في مصر اليوم، يُتَّخذ عدد كبير من القرارات غير العادية.

ففي تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، جرى تحرير سعر صرف الجنيه المصري أو ما يُعرَف بتعويم الجنيه، وذلك في ابتعادٍ دراماتيكي عن دعم سعر صرف العملة المعتاد منذ سنوات. وفي كانون الأول/ديسمبر الماضي، سحبت مصر، بناءً على طلب الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، رعايتها لمشروع قرار كانت قد اقترحته على مجلس الأمن الدولي حول النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني. وفي كانون الثاني/يناير الجاري، أظهر تحقيق واسع في قضية فساد، تورُّط مسؤولَين كبيرَين في منظومة المحاكم الإدارية، وقد وُجِد أحدهما جثّة هامدة في زنزانته.

ليست هناك معطيات واضحة حول مَن اتخذ هذه القرارات وما الأسباب. فقد بدا أن أجهزة الدولة الأساسية فوجئت بعددٍ كبير منها حيال طبيعتها وتوقيتها. وأحياناً، لم يكن ممكناً ربط بعض الخطوات – إلغاء أحد البرامج التلفزيونية بصورة فجائية، ومقتل طالب دكتوراه إيطالي على سبيل المثال – بصورة مباشرة بأجهزة الدولة، على الرغم من وجود شكوك قوية مبرّرة، لأنه جرى محو البصمات بالمعنى المجازي (وربما الحرفي أيضاً).

يبدو النظام السياسي المصري ضبابياً جدّاً في مساعيه الهادفة إلى توصيف الأمور بوضوح. ومع ذلك، تبرز أنماطٌ تتسّم بالجلاء. والسبيل الأفضل لفهم النظام السياسي الراهن هو تخصيص وقت أقل لتبادل الشائعات عن الأحداث الدراماتيكية، والتحوُّل بدلاً من ذلك نحو قراءة الأخبار المملّة الصادرة عن أجهزة الدولة: رئيس الوزراء يعلن أن "هيئة سيادية" ستعمد إلى طباعة امتحانات المرحلة الثانوية بهدف مكافحة الغش. المؤسسة الدينية الإسلامية الأساسية، الأزهر، تنشر ملخّصاً عن إنجازاتها في نهاية العام، تأتي فيه على ذكر جهودها لـ"تجديد الخطاب الديني". المحكمة الدستورية العليا تُعيّن بعض الأعضاء الجدد في هيئة المفوّضين التابعة لها، وهي عبارة عن مجموعة من القضاة الذين يحضّرون القضايا كي تنظر فيها المحكمة بكامل أعضائها. البرلمان يُدرِج أفكاراً مثيرة للجدل في مشروع القانون الذي ينظّم عمل المنظمات غير الحكومية والتعيينات القضائية، لكن مشاريع القوانين لا تصل أبداً إلى مكتب الرئيس.

هذه الأخبار العادية يمكن أن تساعدنا على تتبُّع خطى النظام السياسي المتطوِّر في مصر، حيث الرئيس هو السلطة العليا لكن قبضته على الدولة غير أكيدة؛ وحيث تؤدّي الأجهزة الأمنية دوراً قوياً ومتنامياً، إنما أيضاً خفي وتوجيهي غالباً؛ وحيث يتمكّن المسؤولون المختلفون في الدولة، في أكثر الاحيان، من حماية مصالحهم الخاصة، لكنهم يجدون أن استقلاليتهم الذاتية تتوقّف على أسس متزعزعة أحياناً. الطبيعة السلطوية للنظام من المسلّمات – أو أقلّه هي كذلك منذ أكثر من ستّة عقود باستثناء مرحلة العامَين ونصف العام المثيرة للجدل التي أعقبت الانتفاضة في كانون الثاني/يناير 2011. لكن للسلطوية أقنعة كثيرة. أي مؤسسات تُعتبَر مهمة؟ كيف تُصنَع السياسة؟ من هو صاحب الكلمة العليا؟

دولة مُبلقَنة

في ستينيات القرن العشرين، كانت الرئاسة المصرية تتمتع بنفوذ مُطلق، وكان الرئيس وعدد كبير من داعميه الأساسيين يتحدّرون من المؤسسة العسكرية. كان منصب الرئاسة يسيطر على النظام السياسي من خلال إيديولوجيا طنّانة، وجهاز أمني قمعي وثقيل الوطأة، وسيطرة الدولة على المشاريع الاقتصادية الكبرى، وأحادية الحزب السياسي.

أُصيب عدد كبير من تلك الأدوات بالانكفاء والتراجع خلال العقود اللاحقة. فقد خسر الجيش طرْفاً من دوره السياسي، وجرى التخلّي عن معظم المحاولات لتطوير إيديولوجيا رسمية، وحُرِّرت أجزاء من الاقتصاد، وتحوّل الحزب الواحد إلى بنية ضعيفة جمعت شمل كبار داعمي النظام في منظومة تعدّدية في الظاهر. لكن ما كان موجوداً من قبل لم يُهجَر تماماً. ظلّ الجيش يتمتع بحضور طاغٍ في بعض الميادين؛ وحافظت الدولة على سيطرة قوية على الاقتصاد؛ وتم توسيع الخدمات الأمنية.

غير أن تأثير هذا التطوّر على المؤسسات عموماً كان واضحاً للعيان. وبالعودة إلى تحليل نشره براون في العام 2013، كانت الدولة "العريضة" التي نجمت عن هذه التطورات، دولة مُبلقَنة أيضاً تتألف من إقطاعيات داخل جهاز مترامي الأطراف. كان كلٌ من القطاعات الأساسية (التعليم، الشؤون الخارجية، القضاء، إلخ.) يتوقّع أن يتسلّم عضو رفيع المستوى في صفوفه حقيبة وزارية. وبحلول العقد الأول من القرن الحادي والعشرين،

لم تعد الدولة المصرية تخضع إلى الإدارة الشاملة من الرئاسة وصولاً إلى أصغر التفاصيل. بالطبع، كانت الرئاسة لاتزال تشغل موقعاً محورياً، وعندما يبلغ الوضع أشدّ مستويات التأزّم، كانت لديها أساليبها للالتفاف على القوانين أو الإجراءات وفرض إرادتها. لكن نادراً ما كانت الأمور تصل إلى ذروة التأزم، وكانت مؤسسات الدولة الأساسية تتمتع بدرجة واسعة جداً من الاستقلالية الذاتية الداخلية. لقد تولّت الرئاسة إدارة أجهزة الدولة عبر تعيين الأشخاص في المناصب الأساسية (مثل المدعي العام أو رؤساء التحرير في الصحف المملوكة من الدولة)، والاسترضاء بهدف الاستيعاب (زيادة الرواتب، أو التعيينات في مناصب مهمة، أو تقديم منافع أخرى لأشخاص بارزين أو مؤسسات كبرى)، وتعزيز الازدواجية المؤسسية (بوجود مجموعة من المحاكم التي يمكن اللجوء إليها، في حال تبيّن أن إحدى هذه المحاكم غير موثوقة؛ وأجهزة أمنية متداخلة، وما إلى هنالك).

استطاعت هذه الهيئات المتعدّدة تحقيق استقلالية ذاتية مفاجئة في مجالها الخاص، شرط حفاظ المسؤولين عنها على ولائهم للنظام. كان بإمكانها إعداد موازناتها، حتىى إنها كانت تجد في بعض الأحيان مصادرها الخاصة لتوليد الإيرادات، وتأمين المنافع السكنية والطبية لأعضائها، وتوظيف أبناء الأعضاء وبناتهم في مناصب لديها. وتمكّن بعضها من تطوير هويات راسخة تتعلّق بالمؤسسة، فضلاً عن تمسّك شديد بمصالحها. وشهدت هذه الهيئات أحياناً تنافساً مهماً في صفوفها (مع استتباع النظام للمسؤولين عن بعض هذه المؤسسات، وتسبُّب الخصومات بانقسامات بين كبار الموظفين في بعض منها)، ومن حينٍ لآخر قد يبدو وكأنّ مؤسسةً ما تخوض مواجهة قوية مع الرئاسة (كما حصل مع القضاة في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين).

صحيح أن تلك المنظومة بدت مهدّدةً مع انطلاقتها في كانون الثاني/يناير 2011، إلا أن التأثير المباشر للانتفاضة كان معاكساً تماماً بالنسبة إلى عدد كبير من الهيئات: أُطيحت قبضة الرئاسة، ونجحت بعض الهيئات الأساسية في الضغط لإجراء تغييرات قانونية زادت من قدرتها على تعيين أعضائها وقادتها. وقد أُدرِجت بعض هذه التنازلات في دستور 2014، ولاسيما في الأحكام المتعلّقة بالمؤسسة العسكرية والشرطة.

لكن الدستور نفسه شكّل أيضاً قاعدة لتجديد سلطة الرئاسة ومجلس النواب. فالإجراءات القاسية التي تستهدف المعارضة السياسية من مختلف الأطياف أدّت، أقله في الوقت الراهن، إلى إلغاء ضغوط السياسات اليومية التي تمارسها المجموعات والمصالح الواقعة خارج نطاق أجهزة الدولة. غير أن عدداً كبيراً من خطوط السلطة داخل الدولة ملتبس أو متبدِّل.

حين تصبح قراءة الأخبار المملّة مفيدة

وفي هذا السياق تحديداً، يمكن أن تعود قراءة الأخبار المملّة بالفائدة. فتكليف "هيئة سيادية" – على غرار المؤسسة العسكرية، مع أن هذا المصطلح يمكن أن يُشير أيضاً إلى الأجهزة الأمنية – طباعة امتحانات المرحلة الثانوية، مثالٌ عن نزعةٍ يؤدّي الجيش من خلالها دوراً متنامياً (وعلنياً بصورة مطّردة) في الحوكمة المصرية، بوصفه المؤسسة القادرة على تنفيذ الأمور. أما تقرير الأزهر فيندرج في إطار الرد على ما تلجأ إليه الرئاسة من استقواء ومضايقات للإشارة إلى حاجة هذه المؤسسة إلى الشروع في "تجديد الخطاب الديني". يصرّ الأزهر على أنه يبادر إلى القيام بذلك من تلقاء نفسه، وعلى أنه الهيئة الرسمية الي يجب أن يُعهَد إليها بهذه المهمة (في مواجهة وزير الشؤون الدينية الذي يستمر في ترداد الجملة التي وردت على لسان الرئيس لتأكيد دوره). وقد جرى تعيين نجلَي اثنَين من رؤساء المحكمة الدستورية العليا سابقاً في مناصب في المحكمة، فضلاً عن تعيين أبناء قضاة كبار من محاكم أخرى.

تبقى الرئاسة مؤسسة قوية ومركزية في مصر اليوم. إلغاؤها للسياسة واعتمادها على القمع واضحان للعيان. لكنها تبدو أحياناً متردّدة في ممارسة السلطة. إنها تؤدّي، في الإجمال، دوراً غير واضح في السياسات، بوجود عدد قليل من الشخصيات النافذين وفي ظل اعتماد شديد وجليّ على الأشخاص من ذوي الخلفية العسكرية، وغالباً ما تبدو عاجزة حتى عن إعطاء توجيهات عامة. في هذا الصدد، يبدو أن ما يحرّك الرئاسة المصرية هو الذهنية أكثر منه الإيديولوجيا (بحسب التوصيف الذي استخدمه عالِم الاجتماع خوان لينز عن الأنظمة السلطوية في شكل عام).

فيما تعيد الرئاسة المصرية توكيد ذاتها بطريقة متردّدة ومتقلّبة، بدأت أجهزة أخرى في الدولة بفرض نفسها. لكن ما كل هذه الأجهزة تنعم باستقلالها الذاتي. فقد عادت وسائل الإعلام المملوكة للدولة مجدّداً إلى عاداتها القديمة المترسّخة منذ عقود في التملّق والتزلّف إلى النظام، كما بدأ تضييق الخناق على الجمعيات المهنية المنظّمة والمُرخّص بها رسمياً.

في غضون ذلك، يستخدم الأزهر والقضاء الأدوات التي بحوزتهما، لا لإعادة تشكيل النظام، بل للتشديد على استقلالهما الذاتي في مجالاتهما الخاصة وينجحان بذلك، حتى الآن على الأقل. وهذا مايقودنا إلى فصلٍ من الرواية واضح في خطوطه العامة، إلا أن تفاصيله لن تُكشف حتى عند قراءة الأخبار المملّة: إذ يبدو أن الأجهزة الأمنية تحاول كمّ الأصوات المستقلّة في المجتمع والدولة، ولكن من خلال البرلمان، بشكلٍ قانوني إنما بطريقة تفتقر إلى الشفافية.

تملك مصر مروحة واضحة من العمليات التشريعية داخل جهاز الدولة. وعموماً، تشارك في صوغ مسودّات القوانين الوزارات وأجهزة الدولة المعنية، ومجلس الوزراء. ويتولّى مجلس الدولة، وهو هيئة قضائية، مراجعة مشاريع القوانين. ومع أن السلطة التشريعية تعود للبرلمان، إلا أن دوره في طرح المبادرة وصوغ مشاريع القوانين محدودٌ للغاية. فبسبب نقص الموارد، وضعف الأحزاب، ووجود رئيس مجلس نواب قوي تختاره السلطة التنفيذية، وغياب المعارضة الحقيقية، يتبع البرلمان خط النظام.

من هو الناطق باسم النظام؟

لكن من هو الناطق باسم النظام؟ وردت مؤخّراً في حالتين اثنتين مؤشرات قوية إلى أن أجهزة الأمن نشطت للالتفاف على جزءٍ كبير من العملية الرسمية لصوغ مشاريع القانون، وفرض صيغها الخاصة من التعديلات التشريعية، عبر نوّاب مقرّبين منها. وهكذا، بدأ بعض النوّاب فجأة بطرح مشاريع قوانين من دون إشراك مجلس الوزراء وسائر فروع السلطة التنفيذية فيها. في الحالة الأولى، تمحورت المسألة حول المنظمات غير الحكومية، وتعلّقت الحالة الثانية بالدولة نفسها، وتحديداً القضاء.

المثل الأول هو قانون الجمعيات والمؤسسات الأهلية، المعروف شعبياً بقانون المنظمات غير الحكومية. وقد سعى وزير التضامن الاجتماعي منذ فترة طويلة إلى صوغ مشروع قانون يتعلّق بالمنظمات غير الحكومية، يحلّ محلّ القانون الرقم 84 لسنة 2002. وافقت الحكومة على المشروع في 9 أيلول/سبتمبر الفائت، ثم أُحيل إلى مجلس الدولة والبرلمان للمراجعة. استغلّ قطاع الأمن الضجة التي أثارها القانون المُقدَّم من الحكومة، ليصوغ على ما يبدو قانوناً آخر لتنظيم عمل المنظمات غير الحكومية. ثم عهد به إلى النائب عبد الهادي القصبي ليطرحه على البرلمان الذي وافق عليه في إطار عملية نُفِّذت على عجل وكانت أقل علنية من المعتاد. وقد أُقرّت صيغة قطاع الأمن في جولة تصويت نهائية في 29 تشرين الثاني/نوفمبر. لكن، على الرغم من الأنباء الأولية التي تردّدت حول إحالة مشروع القانون هذا إلى رئيس الجمهورية للمصادقة عليه، صرّح القصبي في مقابلة مؤخّراً بأن مشروع القانون لايزال بين يدي البرلمان ولم يُرسل بعد إلى مكتب الرئيس. ولم يتّضح بعد سبب هذا التأجيل غير المألوف في الإجراءات المتّبعة.

بدا هذا المشروع (على رغم أن الجمعيات الحقوقية انتقدت صيغة المنظمات غير الحكومية التي أقرّتها الحكومة)، تقدّمياً للغاية مقارنةً مع صيغة قطاع الأمن. إذ نصّ هذا الأخير الذي أقرّه البرلمان على تشكيل "الجهاز القومي لتنظيم عمل المنظمات الأجنبية غير الحكومية"، وهو عبارة عن هيئة جديدة كليّاً تضمّ ممثّلين عن الحكومة وقطاع الأمن ومسؤولين من أجهزة المخابرات، وهي مخوّلة الإشراف على عمل  المنظمات غير الحكومية الأجنبية، ومراقبة مصادر تمويلها. أما مشروع القانون لذي صاغته الحكومة، فقد نصّ على أن هذا الأمر يدخل ضمن صلاحيات كلٍّ من وزارة التضامن الاجتماعي ولجنة تنسيق يتم تشكيلها بموجب هذا القانون. وفي حين أن صيغة الحكومة تضمّنت بعض القيود على أنشطة المنظمات غير الحكومية، أوردت صيغة قطاع الأمن قيوداً ومحظورات أوسع نطاقاً، إذ أنها تحظّر ممارسة الأنشطة التي يترتّب عليها "الإخلال بالوحدة الوطنية أو الأمن القومي أو النظام العام أو الآداب العامة". وقد استخدمت الدولة هذه العبارات الغامضة في تشريعاتٍ وقواعد تنظيمية أخرى لتضييق الخناق على الأنشطة المتعلّقة بحقوق الإنسان، وغيرها.

كذلك، في حين أن صيغة الحكومة اكتفت بفرض غرامات فقط على انتهاك قانون الجمعيات، أوردت صيغة قطاع الأمن، إلى جانب الغرامات، عقوبةً بالسجن. ولايزال من غير الواضح ما إذا ستتحوّل صيغة قطاع الأمن إلى قانون في نهاية المطاف، لكن قدرة هذا القطاع على تجنّب وزارة التضامن الاجتماعي – التي يُفترض أنها خبيرة في هذه المسألة – وصوغ مشروع قانون يعزّز سلطاته وسلطات الدولة الأمنية عموماً، لا سلطات الوزارة، تُعدّ تطوّراً بارزاً.

بدا من واقعة أحدث أن مصر تشهد على الأرجح صراعاً غير مألوف على السلطة بين قطاع الأمن والبرلمان من جهة، والقضاء من جهة أخرى. ففي 24 كانون الأول/ديسمبر، أوردت وسائل الإعلام المصرية أن لجنة برلمانية ستناقش مشروع القانون الذي تقدّم به النائب أحمد حلمي الشريف، والذي يُحدّد كيفية تعيين رؤساء الهيئات القضائية. ويمنح القانون دوراً أكبر لرئيس الجمهورية، ما يحدّ من استقلالية القضاة. تنصّ التعديلات المُقترحة على أن يعيّن رئيس الجمهورية رؤساء هيئة النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة ومحكمة النقض ومجلس الدولة، من بين ثلاثة من كبار القضاة الذين يرشّحهم قادة كلٍّ من الهيئات المعنية.

وقال الشريف إن الهيئات القضائية المعنية ستُستشار حول مشروع القانون قبل البتّ به، مُشدّداً على أن القانون لن يمسّ استقلالية القضاء. مع ذلك، نوقشت المسودة الأولية للقانون وصيغ المشروع من دون مشاركة القضاء، على الرغم من مقاومته السريعة له.

لكن السلطة القضائية، كونها طرفاً معنياً أقوى وأكثر جرأة من وزارة التضامن الاجتماعي، ستخوض المعركة على الأرجح بزخمٍ أكبر بكثير. وقد ذُكر في 25 كانون الأول/ديسمبر الفائت أن لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية في مجلس النواب قرّرت إرجاء مناقشة مشروع القانون إلى حين أخذ رأي الهيئات القضائية المختلفة في الاعتبار. منذ عام أيضاً، قاوم القضاء بنجاح تغييرات أخرى، في أعقاب تصريح أدلى به رئيس الجمهورية مطالباً باتّخاذ تدابير أقسى وضمن مهلة أسرع للبتّ بقضايا الإرهاب. ومع صدور عدد من الأحكام القضائية التي تؤرّق مضاجع النظام، وأبرزها الحكم المتعلّق بالتنازل عن جزيرتَي تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية، يُمكن النظر إلى مشروع القانون على أنه رسالة تحذيرية مفادها أن اليد التي ستمتدّ نحو النظام ستُقطع.

لايزال عبد الفتاح السيسي، بعد ثلاث سنوات من إعلانه إطاحة محمد مرسي، الشخصية المهيمنة على المشهد السياسي المصري. بيد أن طبيعة النظام السلطوي الذي يتربّع على عرشه لاتزال تخبّئ في طياتها هياكل قيادية ومراكز قرار يكتنفها الغموض. ويبدو أن ما يتمحّص عن ذلك هو دولة يحكمها رئيس الجمهورية، والجيش، والأجهزة الأمنية، وأن هؤلاء الأفرقاء نسجوا في ما بينهم علاقات خلف الكواليس. لكن نتائج أفعالهم ومعالم النظام الذي يبنون واضحة كعين الشمس لمن يتكبّد عناء قراءة الأخبار المملّة.