في كانون الأول/ديسمبر الحالي، أعلنت شخصيات نافذة في جماعة إسلامية تُدعى أحرار الشام، عن تشكيل فصيل جديد داخل هذه الحركة أُطلق عليه اسم "جيش الأحرار". هذه الخطوة، التي تُهدِّد بحدوث شرخ واسع النطاق، تتوِّج صراعاً داخلياً مديداً على السلطة بين جناح تدعمه تركيا ويضم أعضاء معتدلين نسبياً في أحرار الشام، وبين مُنافسين مُتشددين يسعون إلى دفع الجماعة إلى فلك السلفية- الجهادية العالمية.

كان مفهوماً منذ أمد أن صدعاً في حركة أحرار الشام يُسفر عن انفصال جناحها الجهادي، تبدو الطريقة الواقعية الوحيدة لتهميش الجهاديين المرتبطين بتنظيم القاعدة المُتمثل بجبهة فتح الشام (سابقاً جبهة النصرة)، التي تُقيم الحركة معها تحالفاً ميدانياً وثيقا. بيد أن هذه كانت مقامرة خطرة، لأن من شأن إنشطار فوضوي أن يُضعف أيضاً الاتجاهات الأكثر براغماتية داخل حركة التمرد السورية. كما أنه يُعزز مواقف الجهاديين، من خلال تمزيق القوة الوحيدة القادرة على موازنة جبهة فتح الشام في مناطق مثل إدلب.

لكن، سواء تدبّرت أحرار الشام أمر إحتواء الأزمة أما لا، ثمة مخاطر جمّة هنا، قد تتمخّض عنها تداعيات عميقة على بنية التمرد السوري المترنِّح.

الحفاظ على البقاء عبر القيادة الجماعية

شدّدت حركة أحرار الشام، على عكس العديد من فصائل المعارضة السورية، بقوة دوماً على أولوية القيادة الجماعية عبر مجلس الشورى وهيئات أخرى، ولم تُسلِم قيادها البتة إلى شخصيات نارية على غرار الراحل زهران علوش الذي تزعّم جيش الإسلام من العام 2011 وحتى وفاته  العام 2015. فقد حرص قادتها على الابتعاد عن الأضواء، وكرّسوا جل جهودهم لمصالحة مختلف الآراء التي تُتداول في مجلس الشورى. وهذا كان صحيحاً على وجه الخصوص بعد وفاة أول قائد لأحرار الشام، حسان عبود، الذي قُتِلَ إلى جانب معظم أعضاء القيادة المؤسسين في انفجار غامض في أيلول/سبتمبر 2014. 

كانت خسارة أحرار الشام للعديد من قادتها دفعة واحدة، ضربة قاصمة لاشك، لكن الجماعة فاجأت الجميع بقدرتها على البقاء والاستمرار. ففي غضون ساعات من مصرع عبود، حلّ مكانه هاشم الشيخ الذي ترك المنصب لاحقاً بعد سنة واحدة من توليه. ثم جاء بعده مهنّد المصري  في العام 2015 وبقي لسنة أخرى. وفي تشرين الثاني/نوفمبر، حلّ مكان المصري علي العمر الذي أصبح ثالث قائد لأحرار الشام خلال ثلاث سنوات.

يعود جانب من أسباب قدرة أحرار الشام على البقاء بعد كارثة أيلول/سبتمبر 2014، إلى السيل الفوري من الدعم الخارجي التركي والقطري، لكن ثمة أيضا عوامل داخلية. فكما يوضح الباحث السوري أحمد أبازيد، تفاعلت الجماعة مع خسارة مؤسسيها عبر التشديد على القيادة الجماعية، والعمل في الوقت نفسه على مركزة السيطرة على الفصائل المحلية. هذه كانت استراتيجية ناجحة، لكنها أتت على حساب مأسسة وترسيخ التنافسات الإديولوجية داخل الجماعة، فيما قيادتها العليا تتخبط في لجج الضعف والتلاشي.

نَحَتْ الاحتكاكات الداخلية، التي كانت جليّة حتى قبل مصرع عبود، إلى التفاقم بشكل تصاعدي عامي 2014 و2015، ربما بفعل سعي تركيا لدفع الجماعة إلى توجُّه أكثر براغماتية. ويبدو الآن أن أحرار الشام تُصاب بالشلل في كل حين يتطلّب الوضع قراراً واضحاً حول نهجها السياسي: هل تقف إلى جانب رفاق السلاح الجهاديين أم تدعم معارضة التيار الرئيس السائد؟ على سبيل المثال، فشلت الجماعة، على رغم الضغوط التركية الكثيفة، في اتخاذ موقف واضح حول دعم أو رفض عملية سياسية مع حكومة بشار الأسد عامي 2015 و2016.

البراغماتيون مقابل غلاة المتشدّدين

يمكن القول، على وجه التقريب، أنه بَرَزَ استقطاب داخل أحرار الشام بين جناحين متنافسين، على رغم أن السياسات الداخلية للجماعة أكثر تعقيداً بما لايقاس من مجرد الانشطار بين معسكرين. 

فهناك، من جهة، الفصيل المُتصلّب والمُتشدد المتأثّر بالسلفية- الجهادية، الذي يعارض أعضاؤه مايعتبرونه مغالاة في الاعتماد على كلٍ من تركيا والمعارضة السورية المدعومة غربياً. ويثير هؤلاء في وجه هذين الطرفين الأخيرين مجادلات عقيدية دينية، فضلاً عن اعتراضات سياسية على مايعتبرونه توجهات انزلاقية خطرة. يضم هذا الجناح العديد من الأعضاء الذين يسعون إلى دمج أحرار الشام وجبهة فتح الشام. ومن بين أبرز شخصيات هذا الفصيل المُتشدد القائد السابق لأحرار الشام هاشم الشيخ، والقائد العسكري القوي في شمال سورية، أبو صالح طحان، وكبير فقهاء الحركة أبو محمد الصادق.

تقف على الضفة الآخرى كتلة من الأعضاء الساعين إلى إقامة علاقة تعاون وثيق مع تركيا، والحد من الاحتكاكات مع الغرب ووكلائه في سورية. بتعابير إيديولوجية، يميل أعضاء هذه الكتلة إلى الابتعاد عن الطهرانية السلفية- الجهادية،  والاقتراب من تشدّد إسلامي أكثر براغماتياً سياسيا. وفي حين أن هؤلاء يُثنون على دور جبهة فتح الشام في ساحات الوغى ولايعارضون دعوات الوحدة في العلن، إلا أنهم يشعرون بالضيق والحرج حين يفكّرون بالجدوى السياسية للتحالف مع جماعة إرهابية محظورة. البعض في هذه المجموعة، التي يشار إليها على نحو مُطّرد بأنها "الاتجاه الثوري"، يرفعون علناً العلم السوري ثلاثي الألوان الذي يحبّذه الجيش السوري الحر. كما نجد في هذه الكتلة شخصيات على غرار مسؤول العلاقات الخارحية لبيب النحاس، وشقيقه كنان النحاس، ويقال أيضاً مهنّد المصري الذي كان حتى الفترة الأخيرة القائد الأعلى لأحرار الشام.

قيل عشية انتخاب قيادة  الحركة في تشرين الثاني/نوفمبر، أن طحان ومُتشددين آخرين أيدوا مسعى هاشم الشيخ لتجديد ولايته، فيما اصطّف الأعضاء الأكثر اعتدالاً وراء كنان النحاس. وحين أدرك المتشددون  عجزهم عن استقطاب مايكفي من الدعم الداخلي، هددوا بتحطيم الجماعة عبر الانشقاق. ولكي يثتبوا أنهم جادون في تهديداتهم، علّق نحو ثلث أعضاء مجلس الشورى عضويتهم ، بما في ذلك الشيخ، وطحان، وأبو محمد الصادق.

ويبدو أن هذا التطور هو الذي حفز على انتخاب علي العمر، الذي يُعد مرشح تسوية على رغم أن الآراء تتباين حول مدى قربه من المعسكر البراغماتي، حيث يقول البعض أنه تخلّى عن موقفه المتشدد السابق المتودّد للجهاديين. بيد أن كل المصادر تبدو متقفة على القول أن العمر يتمتع بدعم أنقرة، وبأن تعيينه (وفق تشارلز ليستر Charles Lister من مؤسسة الشرق الأوسط الذي تحدث معي في مقابلة على الانترنت) "اعتُبِرَ إلى هذا الحد أو ذاك استمراراً لموقف الارتباط بالوكالة لتركيا".

كانت مهمة العمر الأولى الحفاظ على تماسك أحرار الشام. وهو حرص في الخطاب الافتتاحي الذي  ألقاه في 1 كانون الأول/ديسمبر على التشديد على الحاجة إلى الوحدة مع الفصائل الأخرى، كأتاوة دفعها لإرضاء المتشددين المُتعاطفين مع جبهة فتح الشام. بيد أن هذا لم ينجح في خفض حدة التوتر، إذ ذُكِرَ أن هاشم الشيخ رفض منح بيعة الولاء للقائد الجديد، كما اتُّهِمَ أبو محمد الصادق بأنه هو الذي خطّط ودبّر سراً خطوة التحدي لمجلس الشورى، ربما بحفز وتشجيع من جبهة فتح الشام.

ولاحظ ليستر أن"مانراه الآن مع قرب سقوط حلب وبروز الأهمية الفائقة لإدلب، هو أن طرفين رئيسين في المنطقة- جبهة فتح الشام وأحرار الشام- تتموضعان لتحقيق ماتعتبرانه مواقع أكثر ملاءمة للحفاظ على البقاء". وأضاف:" تحبّذ القيادة الجديدة لأحرار الشام موقف التعاون الثوري مع الجيش السوري الحر، فيما الجناح الأقلوي بقيادة هاشم الشيخ يبدو أكثر ميلاً إلى الدفع نحو الاندماج مع جبهة فتح الشام، من أجل تحقيق مشروع إسلامي كبير".

تشكيل جيش الأحرار

في 10 كانون الأول/ديسمبر، قام الصقور الذي فقدوا غالبية الأصوات بخطوتهم الأولى، وأعلنوا باسم العديد من الفصائل الفرعية التي زُعِمَ أن بعضها انجرف نحو أحضان جبهة فتح الشام، عن تشكيل وحدات مسلحة أُطلق عليه اسم جيش الأحرار. لكنه رفضوا أن يصفوا هذا بأنه انشقاق أو ارتداد،  وأصروّا على أن جيش الأحرار سيبقى جزءاً من أحرار الشام بوصفه "قوساً في جُعبة الحركة"، على حد تعبير هاشم الشيخ. فهذه، وفق سردية المتشددين، مجرد خطوة لتحقيق وحدة أكبر، وتجسيداً لقدرتهم على صيانة الحركة من التفكّك. بيد أن خصومهم اعتبروا تشكيل جيش الأحرار ليس فقط محاولة وقحة للقفز فوق أصوات الأغلبية، بل أيضاً بمثابة انقلاب.

ويميل المرء في الواقع إلى الاطلالة علىى بيان الشيخ بوصفه الصيغة الإسلامية السورية من "الانقلاب الناعم" الكلاسيكي ( Promnunciamento) الشهير في سياسات أميركا اللاتينية. يتضمن هذا الانقلاب الناعم، بالاجمال، مجموعة من الضباط المنشقين الذين يُفصحون عن معارضتهم للحكومة، ثم ينتظرون بقية وحدات الجيش كي تنضم إليهم. فإذا  مانجحوا، ستبدو المقاومة حينها عقيمة وسيمسكون بزمام الحكم من دون إطلاق رصاصة واحدة.

 لكن في هذه الحالة، معروف أن هاشم الشيخ وحلفاؤه يعملون من موقع الإقليّة. ولذا، مالم يُثبت منشقو جيش الأحرار أنهم أعتى في الميدان من مجلس الشورى، ستذهب سُدى على الأرجح مساعيهم للسيطرة ، وستتحوّل إلى مأزق مؤذٍ للجميع. وبالتالي، يتعيّن حل هذه المعضلة إما عبر انقسام تام- (يرحل بموجبه قادة جيش الأحرار، في مرحلة ما، للانضمام إلى جبهة فتح الشام كأعضاء فيها أو وكلاء لها) أو من خلال التفاوض، مُستخدمين تهديد الانشقاق كورقة لضمان نفوذ أكبر داخل أحرار الشام.

ستكون جبهة فتح الشام في كلا هذين الاحتمالين، هي الرابح الأول: فإما أن تنشق أحرار الشام لصالح جبهة فتح الشام، ماسيعزز موقع الجهاديين بصفتهم أقوى جماعة متمرّدة في سورية؛ أو يضمن حلفاؤهم المتشددون في أحرار الشام شروطاً أفضل داخل منظمة تتعرّض إلى خطر الأنزواء تحت عباءة السيطرة التركية الكاملة. 

لكن، بالنسبة إلى حركة التمرد السوري ككل، لاشك أن الإعلان عن تشكيل جيش الأحرار، كان خبراً سيئاً تماما: ففيما تستعد قوات الأسد للسيطرة على شرق حلب، وربما أيضاً حتى شرق الغوطة، قد تُثبت هذه الجولة من تصفية الحسابات الداخلية بين الأجنحة المتنافسة في حركة أحرار الشام، أنها باهظة الثمن للغاية.