كما جرت العادة في مثل هذا الوقت من السنة، يتكهَّن الناس بالهدايا التي يتمنّون الحصول عليها. لكن في واشنطن هذا لايعني عيد الميلاد، بل فترة الانقطاع الممتدة من تشرين الثاني/ نوفمبر إلى كانون الثاني/ يناير، بين  إدارة أميركية وأخرى. في هذا الوقت، يصطف حلفاء الولايات المتحدة ليطلبوا من الرئيس الأميركي المُقبل ما كان يحجبه عنهم سلفه، وهذا أمر طبيعي ومتوقَّع.

ثمة أمر طبيعي آخر، هو أن الرئيس الأميركي الجديد وأركانه يوافقون على الأقلّ على بعض مطالب الحكومات الأخرى، لمجرد إبداء حسن النية وهم يتسلّمون مهام مناصبهم، فضلاً عن تصحيح مايعتبرونه أخطاء سياسات أسلافهم. غير أن الهدايا التي تقدّم على عجل، أي قبل أن تقدّر الإدارة الجديدة تكاليفها بصورة تامة، غالباً ما تصبح موضع ندم في أوقات الراحة والفراغ.

مؤخراً، اختتم وزير الخارجية المصري سامح شكري زيارة إلى واشنطن، في أعقاب المكالمة الهاتفية المتلهّفة التي أجراها الرئيس  السيسي في 9 تشرين الثاني/ نوفمبر لتهنئة الرئيس المنتخب دونالد ترامب بالفوز. في هذه المكالمة، بدا أن السيسي حريص تماماً على حصد وعد ترامب بأن يكون "صديقاً وفيّاً وحليفاً" لمصر، خاصة في حربها ضد الإرهاب، وهو الوعد الذي قطعه على نفسه خلال اجتماعهما في أيلول (سبتمبر) في مستهل دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة.

تتضمن قائمة رغبات مصر، وفقاً لمصادر عدة من بينها صحيفة ترتبط بالحكومة بصورة وثيقة، زيارتي السيسي إلى واشنطن وترامب إلى القاهرة، وزيادة الدعم العسكري، وتقديم المساعدات الاقتصادية التي لم يتم صرفها نقداً، وتوفير مليارات عدة من الدولارات بصورة ضمانات قروض، واعتبار جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية، وتسليم المطلوبين المصريين الموجودين في الولايات المتحدة إلى الحكومة المصرية.

بعض الأشياء الجيدة المطلوبة في هذه القائمة، خصوصا الزيارتين إلى واشنطن والقاهرة، هو من النوع الذي سيكون للإدارة الأميركية الجديدة مطلق الحرية في تحقيقه، من دون موافقة أي قطاعات أخرى في الحكومة. ومع ذلك، سوف تتطلّب معظم البنود الواردة في القائمة تعاوناً من جانب السلطة التشريعية أو القضائية. على سبيل المثال، يجب أن يُصادق الكونغرس على زيادة المساعدات أو إلغاء الشروط المتعلّقة بحقوق الإنسان التي فرضت على المساعدة الأمنية في السنوات الأخيرة. في المقابل، سيكون هناك رأي للقضاء الأميركي بشأن عمليات تسليم المطلوبين.

هنا، على وجه الخصوص، ربما يكون السيسي  أخطأ في حساباته. إذ قد تتناقض الحملة المستمرة ضد منظمات المجتمع المدني المصرية، والتي تصاعدت وتائرها بصورة ملحوظة منذ فوز ترامب، مع سعي السيسي للحصول على قائمة رغباته بأكملها. ذلك أن قانون المنظمات غير الحكومية الجديد الصارم في مصر، الذي أقرّه البرلمان، ومن المتوقع أن يوافق عليه السيسي قريباً، عكّر صفو زيارة شكري الأخيرة إلى واشنطن. وأعضاء الكونجرس الأميركي لم يتجاوزوا قط "القضية 173" المتعلقة بالتمويل الأجنبي، والتي جرى فيها إدانة موظفين أميركيين ومصريين يعملون في منظمات غير حكومية تموّلها الولايات المتحدة بتهمة القيام بأعمال من دون ترخيص في العام 2013. وهذه المسألة تم إحياؤها الآن باعتبارها قضية ضد المنظمات غير الحكومية المصرية التي حصلت على تمويل أجنبي.

 ثمَّ، هناك قضية آية حجازي، وهي واحدة من عدد من المواطنين الأميركيين الذين احتُجزوا لفترات مديدة في السجون المصرية وفق مسوّغات مفبركة تتعلّق بالاحتجاجات التي تلت الانقلاب العسكري في العام 2013. أضف إلى ذلك أنه حالما غادر شكري واشنطن، تسرّب خبر اعتقال عزة سليمان الناشطة في مجال حقوق المرأة، وهي أول شخص يتم القبض عليه في الفصل الجديد من القضية 173 (أطلق سراحها لاحقاً بكفالة لكن ستتم محاكمتها).

حظي شكري باستقبال متفاوت في واشنطن. فقد التقاه نائب الرئيس المنتخب مايك بنس، غير أن عدداً من كبار أعضاء الحزب الجمهوري في الكونغرس رفضوا لقاءه. وفي حين استقبله آخرون، إلا أنهم أعربوا وبقوة عن قلقهم إزاء قضايا المجتمع المدني. وقبيل لقائهما شكري، أصدر عضوا مجلس الشيوخ ليندسي غراهام (رئيس لجنة الاعتمادات الخارجية) وجون ماكين (رئيس لجنة الخدمات المسلحة) بياناً حول عزمهما "تشديد الشروط المتعلقة بمعايير الديمقراطية وحقوق الإنسان" على المساعدات التي ستقدم إلى مصر مستقبلاً. كما واجه شكري سيلاً من  ألاسئلة الصعبة حول حقوق الإنسان خلال مقابلتين أجراهما مع وسائل الإعلام.

وبالتالي، يجب أن تُفضي حقيقة أن النظام المصري رأى في انتخاب ترامب ضوءً أخضر لزيادة اضطهاد نشطاء المجتمع المدني السلميين وأن شكري سمع بعض الكلمات القاسية في واشنطن، إلى أن يعيد كلا الجانبين النظر في كيفية إدارة العلاقات الثنائية، فيما  تستعد إدارة ترامب لتولي السلطة. على الحكومة المصرية أن تفهم أنها قد تجاوزت حدودها، ولاينبغي أن يُفهم من واقعة إعجاب ترامب، على ما يبدو، بالسيسي على أنها تعني أن بمقدور مصر أن تفعل الآن كل ما يحلو لها، من دون أن تواجه رداً سلبياً أو صدّاً من جانب واشنطن. والواقع أن مصر ربما كانت ستحصل على جميع أو معظم ماتحويه قائمة رغباتها مع مقاومة ضئيلة أو معدومة من الكونغرس، لو أن السيسي لم يُقدم على استغلال ماكان يعتقد أنها فرصة للإجهاز على المجتمع المدني. ومع ذلك لايزال بوسعه تغيير مساره.

ينبغي أن تعلّم هذه المعطيات إدارة ترامب درسين اثنين: الأول هو أن كبار أعضاء الكونغرس سيعارضون منح السيسي كل ما يريد، إذا لم تتحسن أوضاع حقوق الإنسان والمجتمع المدني في مصر، حتى في ظل وجود رئيس جمهوري في البيت الأبيض. والثاني أن السيسي سيقبل على الأرجح أي تمويل أو هدايا يغدقها عليه ترامب وسيستخدمها في غير أغراضها المحددة، أي لا لمحاربة الإرهاب، بل لتحقيق أجندات سياسية انتقامية تافهة ضد النشطاء السلميين.

علاوة على ذلك، على إدارة ترامب أن تدرك أنها كلما أعطت السيسي من دون الحصول على شيء في المقابل، كلما صار مرجّحاً أن يطلب السيسي المزيد. وبالتالي سيواصل نظام البلطجة في مصر تخويف مواطنيه، غير أنه سيكون أكثر قدرة أيضاً على تحويل البلطجة تجاه رعاة خارجيين أيضاً. اسألوا المملكة العربية السعودية .

ماذا إذا؟ هل سيكون الرئيس المنتخب ترامب، الذي يفاخر بمهاراته التفاوضية، مساوماً حازماً مع حلفاء مثل مصر كما قال إنه سيكون مع الشركات الأميركية؟ وهل سيوازن كل بند من طلبات مصر مع المصالح الأميركية وإمكانية تحقيق نتائج إيجابية في مجال مكافحة الإرهاب؟ أم أنه سيُمطر السيسي بالهدايا بسرعة، لمجرّد تغيير سياسات باراك أوباما؟

فلننتظر لنرَ.