يشكّل وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في سورية في 29 كانون الأول/ديسمبر الماضي أحدث الخضّات الدبلوماسية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. يبقى أن نرى ما إذا ستكون هذه المبادرة، التي تبني على زخم المحادثات السابقة بين روسيا وإيران وتركيا، أكثر نجاحاً من المبادرات السابقة التي انهارت بُعيد إعلانها.

لكن سواء كانت هذه المناورة الدبلوماسية تؤمّن للشعب السوري فرصة لالتقاط الأنفاس هو بأمس الحاجة إليها، لعل الجانب الأكثر لفتاً للأنظار في الاتفاق يتمثّل في الدول التي لم يكن لها دورٌ فيه – وهي الولايات المتحدة وشركاؤها العرب التقليديون: السعودية ومصر والأردن والإمارات العربية المتحدة وقطر. يرى بعض المعلّقين أن المناورات الدبلوماسية والعسكرية التي أجرتها موسكو مؤخراً في الشرق الأوسط تؤشّر إلى بداية حقبة جديدة من الهيمنة الروسية، وقد اعتبر دونالد ترامب في المناظرة الرئاسية الثالثة أن روسيا "سيطرت على الشرق الأوسط".

لكن مهلاً، ليس بهذه السرعة.

تحدّت الحملة العسكرية الروسية في سورية التوقّعات. ولم يكن التدخّل الروسي مكلفاً في الأرواح ولا في المادّيات، ولم يؤدِّ (حتى الآن) إلى غرق موسكو في المستنقع السوري. بل على العكس، يعتبر الكرملين أن هذا التدخل يحصد نجاحاً باهراً، ولاشك أن الروس يستسيغون واقع أن الولايات المتحدة استُثنيَت من العملية الدبلوماسية التي أفضت إلى وقف إطلاق النار الأخير. بعدما أمضت روسيا مرحلة مابعد الحرب الباردة على الهامش – وشاهدت خلالها أميركا تخوض حربَين في العراق، وتطيح الزعيم الليبي معمر القذافي، وتقود تحالفاً عالمياً ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وتشكّل رأس حربة (مع درجات متفاوِتة من النجاح) في الجهود الرامية إلى التصدّي للتحديات الإقليمية مثل البرنامج النووي الإيراني، والعلاقات الإسرائيلية-الفلسطينية، والانتفاضات العربية – باتت تستمتع فجأةً بتحقيق الهدف الذي كانت تصبو إليه في سورية، ويتمثّل في تثبيت مكانتها كقوة عظمى، عسكرياً وديبلوماسياً على السواء.

تبدُّل الأقدار ولكن...

بات نظام الرئيس بشار الأسد، الذي بدا قبل ستة عشر شهراً على حافة الانهيار، يطمح الآن إلى ترسيخ سيطرته على كامل المراكز السكّانية في غرب سورية. وقد نجح بوتين بتحسين العلاقات مع إسرائيل والسعودية وتركيا وإيران في الوقت نفسه، فيما غرز خنجراً في قلب مفهومَي التدخل الليبراليين: "تغيير النظام" و"مسؤولية الحماية". وتُوِّج ذلك كلّه بجعل الولايات المتحدة تبدو مثل عملاق مثير للشفقة لا حيل له ولا قوّة.

صحيحٌ أن بوتين أجاد بطريقة لافتة تأدية دور محدود. لكن لابد من وضع الأمور في نصابها: ثمة مبالغة في تصوير التهديد بأن روسيا ستحلّ محلّ الولايات المتحدة في موقع القوة الخارجية المهيمنة في الشرق الأوسط.

أولاً، تنبع النجاحات القاسية التي حققتها روسيا في سورية في جزء منها من النطاق المحدود لطموحاتها في المنطقة والاعتراف بمحدودية التأثير الروسي خارج سورية. موسكو متلهّفة لبيع الأسلحة وستتصرف بطريقة انتهازية لتوسيع نفوذها، لكنها لاتريد أن تتبنّى مشكلات المنطقة، أو تقطع تعهّدات أمنية جديدة، أو تتحمّل المسؤوليات الأمنية التي تتولّاها الولايات المتحدة في المنطقة. في الهرمية الروسية للأولويات الإقليمية، يأتي الشرق الأوسط بعد "الخارج القريب" في الغرب والجنوب، ومنطقة آسيا-المحيط الهادئ.

ثانياً، حتى لو كانت روسيا تطمح إلى التوسع مع مرور الوقت، تُعدّ قدرتها على تحقيق هذه الطموحات محدودة. فآفاق موسكو الاقتصادية في المدى الطويل قاتمة بسبب الفساد، والاعتماد المفرط على إيرادات صادرات الطاقة التي سجّلت انخفاضاً حادّاً، والتراجع الديمغرافي، والعقوبات، وبيئة الأعمال التي تُثبط الاستثمارات الأجنبية. لاتملك روسيا قوة بحرية بإمكانها التربّع على عرش الهيمنة في الخليج الفارسي مكان الأسطول الخامس الأميركي. فمحطتها البحرية القائمة منذ فترة مديدة في طرطوس (وتتألف فقط من بضعة أرصفة، على الرغم من أنه يجري تحسينها على مايبدو)، وقاعدتها الجوية الجديدة في اللاذقية هما المنشأتان العسكريتان الوحيدتان اللتان تملكهما خارج بلدان الاتحاد السوفياتي سابقاً. تمنح هذه المرافق الجيش الروسي مربضاً مهماً في منطقة شرق المتوسط الاستراتيجية، وتوسيع هذا الحضور إلى درجة كبيرة قد يُتيح لروسيا مضايقة القوات البحرية الأميركية. لكن ومع أن البحرية الروسية قد تشكّل مصدر إزعاج أكبر، إلا أنها لن تتمكّن من تحدّي السيطرة الأميركية في المنطقة، طالما أن تركيا لاتزال عضواً في حلف شمال الأطلسي (الناتو) ويواصل الأسطول السادس العمل من خلال منشآت في المنطقة.

ثالثاً، تمثّل سورية حالة فريدة. أبدت روسيا استعداداً لاستخدام المطرقة في سورية، غير أن تدمير المراكز المدينية ليس مثالاً يُحتذى، فحتى الأنظمة الأكثر سلطوية لن ترغب في الاقتداء به. ولم تُظهر بعد قدرةً على استخدام المبضع، على غرار بعثات العمليات الخاصة الاستهدافية التي لجأت إليها الولايات المتحدة لقتل أسامة بن لادن أو القبض على إرهابيين في أماكن أخرى. تعود الروابط العميقة بين روسيا وسورية إلى عقود خلت، بيد أن المقاربة التي تعتمدها روسيا في علاقاتها مع بلدان أخرى والقائمة على الصفقات الآنية، تحدّ من قدرتها على إقامة شراكات دائمة وممارسة نفوذ مستمر. بالفعل، يفسّر انفتاح بوتين على الدخول في علاقات تكتيكية محدودة مع مجموعة واسعة من الشركاء المتناقضين ظاهرياً، كيف أن روسيا قادرة على التشاور مع إسرائيل بشأن عملياتها في سورية فيما تنسّق في الوقت نفسه مع إيران وحزب الله.

ستواصل السعودية وبعض شركائها في مجلس التعاون الخليجي التودّد إلى موسكو، وقد يُقدِمون على شراء أسلحة روسية، غير أن التأثير الروسي لدى عرب الخليج سيكون محدوداً بسبب دعم موسكو لنظام الأسد، وعلاقتها مع إيران، والأهم من ذلك الروابط التي تجمع دول الخليج بالولايات المتحدة منذ ردح طويل من الزمن. سوف تسعى روسيا إلى استغلال الخصومة بين إيران ودول الخليج السنّية من جهة والولايات المتحدة من جهة ثانية، لكن من غير المرجّح أن تتوصل روسيا وإيران إلى تقارب جدّي نظراً إلى العداء المتبادَل بينهما منذ قرون، والتباين في جداول أعمالهما في سورية وآسيا الوسطى، والتنافس في قطاع الطاقة.

كذلك، تفتقر روسيا إلى كلٍّ من القدرة على الوصول، والحلفاء، والنفوذ الكفيل بانتزاع موقع قوي لها في العراق. وستواصل موسكو بيع الأسلحة إلى مصر، غير أن قدرتها على إعادة بناء علاقة قوية مع القوات المسلحة المصرية ستكون محدودة بسبب التعاون الأمني المصري مع الولايات المتحدة، وعدم امتلاكها أدوات كافية لمعالجة مكامن الضعف في الاقتصاد المصري. تتمتّع روسيا بعلاقة جيدة مع إسرائيل، لكن هذه العلاقة تبقى قائمة على الصفقات الآنية، وستخضع إلى القيود والمحدوديات التي يفرضها التباين في الأهداف، ولاسيما في الوقت الذي تحارب فيه روسيا بالنيابة عن إيران وحزب الله في سورية. تبدو المؤسسة الأمنية الإسرائيلية حريصة على توطيد علاقاتها مع نظيرها الروسي، لكن لامصلحة لديها في استبدال الولايات المتحدة في موقع الشريك الأساسي.

تحسّنت علاقات روسيا مع تركيا، على الأقلّ في الوقت الراهن. فالدولتان تتعاونان عن كثب في الملف السوري لتنسيق استراتيجياتهما، وخير دليل على ذلك اتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه في 29 كانون الأول/ديسمبر الفائت. انكفأت أنقرة عن التزامها بعزل الأسد وخفضت دعمها لبعض مجموعات الثوّار، وقدّمت لها روسيا المساعدة في جهودها الهادفة إلى منع المجموعات الكردية من السيطرة على أراضٍ في سورية. بيد أن المصالح التركية والروسية في سورية ليست متطابقة، وستستمر أنقرة في إرساء التوازن بين علاقتها مع روسيا من جهة ومصالحها في الناتو وعلاقاتها القوية مع الولايات المتحدة من جهة ثانية.

المسألة السورية لم تُحسَم بعد

رابعاً، قد يتبيّن أن نجاحات بوتين في سورية أقل وقعاً مع مرور الوقت. يبدو أن استراتيجية الخروج الروسية تحتاج إلى درجة معيّنة من التسوية السياسية، لكن من غير المرجّح أن ينتهي النزاع سريعاً، حتى لو تبيّن أن عملية وقف إطلاق النار الأخيرة أكثر قابلية للاستمرار من سابقاتها. في غضون ذلك، تسلّط غزوات الدولة الإسلامية الأخيرة في تدمر الضوء على النقص المزمن في القوة البشرية الذي يعاني منه الجيش السوري. حتى لو تمكّن الأسد في نهاية المطاف من تحقيق نصر أقرب إلى النصر العسكري، فسوف يكون باهظ الثمن – ففي غياب تسوية دبلوماسية تحمل بصمة الأمم المتحدة، يصعب أن نتخيّل أن الناتو أو أعضاءه، أو مجلس التعاون الخليجي، أو المؤسسات المالية الدولية، سوف تساهم في تكاليف إعادة الإعمار التي تفوق التصوّرات. كما أن المواطنين الروس الذين يعانون من الضائقة، لن يرغبوا في إنفاق عشرات مليارات الروبلات على إعادة إعمار سورية.

أخيراً، ثمة خطر حقيقي بحدوث ارتدادات عكسية. مع أن حلب تُعدّ انتصاراً عسكرياً لبوتين، إلا أنها وصمة عار أخلاقية على سجلّه وسمعته ستطارده على الدوام. فعلى امتداد ربع قرنٍ من العمليات العسكرية شبه المتواصلة في المنطقة، كانت الولايات المتحدة "العدو البعيد" الأبرز للجهاديين. لكن ذلك قد يتغيّر مع ظهور الصور المروِّعة عن المعاناة البشرية في حلب. يشكّل المسلمون نحو 12 إلى 14 في المئة من الروس، وقد صرّح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الصيف الماضي أن نحو ألفَي مواطن روسي يحاربون تنظيم الدولة الإسلامية في سورية. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2015، أسقط تنظيم الدولة الإسلامية طائرة مقاتِلة روسية من طراز "متروجيت" فوق شبه جزيرة سيناء. ولعل اغتيال السفير الروسي في أنقرة مؤخراً على يد شرطي تركي ثأراً للمعركة في حلب، يُنذر بما تخبّئه المرحلة المقبلة.

عادت روسيا إلى الشرق الأوسط، بعدما أظهرت قدرتها على استخدام عضلاتها العسكرية لتحقيق نتائج دبلوماسية. وسوف يتعيّن على إدارة ترامب العتيدة أن تحسب حساباً أكبر للخطوات الروسية في المنطقة فيما تعمل على صوغ سياساتها. لكن، وعلى حدّ تعبير الكاتب الأميركي الساخر مارك توين، المخاوف من الصعود الروسي في الشرق الأوسط مبالَغ فيها إلى حد كبير.