مع اقتراب نهاية العام، طلبت مدونة "ديوان" من بعض الأعضاء في مركز كارنيغي للشرق الأوسط أن ينصحوا القرّاء بكتاب أو فيلم أو وثائقي أو أشكال أخرى من التسلية. ونغتنم الفرصة أيضاً لنشكر القرّاء على دعمهم خلال الأشهر الأولى من انطلاقة مدوّنة كارنيغي للشرق الأوسط، ونتمنّى لكم جميعاً أعياداً سعيدة.

بيري كاماك

"عربي المستقبل" (The Arab of the Future) سلسلة روائية مصوّرة لافتة لرسّام الكاريكاتور الفرنسي رياض سطوف. وُلد سطوف في باريس من أب سوري وأم فرنسية، وعمل طوال عقدٍ من الزمن في الأسبوعية الفرنسية الساخرة "شارلي إيبدو" التي غادرها قبل فترة قصيرة من إقدام شقيقَين من أصل جزائري على اقتحام مكاتبها في باريس وقتل اثنَي عشر من زملائه السابقين.

تتمحور الرواية المصوّرة حول نظرة سطوف الساخرة إنما المشحونة بالعواطف إلى العلاقة التي ربطته في مرحلة الطفولة بوالده عبد الرزاق، خلال ترحال العائلة بين فرنسا وليبيا وسورية. الفتى رياض، الذي يتراوح عمره من عامَين إلى سبعة أعوام في المجلّدَين الأولين، يحب والده حبّاً جمّاً ويعتبره منزهاً عن كل نقد، ويتشرّب الشعارات الفارغة للقومية العربية والعبادة المطلقة لشخص كل من معمر القذافي وحافظ الأسد. ("لم أكن معجباً بالأسد بقدر إعجابي بالقذافي. لم يكن وسيماً أو رياضياً مثله. كان جبينه عريضاً، ويثير انطباعاً بأنه مراوغ").

فيما يشارف العام 2016 على نهايته، تقدّم لكم مدوّنة

عبد الرزاق والدٌ طلق المحيا وحسن النية إنما عنيد، كان مثقفاً عروبياً من مدينة حمص في سورية، وكان معجباً بجمال عبد الناصر حدّ تأليهه. لكن مثاليته هذه تآكلها الفساد المستشري، والتململ الاجتماعي، والتعصّب الديني، في ليبيا، وبشكل خاص في سورية. أما كليمنتين، والدة رياض، فهي النواة المعنوية للأسرة، لكنها انطوت على نفسها تدريجياً وسط العزلة الاجتماعية والتشنّجات العائلية.

لا ضير من قراءة روايات سطوف المصوّرة التي تتّسم بالتبصر لمحاولة فهم كيف ساهمت عقود من السلطوية والركود المؤسساتي في المأساة التي تعيشها سورية اليوم. لكن سلسلة "عربي المستقبل" ليست مقالة سياسية أو أطروحة اجتماعية، بل هي عمل فنّي حرّيف وظريف عن التجارب والمحن التي عاشتها إحدى العائلات. صدرت ثلاثة مجلّدات باللغة الفرنسية الأصلية التي وُضِعت بها السلسلة، لكن المجلّدَين الأوّلَين فقط تُرجِما إلى اللغة الإنكليزية.

ميشيل دن

إذا صدف وجودكم في مدينة نيويورك في عطلة الأعياد، من أفضل الهدايا التي يمكن أن تقدّموها لأنفسكم زيارة معرض "القدس1000--1400: كل شعب تحت السماء" (Jerusalem 1000-1400: Every People Under Heaven) في متحف متروبوليتان للفنون. 

هذا المعرض الذي جرى التحضير له بعناية فائقة ويستمر حتى 8 كانون الثاني/يناير المقبل، يجمع في حناياه بين معروضات دينية وعلمانية قيّمة صُنِعت في المدينة المقدّسة أو من أجلها على امتداد ثلاثة قرون شهدت اضطرابات وأحداثاً عاصفة، خضعت المدينة خلالها إلى حكم الفاطميين والصليبيين والأيوبيين والمغول.

 المعروضات في ذاتها رائعة جداً، وبعضها لم يُعرَض من قبل أمام الرأي العام، وقد تمت استعارتها من قيّمين ينتمون إلى جماعات دينية حفظتها بعيداً عن الأنظار طيلة قرون. والعيّنة الأبرز هي مجموعة من تيجان الأعمدة المصنوعة من حجر الكلس والمعبِّرة بطريقة مدهشة.  نُقِشَت هذه العيّنة في الناصرة نحو العام 1180 ثم دُفِنت في الأرض على وجه السرعة مع تقدّم جيش صلاح الدين نحو المدينة. تكشف النقوش عن مشاهد مهمّة في حياة تلاميذ المسيح الاثنَي عشر، مع وجوه رُسِمت ببراعة وكأنها مأخوذة من رواية مصوّرة، وأجساد منحوتة بإتقان شديد.

 لايهدف المعرض فقط إلى تسليط الضوء على ماجرى في القدس وفي محيطها في العصور الوسطى، إنما أيضاً إلى إبراز الفورة المذهلة في الإبداع الفني التي ألهمها التعلّق الشديد بالمدينة – أو نكاد نقول الهوس بها – لدى اليهود والمسيحيين والمسلمين في مختلف أنحاء العالم.

ينقسم المعرض إلى صالات عدة، ليس بحسب المرحلة الزمنية بل بحسب الموقع في القدس، مثل السوق، والحرم الشريف أو جبل الهيكل، وكنيسة القيامة. تبدو الأغراض، بطريقة من الطرق، أقرب إلينا زمنياً عند عرضها في صالات تُظهر السياق التي صُنِعت من أجله. ولعل الجانب المفضّل لديّ في المعرض هو "النوافذ" المضاءة التي تظهر فوق المعروضات، وتُبَثّ عبرها أشرطة فيديو تنقل صوراً وأصواتاً من واقع المدينة الراهن. ومتجر التذكارات الصغير في الجزء الأخير من المعرض ليس فكرة سيئة إذا كنتم لاتزالون بحاجة إلى استكمال التسوّق استعداداً للعيد.

 داليا غانم-يزبك

إذا كنت تبحث عما يستثير عواطفك، ستكون قراءة روايات ياسمينة خضرا خياراً جيد.ا لقد حاول هذا الروائي الجزائري، في كتابه "ليلة الريّس الأخيرة"، أن يتخيّل ماكان يجول في بال الديكتاتور الليبي معمر القذافي. وفي روايته الأخيرة "الله لايسكن هافانا"، لايبتعد خضرا كثيراً عن الحديث عن تأثير السلطوية، لكنه يسلك أيضاً اتجاهاً مختلفاً تماماً.

تتمحور الرواية حول خوان ديل مونتي خونافا، المعروف بدون فويغو، وهو مغنّي رومبا كوبي في أواخر العقد السادس من عمره أمضى الجزء الأكبر من حياته في تقديم أفضل ما عنده للجماهير. لكن مع الوقت، أُصيب نجمه بالأفول، إلى أن أغلقت الحانة حيث كان يعمل أبوابها. يبدأ دون فويغو بالبحث عن فرص جديدة، فتنقله أمزجته عبر شوارع هافانا التي يُعيد القارئ اكتشافها معه صفحةً تلو الأخرى. لقد فقدت المدينة سحرها منذ وقت طويل، وأصبحت متداعية وآيلة للانهيار تحت تأثير الضربات التي يسدّدها إليها نظام سلطوي لايزال صامداً بطريقة ما.

قال خضرا عن كوبا في مقابلة معه: "في هذا البلد، لامكان على الإطلاق للمبادرة الشخصية، للطموح، إنه أسير أيديوجيا تآكلها الدهر، لكنها دائمة الحضور في كل مكان".

بيد أن المشهد ليس قاتماً بكامله. فذات ليلة، يلتقي دون فويغو شابة جميلة تُدعى ماينسي ويقع في غرامها على الرغم من فارق السنّ وجهله كل شيء عن ماضيها. تُحيي ماينسي لدى دون فويغو شغفاً وحيوية كان يعتقد أنه فقدهما إلى الأبد. يستمتع الاثنان بتمضية فترة قصيرة من السعادة القصوى إلى أن يظهر الوجه الحقيقي لماينسي الآسِرة. ينقلب عالم دون فويغو رأساً على عقب، لكنْ هناك ركيزتان راسختان لاتتزعزعان في حياته: أولاده وشقيقته وأولادها الذين يمنحونه جميعاً الشجاعة لتحمّل شدائده والوضع في كوبا؛ والموسيقى.

رواية "الله لايسكن هافانا" هي قبل كل شيء أنشودة في الحب والتفاؤل، على الرغم من خسارة الشباب، والأحبّاء، والجمال في الحياة. تعبّر إحدى الجمل خير تعبير عن هذا الشعور بالانبعاث الأزلي: "علينا أن نطوي الصفحة على كل الأشياء التي انقضت وانتهت، إذا أردنا أن نخترع أنفسنا من جديد في مكان آخر". تحمل هذه الرسالة أهمية كبيرة لمن يعيشون في المجتمعات المضطربة التي كتب عنها خضرا، والذين يخوضون نضالاً مستمراً من أجل النهوض من جديد.

آرون لوند

إذاً أنتم تعرفون كل ما يمكن معرفته عن انفصال تنظيم الدولة الإسلامية عن جبهة النصرة، ويمكنكم تسميع رسائل أبوت آباد عن ظهر قلب، وقرأتم كتاب "دعوة المقاومة الإسلامية العالمية" لأبو مصعب السوري، بصفحاته الـ1604... مرتَين.

لكن ماذا تعرفون عن المطبخ الجهادي؟

يُعرَف عن توماس هيغهامر، وهو باحث بارز في المؤسسة النرويجية للبحوث الدفاعية، بأنه من أبرز الخبراء في شؤون التيارات الجهادية وتاريخها. وفي أوقات فراغه، يتفرّغ للتدوين على مدوّنته "الجهادي الضجِر" (The Bored Jihadi) عبر موقع "تمبلر"، والتي يشرح بأنها تتطرق إلى "مايفعله الجهاديون في الأوقات التي لايقاتلون فيها: هواياتهم، آداب السلوك التي يتبعونها، قواعد اللباس، أذواقهم في الموسيقى، حس الدعابة لديهم، ومختلف الأمور الأخرى التي تبدو غير مهمة".

ينشر هيغهامر على مدوّنته صوراً وروابط لمقالات وكتب ومقاطع فيديو. من أحدث التدوينات فقرة عن أهمية الأحلام في الثقافة الجهادية، ومقال صحافي عن كيفية ارتباط البروباغندا الجهادية بـتقاليد الشِعر العربي، وتقرير عن قواعد اللباس لدى النساء في الرقة، وقصة متطرّفٍ بريطاني أطلق على هرّه اسم "7/7" تيمناً بتاريخ تفجير مترو الأنفاق في لندن في 7 تموز/يوليو 2005. وتماشياً مع النزعة الرائجة في مواقع التواصل الاجتماعي العصرية، هناك أيضاً الكثير من صور الطعام.

قال لي هيغهامر: "لا يمكننا فعلاً أن نفهم هؤلاء الأشخاص من دون أن نكوّن انطباعاً عن حياتهم اليومية". لكن لا داعي لأن تكون باحثاً، أو حتى عضواً في تنظيم القاعدة، كي تستمتع بقراءة مدونة The Bored Jihadi في موسم الأعياد.

مايكل يونغ

إن لم تكونوا قادراً على السفر في عطلة الأعياد، إليكم طريقة سهلة للسفر في الزمان والمكان. قلّما يكون لبنان محط اهتمام المخرجين السينمائيين، لاسيما الغربيين منهم، لكن الوضع لم يكن دائماً على هذه الحال. فقبل عقود، كانت بيروت قِبلةً مميّزة لمخرجي أفلام التجسس، ولاسيما الأوروبية منها (Eurospy).

كانت النتائج متفاوتة. فمعظم الأفلام الأجنبية كانت متوسّطة المستوى في أفضل الأحوال، لكنها لم تكن مملّة، وعرّفت المشاهدين إلى بلدٍ كان أكثر جاذبية قبل أن يتحوّل إلى غابة من الإسمنت، كما هو الحال اليوم. فيما يمكنكم مشاهدة العديد من هذه الأفلام عبر موقع "يوتيوب"، عليكم البحث أكثر لإيجاد الأفلام الأخرى.

فيما يشارف العام 2016 على نهايته، تقدّم لكم مدوّنة

أخرج ديفيد نيفن فيلماً تجسسياً في بيروت في العام 1996، واختار له عنواناً مناسباً: "أين هم الجواسيس" Where the Spies Are. الفيلم ليس متاحاً بشكلٍ كامل عبر الإنترنت، لكنه يُظهر بيروت الأسطورية بكامل روعتها، إذا جاز التعبير. كما ننصح أيضاً بمشاهدة ثلاثة أفلام أخرى متاحة عبر الإنترنت. صحيح ٌأنها لن تفوز بجائزة أوسكار، لكنها تُبرِز بطريقة جميلة بلداً لم يعد موجوداً: "كرة العميل السري النارية" Secret Agent Fireball (1965) و"العميل 505: فخ الموت في بيروت" Agent 505: Death Trap Beirut (1966) الذي يبدأ بمشهدٍ عند شاطئ سبورتنغ. كذلك أتى ليكس باراكر وميكي روني إلى بيروت لتصوير فيلمهما "24 ساعة للقتل" 24 Hours to Kill.

أُزيل من موقع يوتيوب هذا الأسبوع الفيلم الفرنسي "سيدة القصر في لبنان" La Chatelaine du Liban للمخرج ريشار بوتييه الذي يؤدّي فيه الشاب عمر الشريف دور البطولة. ولم يُنشر قطّ على الإنترنت فيلم "هروب حر" Echappement Libre للمخرج جان بيكر، بطولة جان-بول بلموندو وجان سيبرغ، مع العلم أنه يمكن الحصول عليه بسهولة. وكذلك فيلم "الجندب الكبير" La Grande Sauterelle للمخرج جورج لوتنر، بطولة ميراي دارك وهاردي كروغر. يتشارك بعض هذه الأفلام الشغف بـمسبح فندق إكسلسيور، الذي تشكّل أنقاضه اليوم تذكرةً سوريالية بالمسار الذي سلكه لبنان.

خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، لم يصوّر المخرجون الأجانب سوى أفلام قليلة نسبياً في بيروت، من ضمنها فيلم "سفارة" Embassy لغوردون هيسلر في العام 1972، بطولة راي ميلاند وريتشارد رواندتري وماكس فون سيدو، الذي ينتهي بمشهدٍ في سراي بعبدا الذي من النادر جدّاً أن يُستخدَم في التصوير؛ وفي العام 1981، صوّر فولكر شلوندورف فيلم "دائرة الخداع" Circle of Deceit الذي انطوى على قدر كبير من السخرية، لأنه أظهر مدى تدنيس الحرب للبنان، حيث ظهر فندق فينيسيا، أحد مواقع التصوير المفضّلة في العديد من أفلام الماضي، على شكل مبنى محترق ضخم، فبدا وكأنه تجسيدٌ للموت على الشريط السينمائي.