرض أوباما "الخط الأحمر"، كان ذلك سيشمل فقط جزءاً صغيراً من ترسانة الأسلحة الكيميائية. ولو، معاذ الله، أُفلتت تلك الأسلحة من عقالها، أو استخدمها أفرقاء آخرون، أو استُعمِلت في أماكن أخرى، لتمّت محاسبته. أنا على يقين أنه لو فعل أوباما ذلك وواصل مساره، ثم حدث شيء ما، كان سيخضع إلى المساءلة. كان الناس سيسألون، لماذا استخدم أوباما القوة فقط بداعي الحفاظ على هيبته بعدما رسم الخط الأحمر، في حين أنه كانت قد عُرِضت عليه صفقة [اقترحها الروس] في نهاية المطاف؟ قد تقولون إنه كان انتصاراً قبيحاً أو غير أنيق، لكن النتيجة جعلتنا جميعاً أكثر أماناً.

لوند: لكن عدداً كبيراً من الأشخاص الذين ينتقدون أوباما على خلفية القرار الذي اتخذه في العام 2013، لاينظرون إلى هذه المسألة من زاوية أسلحة الدمار الشامل. بل يرونها من منظار الأثر على سورية وعلى الجهود الهادفة إلى عزل الأسد. لقد أفضى اتفاق الأسلحة الكيميائية، عملياً، إلى انطلاق محادثات جنيف 2 في مطلع العام 2014 وإلى مزيد من التفاعل مع الروس. بدا أن الولايات المتحدة تتراجع عن مواجهة الأسد، سواء كان ذلك قراراً جيداً أم سيئاً. هل توافقون على هذا التوصيف؟

شوليت: ليست المسألة المطروحة إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على إطاحة نظام أم لا. لقد أثبتنا مرات عديدة خلال العقود القليلة الماضية أننا قادرون على ذلك. السؤال هو ماذا يحدث بعد إسقاط النظام؟ 

انظروا إلى ليبيا اليوم. نواجه هناك السؤال حول ما إذا كان دخولنا إلى ذلك البلد كان قراراً صائباً أصلاً. يتساءل البعض – وبالمناسبة، أنا لست منهم–  لماذا فعلنا ذلك؟ يعتبرون أنه كان تصرفاً غير حكيم. ثم هناك السؤال المتعلّق بسوء إدارة الولايات المتحدة والأوروبيين لمرحلة مابعد القذافي. ربما كان يجدر بنا إرسال بعض القوات البرية، على الرغم من اعتراضات الحكومة الليبية آنذاك؟ من المهم الإدراك بأنه عند اندلاع الأزمة في سورية، كانت تلك التجربة لاتزال ماثلة أمامنا. كنا قد واجهنا للتو المسألة الليبية التي كانت تحتل حيّزاً كبيراً من تفكيرنا في تلك المرحلة.

غالباً مايؤطَّر النقاش ضمن ثنائية "التحرك" أو "عدم التحرك على الإطلاق". هذا ليس صحيحاً. قمنا بأمور كثيرة. نشرنا أصولاً عسكرية في الأردن وتركيا. وباشرنا تزويد المعارضة بكميات كبيرة من المساعدات. وعملنا مع الشركاء في المنطقة لمساعدة المعارضة على الدفاع عن نفسها عسكرياً.

بالعودة إلى الوراء، ربما كان بإمكاننا الذهاب أبعد في تقويم خطر التصعيد. بيد أن السؤال الأشد صعوبة الذي سعى أوباما دائماً إلى الإجابة عنه هو، ماالسبيل للحؤول دون التصعيد وتحوّله إلى نزاعٍ تُحمَّل الولايات المتحدة المسؤولية الكاملة عنه، ويلقي بكَلْكَلِه على السياسة الخارجية الأميركية لسنوات طويلة؟ لقد ألقى العراق بثقله على سياستنا الخارجية خلال العقد المنصرم، وأردنا أن نتجنّب تكرار الأمر. لاأرى في ذلك سوء قراءة للتاريخ، بل أعتبر أننا تعلّمنا دروساً منه.