يقول دون مكولين، 81 عاماً، إن ساقَيه باتتا تخونانه. لكن عندما اصطحبته إلى المنزل لإجراء المقابلة معه، صعد مسرعاً خمس مجموعات من السلالم (كان التيار الكهربائي مقطوعاً)، فيما بقيت أنا خلفه. لقد لمستُ مايتمتع به هذا الرجل من طاقة وسعة حيلة، وهو الذي التقط، في زهاء ستّة عقود، صوراً استثنائية، عدد كبير منها من مناطق الحروب، وقد تحوّلت جزءاً من المشهد البصري الذي يطارد أجيالاً من الناس. في اليوم التالي للمقابلة، في أوائل كانون الأول/ديسمبر 2016، غادر مكولين إلى العراق، برفقة الصحافي تشارلز غلاس، لتغطية المعركة في الموصل. وفيما كان يهمّ بفتح الباب للمغادرة بعد انتهاء المقابلة، قال في إشارة إلى تقدّمه في السن: "لعلها المرة الأخيرة التي أحضر فيها إلى بيروت". لم أقتنع بكلامه.

مايكل يونغ: لعب الشرق الأوسط دوراً مهماً جدّاً في مسيرتك المهنية العريقة والمميّزة. ماذا تعني المنطقة بالنسبة إليك؟

دون مكولين: في العام 1995، أُرسِلت لتمضية فترة من خدمتي العسكرية في منطقة القناة في مصر على مقربة من الإسماعيلية. أمضيت عاماً هناك، حيث كنت جزءاً من قسم التصوير الفوتوغرافي. لكن بما أنني كنت أشبه بالسجين، كانت تجربة بائسة جدّاً بالنسبة إلي. هذه كانت المرة الأولى التي أتعرّف فيها على الشرق الأوسط. بعدها عدت إلى إنكلترا، حيث نشأت وترعرعت. لم يحمل مسقط رأسي آفاقاً كبيرة بالنسبة إلى مستقبلي لأنني نشأت في منطقة تقطنها الطبقة العاملة التي تعاني من الفقر المدقع، وتشكّل مرتعاً للإجرام. لو أنني لم أتحلَّ بعزيمة قوية لتجنُّب الدخول إلى السجن، لربما أصبحت مجرماً أيضاً.

في خاتمة المطاف، خضت غمار الصحافة. لم أفكّر في العمل في مجال الصحافة التصويرية لأنني لم أكن أطمح إلى الكتابة. كنت أعمل في مجلة "الأوبسرفر" مقابل أجر زهيد جدّاً، وقالوا لي يوماً: "هل تقبل بتغطية الحرب الأهلية في قبرص بين اليونانيين والأتراك؟" اليونانيون هم مَن استجلبوا لأنفسهم تبعات تقسيم الجزيرة، لأن الأتراك ليسوا من النوع الذين يسمحون للآخرين بالإساءة إلى أبناء قومهم، وقد تدخّلوا وقسموا الجزيرة إلى شطرَين. لكنني وقفت إلى جانب الأتراك لأنني لطالما ناصرت المظلومين. وبما أنني أنتمي في خلفيتي إلى الطبقة العاملة الفقيرة، شعرت دائماً بأن هناك في النظام الطبقي الإنكليزي من يضغطون دوماً على أنفاسي. لذلك وقفت دوماً إلى جانب الخاسر. وهذا ينطبق أيضاً على نصرتي للفلسطينيين.

بعد التغطية في قبرص، بدأت بالتردد إلى أفريقيا وتغطية الحروب التي اعتبرت أنها قد تستمر لمئات الأعوام. لكن مجدداً، اندلعت حرب حزيران/يونيو 1967 في الشرق الأوسط، ووجدت نفسي في قلب المعركة على القدس ملحَقاً بالجيش الإسرائيلي. كنت الشخص الوحيد هناك الذي يعمل في صحيفة. أمضيت يوماً في المعركة، وفي اليوم التالي عدت إلى لندن، ما أغضب الإسرائيليين لأنني لم أمرّر الشريط الذي صوّرته عبر جهاز الرقابة. وهكذا، بعد سنوات عدة، خلال حرب يوم الغفران في العام 1973، لقي مراسل مرموق كنت أرافقه، مصرعه في مرتفعات الجولان. وقد قال هارولد إيفنز، المسؤول عني في الصحيفة: "فليعد جميع مراسليّ إلى لندن، لا أريد مزيداً من المآسي". وعندما كنت في مطار تل أبيب، اقتادوني إلى غرفة وأجبروني على خلع ثيابي كلها والانحناء، ما أثار غضبي. وراودني شعورٌ بالكراهية تجاه هؤلاء الأشخاص، ولن أعود أبداً إلى إسرائيل.

يونغ: كانت تغطيتك للأحداث في لبنان لافتة، من خلال عدد كبير من الصور المطبوعة في الذاكرة عن الحرب الأهلية اللبنانية في 1975-1976. كيف تتذكّر تلك المرحلة؟

مكولين: وصلت إلى بيروت في العام 1964، في طريقي إلى رام الله. وقد ذُهِلت بجمالها. ما إن تترجّل من الطائرة حتى تبدو لك المدينة وكأنها حوض بركاني مع كل الأنوار المتلألئة. كانت أمسية جميلة. كانت الأجواء رومنسية ومُدهشة جدّاً. أُعجِبت كثيراً بما رأيت، وكان ذهني منفتحاً لاستيعاب مختلف الأمور. عندما عدت إلى بيروت في العام 1976، وكانت الحرب الأهلية قد نشبت في ذلك الوقت، رأيت مشهداً مختلفاً تماماً. لم يسبق أن رأيت قساوةً بهذا الشكل. كنت في فندق "هوليداي إن" مع الكتائب، ثم غادرت بعد بضعة أيام وتوجّهت إلى منطقة الأشرفية، حيث كان المقاتلون يعيدون تنظيم صفوفهم. تقدّم أحدهم نحوي ووضع شريطاً أزرق حول عنقي. سألته: "ماهذا؟" فكان جوابه: "إنه لحمايتك من رجالنا، وإلا سيطلقون النار عليك". لم تكن هناك خطوط فعلية للمعارك.

تبيّن أنهم على وشك اجتياح الكرنتينا [حي فقير معظم سكّانه من الفلسطينيين الذين كانوا يقاتلون ضد الكتائب]، والاستيلاء عليها. كان يوماً لايُنسى، يوماً سيئاً جداً. بصراحة، وقعت مجزرة. تقدّم رجل نحوي بعدما كنت قد شهدت على مقتل رجلَين، وحذّرني قائلاً: "إذا التقطت مزيداً من الصور، سأقتلك". ثم طلب مني الرحيل. كنت برفقة مارتن ميريديث، مراسل "صنداي تايمز". كنا نمرّ قرب الجثث، وكان الرصاص يتطاير في المكان، كل شيء كان يحترق. كانت هناك أشجار كينا مشتعلة، وكانت تنفجر بسبب احتكاك النيران بالنسغ. سماع صوت الأشجار وهي تنفجر كان أشبه بسماع صراخ أشخاص يتوسّلون للبقاء على قيد الحياة. هل كنت أعيش كابوساً أم أن مايجري حقيقي؟ بالطبع كان حقيقياً.

يونغ: التقطت صورة شهيرة لعنصر من الميليشيا يعزف على العود فوق جثة إحدى الضحايا.

مكولين: نعم، كانوا يعزفون على آلة موسيقية سُرِقت من أحد المنازل. كنت أهمّ بالمغادرة عندما سمعت عزفاً على الأوتار، ففكّرت في نفسي: "موسيقى؟" رأيت ذلك الرجل يعزف على العود فوق جثة هامدة لفتاة صغيرة تحت أمطار الشتاء. قلت لميريديث: "يجب أن ألتقط هذه الصورة". فبادرني بالقول: "حسناً أسرِع إذاً". التقطت صورة واحدة، ولم أستخدم حتى أداة قياس الضوء التي يُعرَف عني أنني أستخدمها. لا أصوّر أبداً من دون استخدام أداة قياس الضوء. ما الفائدة من ضبط أداة قياس الضوء عندما يكون خطر الموت داهماً؟

التقطت هذه الصورة ثم ابتعدتُ من المكان، وعندئذٍ بدأت المتاعب. وصلنا إلى الخط الأخضر [الذي كان يقسم بيروت إلى شطرَين خلال سنوات الحرب]: كانت أجواء من الهستيريا تطغى على المكان لأنه سُمِح للناجين – النساء والأطفال وكبار السن – بالمغادرة. أثناء عبورنا [إلى بيروت الغربية]، سألنا المسلّحون عن تصريح المرور، فأعطيتهم مستنداً اعتقدت أنه تصريح مرور لأنه كان مكتوباً كله باللغة العربية، ليتبيّن أنه تصريح من الكتائب [أعداء المسلّحين]. فأنزلونا من السيارة واقتادونا إلى غرفة، وقد فقدوا صوابهم وتوعّدونا: "سنحزّ عنقَيكما"، فسألتهم: "لماذا؟" كانت قد مضت ساعة على وجودنا في الغرفة، شعرت وكأن أحدهم أفرغ أنبوباً من الغراء اللاصق القوي في فمي، فقد التصق لساني بحلقي من شدّة الجفاف. ثم بعد ساعةٍ تقريباً، دخل رجل يرتدي سترة من الجلد ويدخّن سيجارة، وقال لنا: "تصرّفتما بحماقة شديدة". وعندما عرض علينا القهوة، أدركت أنني بأمان. في مثل هذه اللحظات في حياتك، سواء كنت مراسلاً أو مصوّراً، أو أياً تكن صفتك، تكون على قاب قوسين أو أدنى من الموت. يكفي أن يكون هناك شخص واحد يتعذّر السيطرة عليه كي تصبح في عداد الأموات. جاء هذا الرجل اللطيف، ورأى الوضع، وقام بتصحيحه.

يونغ: قلتَ في أحد الأفلام الوثائقية إن الحرب في لبنان بلغت درجة من العنف والكراهية أصبحت معهما شكلاً من أشكال الجنون. بالطبع ليست بلادنا حالة فريدة في هذا السياق؟

مكولين: بالمقارنة مع الحروب الأخرى؟ بالطبع لا، ليست حالة فريدة. تجلب الحرب الجنون والتهور، والسلوك غير العقلاني. عندما تندلع الحروب، قد يطلق شرارتها أشخاص يطمحون إلى الحرية والديمقراطية، كما حدث في سورية. ثم، بعد برهة، يغتصب أولاد الشوارع القضية تحقيقاً لمآربهم الخاصة التي تتمثّل في ممارسة السلطة لأول مرة في حياتهم، وفي أن يكونوا هم من يطاردون الآخرين بدلاً من أن يكونوا دائماً المطارَدين. وهكذا تفقد الديمقراطية سكينتها، وتصبح القضية أسيرة البلطجية.

يونغ: في العام 1982، لم تسمح لك الحكومة البريطانية بتغطية حرب الفوكلاند، فتوجّهت إلى لبنان لتغطية الاجتياح الإسرائيلي. وقد عشت أزمة شخصية عندما اصطُحِبت إلى مستشفى في صبرا وشاتيلا. هلا تروي لنا ماجرى.

مكولين: في ذلك اليوم، قرع رجل جرس غرفتي في فندق "الكومودور" وطلب مني الذهاب معه. عادةً لايقبل المرء دعوة كهذه في بيروت، لكنني ذهبت لأنني فكّرت أن هناك حرباً وسوف يريني شيئاً ما. اصطحبني إلى مخيم صبرا وشاتيلا. كان الإسرائيليون قد قصفوا المصحّ العقلي هناك، ما أسفر عن مقتل 21 شخصاً. وجدت وضعاً مختلفاً تماماً عن كل مارأيته سابقاً. كانت هناك ممرّضة مكثت في المصح لمدة خمسة أيام وربطت الأولاد المختلّين عقلياً بالأسرّة. كانوا يزحفون على الأرض من دون ملابس، فيتسبّب لهم الركام والزجاج المكسور بالجروح. كانت أجسادهم مغطّاة بالذباب، وبالبراز الخارِج منها. كانت داراً للمجانين فيما كان مزيد من الجنون يدور في الخارج.

سمع الآخرون في الفندق بما يجري، وبدأوا يتقاطرون إلى المكان. حصلت على ساعة كاملة من الوقت قبل وصولهم، وأنا أحب العمل بكرامة، ولم أصدّق أنه لدي الحق في التقاط تلك الصور، لكن إذا كانت الفرصة سانحة أمامي لالتقاطها، فسوف أفعل ذلك بأفضل طريقة ممكنة وبالأسلوب الأكثر صدقاً ونزاهة. ثم وصلت جحافل من الإعلاميين العاملين في القنوات التلفزيونية الأميركية. تصرّفوا كما الوحوش. راحوا يركلون يمنةً ويسرةً ويوقعون الأشياء أرضاً، وينظرون إلى الأولاد قائلين: "ابتعدوا عن طريقنا، إنه وقت الذروة". مكثوا هناك لمدّة عشر دقائق فقط ثم رحلوا. لايمكنك إنجاز عمل حقيقي ونزيه في غضون عشر دقائق.

يونغ: بالكلام عن النزاهة، وصفك هارولد إيفنز، المسؤول عنك سابقاً في "صنداي تايمز"، بأنك "ضمير يحمل كاميرا". ماتعليقك؟

مكولين: إنه إطراء لي أن يصدر مثل هذا الكلام عنه. لطالما عشت حياتي بحسب قواعدي الخاصة. وكان أدائي أفضل خلال عملي منفرداً، لأنه لم يكن علي الاعتذار عن السلوك المريع لزمرة الصحافيين المتنقّلين حول العالم. لم أرد أن أكون جزءاً منهم. أردت أن أكون على طبيعتي. لكن في يوم سيئ جداً في بيروت في العام 1982، دفعت الثمن. وقع انفجار ضخم أدّى إلى انهيار مبنى سكني بتفجير عبوة ناسفة إسرائيلية.

يونغ: كنتُ على مقربة من مكان الانفجار، كانت قنبلة فراغية.

مكولين: نعم، هذا صحيح. كانت امرأة تصرخ وسط الركام. جهّزتُ الكاميرا لأنه كان رد فعل تلقائياً. التقطت صورة واحدة، رأتني وبدأت تلكمني. كان هناك المئات، لكنني كنت الوحش الذي تحوّل إلى كبش المحرقة. كان علي أن أتحمّل الضرب صاغراً، من غير الوارد أبداً أن أرفع يدي في وجه امرأة، ولاسيما في هذا الجزء من العالم. فاستدرت وتحمّلت الضرب منها. كانت امرأة ضخمة البنية وقوية، وكان ضرباً مبرحاً. لاحقاً فكّرت في ماجرى وقلت في نفسي: "تستحق ذلك، لقد استغللت تلك المرأة". حاولت مغادرة المكان، وكان الأشخاص يحاولون لكمي. كان أحدهم يحمل مسدّساً عيار 9 ملم، كان يحاول انتزاع الكاميرا مني. كنت قد أصبت بكسر في ذراعي في السلفادور قبل بضعة أشهر. راح يشدّ بذراعي، وكان الألم بادياً على وجهي. عدت إلى الفندق وكنت تحت تأثير ماجرى. جلست وطلبت من النادل أن يجلب لي فنجان قهوة. وفكّرت: أيُّ يومٍ هذا، لماذا حدث ذلك معي؟ جل ما أردته هو أن أكون مصوّراً. وضعتني الظروف في مكان مستعصٍ، لكن مَن عساني ألوم على وجودي هناك؟ طلبت من المسؤول عني القدوم سريعاً إلى لبنان. فمن عساي ألوم غير نفسي؟

يونغ: هل كنت قد أصبحت مدمناً على الحرب؟

مكولين: بدأت مزاولة التصوير قبل وقت طويل من العام 1982. إذن، كان الإدمان قد بدأ ينحسر. وتلك الحادثة ساهمت في دفعي إلى التخلّص من الإدمان. بدا الأمر وكأنني توجّهت فجأةً لزيارة طبيب نفسي. لقد شكّل ذلك اليوم نقطة تحوّل في حياتي. لكنني مازلت حزيناً جدّاً لأنني لم أتمكّن من الذهاب إلى الفوكلاند.

يونغ: قال كثرٌ إن الحكومة البريطانية لم تسمح لك بالذهاب لأن صورك صاعقة جدّاً، ولم ترد أن تلتقط صوراً صاعقة. مارأيك؟

مكولين: يبدو كلاماً منطقياً. أعتقد أنه ربما ينطوي على شيء من الحقيقة، لكن سيدةً تعمل قيّمةً في "متحف الحرب الامبراطوري" في لندن قالت إن سلاح البحرية، الذي كان مسؤولاً عن النقل، تذرّع بعدم وجود مكان على متن السفن. فكان جوابي: "لا أصدّق ذلك. أعتقد أن هناك دافعاً أعمق وراء إبعاد شخص واحد فقط". هذا مؤلم حقاً من الناحية النفسية، لأنني تواجدت مع جيوش بلدان أخرى، لكنني لم أتواجد مع الجيش البريطاني عندما كان يمرّ بأزمة.

يونغ: هل كان لديك هدف أعمق عند التقاط الصور ماعدا أن هذا مايتطلبه عملك؟ هل كنت تحاول التعبير عن التعاطف مع الضحايا؟

مكولين: حصل ذلك لاحقاً، بعدما أدركت قوة الكاميرا. لكن قبل ذلك، كنت أمتّع نفسي فقط بحبّي للتصوير. لكن عندما بدأت أصوّر معاناة الحرب، وأنقل صور الأطفال، وصور العذاب والألم، وأنشر هذه الصور، بدأ الأشخاص يقولون لي: "يا إلهي، هذا رائع". أدركت لأول مرة أنني أصبحت واحداً من أولاد الشوارع الذين تكلّمت عنهم قبل قليل، إنما مع ذهنية تبشيرية. بدلاً من الكلاشينكوف، كنت أحمل كاميرا في يدي. وشعرت بأنني أقوم بشيء نافع، وهادف، في حين أن أولاد الشوارع يمارسون إجرامهم وحسب.

لكنني أحاول أن أتجنّب الشعور بأنني "فاعل خير". شعرت فقط بالاعتزاز لأنني تخطّيت خلفيتي الجاهلة بطريقة من الطرق، فالذنب ليس ذنبي لأنني نشأت في كنف أسرة تنام في غرفتَين في منزل تحت الأرض. إذن، كانت لدي ندبة ذهنية، وكنت بحاجة إلى التخلص منها. كنت أشعر وكأن الندبة موجودة على وجهي، وفي أعمالي. أردت أن أشرّف اسم والدي. لايتحدّثون كثيراً عن الشهامة في هذه الأيام، لكنني جئت من خلفية تعاني من الفقر المدقع والجهل والتعصب. أردت أن أصنع اسماً لوالدي الذي توفّي عندما كنت في الثالثة عشرة من عمري.

يونغ: وكيف ساهم عملك في ذلك؟

مكولين: عبر صناعة اسمٍ لنفسي، فاسمي مرادف لاسمه. وعبر الارتقاء باسمي ومكانتي. صدّق أو لاتصدّق، المشكلة في إنكلترا هي وصمة الفصل الطبقي. لاتزال موجودة. لطالما كان علي أن أتخطّى تلك الوصمة، وأعتقد أنني نجحت في ذلك. لم أعد أشعر على الإطلاق بعقدة النقص التي عانيت منها لسنوات طويلة في السابق.

في أحد الأيام، أثناء تغطيتي لمؤتمر لرؤساء وزراء دول الكومنولث في لندن، تجاوزت دوري في الصف لأنه كان هناك رتلٌ طويل من المصوّرين الذين ينتظرون لالتقاط الصور. تجاوزت دوري لأنني لم أرد أن أنتظر هؤلاء الأشخاص الذين كانوا يصطفون كما الخراف. قيل لي: "عليك أن تلتزم مكانك"، فكان جوابي: "عمّ تتحدثون بحق الجحيم؟ لامكان لي!" عدت إلى طبيعتي النزقة السابقة. تشاجرت مع الأشخاص الذين هم من طينتي. ثم أصبحت منشقاً بعض الشيء. لم أكن أدين بشيء لهؤلاء الأشخاص. إذا كانوا يريدون الوقوف في ذلك المكان، فليفعلوا، لأنهم سيمضون حياتهم واقفين هناك. أما أنا فسوف أتحرّك.

لكنني أعترف بأنه على الرغم من سلوكهم هذا، أحبّهم وأحترمهم. أدرك وأتفهّم مهنة التصوير الفوتوغرافي وتاريخها. لقد منحني التصوير حياةً، شكلاً من أشكال التثقيف. سافرت أكثر ممايمكن أن يحلم به معظم الأشخاص. لذا، لدي أخلاقياتي التي أعتزّ بها كثيراً. لا أكتفي بالتقاط صور الفظائع في الحروب. لا أقصد التباهي، لكن لديّ معرفة عميقة بالتصوير. وأنا معروف أيضاً إلى حد كبير لأنني أقوم بطباعة جميع الصور التي ألتقطها. في السابق، كنت أحتفظ بكل الصور السالبة، لقد احتفظت بحقوق النشر. وبالتالي، خوضي غمار التصوير ليس تجربة عابرة لايُعوَّل عليها. أنا شديد الالتزام بمهنتي.

يونغ: هل معظم المصورين الصحافيين مختلفون اليوم عما كنتَ عليه في السابق؟ هل أصبحت المهنة أكثر وقاحة في المرحلة الراهنة؟

مكولين: السبب وراء هذه الوقاحة هو أنهم لم يعودوا يرسلونهم إلى الحروب أو لتغطية الأحداث بكل ما للكلمة من معنى. يعمد مالكو الصحف إلى خفض الموازنات لأنهم يودعون ذلك المال في حساباتهم المصرفية. مايقولونه الآن هو الآتي: "مهلاً، لانريد عرض هذه الصور المروّعة، نريد أن نعرض صور المشاهير الناجحين من نجوم سينمائيين ولاعبي كرة قدم ونجوم هوليوود...". النرجسية هي التي تطغى. يريدون إظهار النرجسية والبريق، لايريدون الحديث عن الأشخاص الذين يموتون بسبب إصابتهم بمرض فقدان المناعة المكتسبة (الأيدز). مع ذلك، رضخوا للأمر عندما نشروا مؤخراً صورة صبيَّين صغيرَين – الأول كان يرقد جثة هامدة على أحد الشواطئ التركية، والثاني يجلس في حلب وقد بدا عليه هول الصدمة. لأول مرة منذ سنوات، رأيت صوراً مهمّة حرّكت مشاعر الناس. لكنها لم تضع حداً للحروب. أمضيت حياتي في تصوير حروبٍ لم يُكبَح جماحها أبداً.

يونغ: لكن غالباً ماكان التصوير أمضى من الكلمة. على سبيل المثال، لاشيء ينافس بعض الصور التي التُقِطت في فيتنام.

مكولين: نعم هذا صحيح، كانت فيتنام بمثابة الصرح الجامعي للحرب البصرية. التُقِطت صور عظيمة هناك – منها مثلاً الصورة التي التقطها صديقي إيدي أدامز لمسؤول الشرطة الذي أطلق النار على رجل في رأسه؛ أو الصورة التي التقطها نيك أوت لفتاة فيتنامية تعدو مسرعةً، والتي يعتقد الجميع في إنكلترا أنني أنا من صوّرتها. أتمنّى لو كنت أنا من التقطتها، كنت لأشعر بشرفٍ عظيم. غير أن هذه الصور أثارت مشاعر متفاوتة. ذات مرة، قال لي نيك أوت، وهو مصوّر من فيتنام: "أكره تلك الصورة، لأنها محت كل الأشياء الأخرى التي فعلتها". يراودني الشعور نفسه بشأن الصورة التي التقطتها لعنصر المارينز الذي يحدّق في البعيد في هيوي. الجميع يتحدثون عن تلك الصورة. ليست بشيء، إنها مجرد بورتريه. التقطت خمس صور لذلك الرجل، جميعها متشابهة. في حال تضرّرت إحدى الصور، أستطيع الاستعانة بالصور الأربع الأخرى.

يونغ: عند النظر إلى الصور التي التقطتها، يدهشني كيف تحافظ على درجة الإتقان العالية في تركيبة الصورة في أوضاع يسودها توتّر شديد. كيف تنجح في ذلك؟

مكولين: لكن هذا الأمر محفوف بالمخاطر، أليس كذلك؟ ثمة خطر بأن تصبح الصور أيقونية، بأن تصبح مثل رسوم كارافاجيو. من أجل مَن تفعل ذلك، وهل تفعله باسم الفن؟ لا أريد حتى مجرد التفكير في الأمر. لايمكنني استغلال معاناة الآخرين كي أرتقي كفنّان، هذا سخيف. لا أريد أن أُسمّى فناناً. أنا مسرور جداً بلقب المصوّر. التصوير هو مهنتي وهويتي.

كنت ملحقاً بكتيبة من قوات المارينز أثناء تعرضها للإبادة على أيدي جيش فيتنام الشمالية في مدينة هيوي الإمبريالية [في شباط/فبراير 1968]. فُقِد نحو 60 عنصراً في السرية التي كنت ملحقاً بها. أتلقّى الآن رسائل من عناصر المارينز الذين صوّرتهم. بوجود الإنترنت اليوم، يمكن التواصل وتبادل المعلومات. أتلقّى الآن رسائل من هؤلاء الأشخاص. منذ بضعة أيام، تلقّيت رسالة من أحدهم. فقد التقطت صورة لجندي مصاب من سلاح المارينز يقف متّكئاً إلى جدار، وقد عنونتها "صَلْبي"، لكنه كان صلبه هو. أصيب برصاصة في وركه، وكان رجلان يسندانه، وقد بدا مثل يسوع المسيح. فيما كنت ألتقط الصورة، كنت أصرخ نحوهم: "اجلبوه، اجلبوه"، فركضوا به ووقعوا أرضاً، فازداد ألمه. أخيراً، عندما وصلوا إلي لحسن الحظ، حملته على كتفَيّ ونقلته بعيداً من ساحة المعركة. لم يصدّق الجنود الآخرون مايجري. لقد راودني غضب جامح لأنني جعلته يعاني، وفكّرت في نفسي: "يجب أن أفعل شيئاً". فوضعت كاميراتي على الأرض وطلبت من أحدهم أن ينتبه لها، ونقلته بعيداً من ساحة المعركة. ومنذ بضعة أيام، وجّهت زوجته رسالة إلى زوجتي جاء فيها: "لن ينسى زوجي أبداً ذلك اليوم عندما حمله دون، لكنه كان يخشى أمراً واحداً، أن يقعا أرضاً". أردت أن أريه أنه في الوقت الذي أخذت فيه شيئاً منه، أي الصورة، أردت أن أعطيه شيئاً في المقابل – حياته.

يونغ: في هذا السياق، أعلم أنك قلت إنك لاتريد استغلال الضحايا، لكن هناك مجموعة صاعقة جداً من الصور التي التقطتها في الكونغو، والتي يظهر فيها فتيان صغار يتعرّضون إلى التعذيب قبل إعدامهم. لقد فوجئتُ نوعاً ما، فقد يُنظَر إلى هذه الصور بأنها استغلالية.

مكولين: إنه سؤال مهم جداً. لن أعطي جواباً منمّقاً لأشعر بالارتياح. هذا أمر سيئ. لأنه أحياناً عندما تكون موجوداً في المكان... لقد رأيت أشخاصاً ينتظرون إعدامهم، ينظرون إلي ويفكّرون في أنفسهم: "أرجوك ربّي أن تساعدني، لاتسمح بحدوث هذا". لكن أولئك الفتيان كان قد أُلقي القبض عليهم قبل وصولي إلى هناك، جرّوهم خلف الشاحنات، وسلخوا جلدهم أحياءً على ظهر هذه الشاحنات، واقتادوهم إلى النهر وأطلقوا النار على رؤوسهم. وقعتُ على ذلك المشهد، قطعت كل تلك المسافة، وكان ممنوعاً علي التواجد هناك، ففكّرت: "سوف ألتقط هذه الصورة". تتوقف عن التفكير. لايمكنك أن تحمل لواء الأخلاق في كل دقيقة من كل يوم. وربما يمكنك أن تحكم عليّ لأجل ذلك، وأعتقد أنك تملك كامل الحق بأن تحكم علي. تطرح هذه المسألة علامات استفهام، وقد فكّرت بأنانية: "لايمكنني أن أوقف مايجري، سوف أصوّره لأن هذا مايحدث في الحياة، ويجب أن يعلم الناس به". إذن كنت في مكان سيئ جداً.

من الصور الأخرى التي التقطتها صورة جندي قتيل من فيتنام الشمالية وتحيط بجثته جميع المقتنيات التي كانت بحوزته. وصل جنود أميركيون إلى المكان وراحوا يبحثون عن تذكارات. أرادوا الحصول على أحزمة عائدة للجنود من فيتنام الشمالية لأنها كانت تحتوي على نجمة [في الإبزيم]. فتّشوا في جميع مقتنياته، وراحوا يبعثرونها وهم يقهقهون، ففكرت: كيف يمكنكم أن تفعلوا هذا؟ قدّم هذا الشاب التضحية القصوى زوداً عن بلاده. عمره 19 عاماً. والمعدات التي بحوزته أقل بكثير من تلك التي تمتلكونها. قطع ألف كيلومتر سيراً على الأقدام من هانوي ولقي مصرعه هنا. لاتفعلوا هذا به.

لم أقل لهم ذلك لأنهم كانوا ليسدّدوا لي لكمة على أسناني. كانوا جنوداً من فرقة المارينز، أشدّاء العود كما الألواح الخشبية. أثناء مغادرتهم المكان كانوا يقهقهون ويتكلّمون عن "الفيتنامي" الميت، وكيف نال "الفيتنامي" نصيبه الذي يستحق. كنت واقفاً هناك، وكانت لحظة جنون فريدة من جانبي. كنت كمَن يتكلم مع ذلك الجندي لأنني شعرت بأنني أتماهى معه أكثر مما أتماهى مع الآخرين بسبب تدنيسهم لحرمة الموت. جمعتُ مقتنياته الوضيعة معاً والتقطت هذه الصورة. العام الماضي التقيت في بلدة بربينيان في فرنسا مجموعة من المصوّرين من فيتنام الشمالية وتناولت طعام الغداء معهم. وقد أراهم صديقٌ كنت برفقته هذه الصورة. فجُنَّ جنونهم، وراحوا يصوّرونها قائلين: "سنعثر على هذا الرجل، إنه أحد أبطالنا، وسنعثر عليه".

فكّرت في نفسي، يا للغرابة، ها نحن نتناول وجبة غداء لذيذة في بلدة جميلة في فرنسا ونتكلم عن رجل خسر حياته عندما كانت مسيرته لاتزال في خطواتها الأولى. طبيعتنا البشرية معقّدة جداً. أحمل عبئاً ثقيلاً. قلت لأحدهم: "لست مرتاحاً في الائتزار بأخلاقياتي". ذهبت إلى دبي منذ بضعة أيام لتسلّم جائزة. أتعلم ماذا فعلت بها؟ تركتها خلف جهاز التلفزيون في غرفة الفندق حيث كنت أنزل. ماحاجتي إلى هذه الجوائز؟ لدي قبوٌ في حديقتي مليء بها، لا أريد أن أراها في المنزل. وكأنها تُلوِّثه.

يونغ: عدا الصور الحربية، أثارت صورة التقطتَها في انكلترا إعجابي شخصياً لأنها جميلة جداً. إنها تظهر رجلاً يمشي في الصباح الباكر، وفي الخلفية مصنع. إنها استثنائية جداً.

مكولين: أتعلم ماذا خطر في بالي عندما رأيت المصنع، عندما رأيت الدخان المحترق؟ فكّرت في أوشفيتز. بدا لي المشهد أشبه بمدينة  بيركيناو حيث معسكر الإبادة في أوشفيتز. بتُّ ليتلي في السيارة لأنني لم أكن أملك المال الكافي لحجز غرفة في الفندق. كنت قد قطعت خمسمئة كيلومتر في السيارة، كان أسوأ شتاء تشهده إنكلترا منذ أجيال. عندما استيقظت، لم أستطع أن أحرّك ساقَيّ، كان البرد قارساً. ولد ابني البكر في ذلك الأسبوع، وقد رأيته في المستشفى مع زوجتي وسألتها: "هل تمانعين إذا غادرت الآن؟" رأيت ذلك المشهد وفكّرت في نفسي، أحتاج إلى شخص في الصورة. فظهر رجلٌ والتقطت الصورة. الصورة السالبة رقيقة جداً لأن أداة قياس الضوء لم تكن بحوزتي. صعدت في سيارتي وقفلت عائداً. استخدمت لفافة فيلم واحدة، وكانت الصور السالبة رقيقة كلها. لكنني طبعت الصورة وقد لقيت استحسان الجميع.

يونغ: إطار الصورة ممتاز، يمكنك أن تسمّي نفسك فناناً.

مكولين: نعم، لكنني لا أريد أن أُلقَّب بالفنان، بل أريد أن أُعرَّف بأنني مصور فوتوغرافي.

يونغ: لكن كيف تؤطّر صورة بهذا الإتقان الشديد؟ هل تلتقط عدداً من الصور، ثم تختار الصورة التي تبدو أفضل من الصور الأخرى؟

مكولين: بادئ ذي بدء، ليست مسألة حظ. إلا أنني أرمق الحياة بنظرة حادّة جداً. أساس الصورة هو تركيبتها، هذه هي الكلمة الأساس. من الأسئلة الغبية التي يطرحها الأشخاص: "هل تختبئ وراء الكاميرا؟" جوابي هو الآتي: "كفى سخافة، كيف لي أن أختبئ خلف شيء بهذا الحجم الصغير؟" لكنني أدرك مايقصدونه، يتحدّثون عن الجانب النفسي. لكنني لا أختبئ أبداً من أحد. بل أواجه مباشرةً. أنا مهووس بتركيبة الصورة. خلال الحرب في فيتنام، التقطت صورة لجندي في قوات المارينز الأميركية يلقي رمانة يدوية. وقفت مصوِّباً عدسة الكاميرا، فأصبحت في مرمى القنبلة. جازفت بحياتي في جميع تلك الحروب، لم أذهب لتغطية الحروب بدافع الشهرة. لقد تكبّدت المخاطر نفسها مراراً وتكراراً. لم أعتمر قط خوذة، أو أرتدي سترة واقية من الرصاص، طوال تلك السنوات، لم أمتلك أياً منهما.

يونغ: عدد كبير من الصور بالأسود والأبيض. لماذا؟

مكولين: جميع الصور. أفضَل الصور التي التقطتها هي كلها بالأسود والأبيض.

يونغ: لماذا هذا الخيار؟

مكولين: عندما ترى صورة بالأسود والأبيض، لاتبارح مخيّلتك. لانعيش في عالم بالأسود والأبيض، بل في عالم لديه سبعة ألوان من ألوان الطيف. أعرف جميع الألوان. لكن لسبب ما، أقول في نفسي عندما أتواجد في الغرفة المظلمة: "من ينظر إلى هذه الصورة لن ينساها". لأنني سأضخ فيها كل ما أمكنني من قوة ووقع. هذا ما أريد أن يراه الآخرون في أعمالي. لا أقبل بأن أمنحكم جولة بالمجان لأن أحدهم يعاني وأنتم بمنأى عن المعاناة. عندما تنظرون إلى صوري، سوف تشعرون بالألم الذي يعتصرهم. يبدو هذا جنونياً بعض الشيء لكن...

يونغ: ألايطلب منك رؤساء التحرير التقاط صور ملوّنة؟

مكولين: بلى، لاسيما في مجلة "صنداي تايمز"، كونها تصدر بالألوان. كانوا يقولون لي عندما أتوجّه في مهمة: "حسناً دون، التقط بعض الصور الملوّنة. رجاءً أحضِر لنا بعض الصور الملونة". كنت أعود وأدخل المكتب وأضع الصور على الطاولة وأظل واقفاً مكاني فيما يبدأون بالعمل على إخراج الصور. وكانوا يقولون لي: "دون، لمَ لاتذهب وتحضر فنجان قهوة؟" فكنت أجيبهم: "لا، سأتفرّج عليكم. أنا كنت موجوداً هناك، وأعرف كيف يجب أن يخرج الخبر إلى الناس". لكن المخرج الفني في "صنداي تايمز" كان شخصاً رائعاً. كان يدعى ديفيد كينغ، وعندما ترك العمل في الصحيفة، شعرت وكأن عالمي على وشك الانهيار. كان يتولّى إخراج الصور التي ألتقطها، وكان لامعاً في عمله. قد تكون أفضل مصوّر في العالم، لكن إذا لم يكن هناك من يقوم بإخراج صورك بالطريقة المناسبة، فقد يضيع مجهودك سدى. ليس مهماً كم أنت بارع في عملك، فالإنسان بحاجة دائماً إلى بطل في الحياة، إلى شخص يدفعه نحو الأمام، ويساعده على التطور، ويقدّمه إلى الآخرين.

يونغ: ماذا عن العصر الرقمي؟ هل تستخدم الكاميرات الرقمية؟

مكولين: سأتوجّه إلى الموصل غداً، وهناك سوف أستخدم الكاميرات الرقمية. مازلت مفتوناً بها لأن هناك كاميرات رقمية بغاية الروعة. عندما كنت في فيتنام، كان الظلام يهبط عند الساعة السادسة مساء، فنتوقف عن التصوير. أما الكاميرات الرقمية فيمكن استخدامها في غرف نصف مضاءة والحصول على نوعية جيدة. إذن بات بالإمكان التصوير في أي وقت كان. يمكنك التصوير في ظلام شبه دامس. هذا أشبه بنظارات الرؤية الليلية. الكاميرا الرقمية لافتة، لكنها تتضمن قدراً كبيراً من المعلومات، وهي بالتالي معقّدة. لا أمتلك القدرة على التأقلم مع هذا النوع من التكنولوجيا. لابل أنا سيئ جداً في هذا المجال. لا أستخدم جهاز كمبيوتر. ولا أجيد حتى استعمال هاتفي الخلوي.

يونغ: مَن يعجبك من المصوّرين الذين عملت معهم في الستينيات والسبعينيات؟

مكولين: كان هناك لاري بوروز الذي لقي حتفه في فيتنام في تحطّم مروحية. ويعجبني أيضاً جيمس ناشتوي، إنه جيد جداً أيضاً... لكن في أعماله، لانشعر بـ... نستشف في أعماله مصوّراً لامعاً... لدي أيضاً صديق رائع، سباستياو سالغادو، لايذهب لتغطية الحروب تحديداً مع العلم بأنه قصدَ رواندا لمعاينة الإبادة. لكنني بدأت في المهنة قبلهم. لا أمتلك التصوير الفوتوغرافي، لم أمتلكه قط. إنه ملكٌ للكون. إذاً يستطيع الجميع مزاولة التصوير، وهم موضع ترحيب كبير. لا أعتبره تعدّياً على حياتي الوجدانية. بالطبع، إذا حقق أحدهم أمراً لم تحققه بنفسك، يجب أن تبدي إعجابك به. لايجوز أن تتملكك مشاعر الكراهية بدافع الغيرة. أنا لست غيوراً، ولم أشعر بالغيرة يومياً. لا أعاني من الحسد.