بدا وكأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يفي بأحد وعوده الانتخابية، حين ظهرت في 25 كانون الثاني/يناير 2017 مسودة أمر تنفيذي منه حول الهجرة، ما أثار احتمال حدوث تحرّك أميركي لإقامة مناطق آمنة للنازحين السوريين. ولاحقا، أكد ترامب هذا الأمر في اليوم نفسه في مقابلة مُتلفزة، حين قال: "سأُقيم حتماً مناطق آمنة للناس في سورية ". ردود الفعل على هذا التصريح كانت متباينة. فقد رحّب أعضاء المعارضة السورية بحذر بأي شيء من شأنه خفض وتائر سفك الدماء في البلاد، فيما حذّر الناطق باسم الكرملين في موسكو من أن هذا الاقتراح "قد يُفاقم أكثر أوضاع اللاجئين".

بيد أن سرعان ما تبدّدت طفرة الإثارة بعد أن أسقطت الصيغة النهائية من الأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب رسمياً في 27 كانون الثاني/يناير أي ذكر للمناطق الآمنة. ومع ذلك، عاد الرئيس الأميركي إلى هذا الموضوع بعدها بيومين خلال محادثات هاتفية مع الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان، طلب خلالها (وفقاً لبيان رسمي من البيت الأبيض) دعمهما للمناطق الآمنة  في سورية (واليمن).

كل هذه المعطيات تفرض السؤال: ما نوايا ترامب الحقيقية؟ والأهم: من سيُدير ويُشرف على المناطق الآمنة في حال أقامتها؟

المناطق الآمنة: دلالات ورموز

تنطوي المسودة الأولية من الأمر التنفيذي على بعض الإجابات، أبرزها اقتراح "توفير مناطق آمنة في سورية والمنطقة المحيطة بها. وهذا يشي بوجود نيّة لإعادة تسمية الأشياء، بحيث يُطلق على كلٍ من مواقع تمركز اللاجئين في بلدان مثل الأردن ولبنان، وعلى عملية استيعاب اللاجئين في دول الخليج، اسم "مناطق آمنة". وهذا أمر مناسب ومريح لترامب، لأنه قد يزيح عن كاهل الولايات المتحدة أعباء التمويل، ويطرح جانباً في الوقت نفسه الحاجة إلى عمل عسكري لحماية اللاجئين داخل سورية.

علاوة على ذلك، حتى لو تم استبقاء المسودة الأصلية للأمر التنفيذي، فهي لاتفعل شيئاً في الواقع سوى توجيه وزيري الدفاع والخارجية لـ"وضع خطة". والحال أن الخطط الطارئة والاحتمالية لا تُلزم الإدارة الأميركية بأي خطوات عملية، ولاهي تجعل مثل هذه الخطوات مُرجّحة. ثم أن وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) سبق لها أن باشرت بالفعل التخطيط للتدخل في سورية في وقت مبكر من شباط/فبراير 2012، سواء لحماية اللاجئين ومنع حدوث فراغ أمني، أو لإزالة الأسلحة الكيميائية، كما أنها أعربت عن عميق قلقها من المخاطر التي يتضمنها ذلك. وقد شاطرتها إدارة أوباما هذه المخاوف، وبالتالي لم تشق أي خطوة عملية  طريقها نحو التنفيذ.

أنصار التدخل الأميركي في سورية، كانوا يركّزون عموماً على إمكانية استخدام أنظمة أسلحة طويلة المدى أو بعيدة، على غرار  صواريخ كروز المُوجّهة بدقة، أو طائرات تحلّق على ارتفاع شاهق، لفرض منطقة آمنة أو منطقة حظر جوي في سورية. لكن المعارضين كانوا يردّون بالتشديد على المخاطر التي قد تشكّلها الدفاعات الجوية السورية للطيارين والطائرات الأميركية، لا بل هم طرحوا ما هو أسوأ: احتمال نشوب حريق عالمي كبير قد ينجم عن مواجهات مباشرة مع الطائرات الروسية.

لكن، في حين أن النقاشات ركّزت على حماية المناطق الآمنة من هجمات نظام الرئيس بشار الأسد، إلا أنها لاذت بالصمت العميق حيال تحدٍ أكبر، هو كيفية التعاطي مع مجموعات المعارضة المسلحة في الأراضي المُخصّصة للمناطق الآمنة. فبعض هذه المجموعات قد يوافق على وقف القتال ونشاطات عسكرية أخرى كالتدريب، وإعادة التزوُّد بالعدة والعتاد، وبناء التحصينات. بيد أن مجموعات أخرى لن تكون مُذعنة على هذا النحو، وحينها سيتعيّن على الولايات المتحدة، أو أي دولة أخرى مُتدخلة، ليس حماية المناطق الآمنة من هجمات النظام وحسب، بل أيضاً إدارتها من الداخل. إضافة إلى ذلك، ستحتاج المناطق الآمنة إلى توفير الحماية من تنظيم الدولة الإسلامية، الذي قد يُطِلُ عليها على أنها أهداف  سهلة توفّر الفرص لإنزال الخسائر البشرية بالولايات المتحدة وعناصر أجنبية أخرى.

اختبار وشيك في إدلب

لكل هذه الأسباب، لم ترَ المناطق الآمنة المحمية أميركياً النور في سورية. والأكثر إثارة الآن هو متابعة ماقد يجري في محافظة إدلب، التي تُعتبر المعقل الرئيس لجبهة فتح الشام (سابقاً جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة)، والتي تتضمّن أيضاً أكبر تمركز للمقاتلين المُجّربين ومخازن الأسلحة والذخائر التي تعود لباقي فصائل المعارضة المسلّحة. وكما هو معروف، جرى استبعاد جبهة فتح الشام من اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم بواسطة تركية وروسية الشهر الماضي. وبالتالي، استمرار وجود الجبهة في إدلب يسمح لروسيا ونظام الأسد- وكذلك للولايات المتحدة- بشن الهجمات الجوية على المحافظة، مايعرِّض إلى الخطر واحداً آخر من معاقل المعارضة في البلاد.

هنا بالتحديد تكمن الحاجة الملحّة إلى "الإدارة والإشراف". وهنا أيضاً تبدو تركيا مُقتنعة بإن استئصال جبهة فتح الشام خطوة ضرورية للحفاظ على كلٍ من وقف إطلاق النار الذي ساعدت على استيلاده مع روسيا، والعملية السياسية التي أُطلقت بشكل مشترك في محادثات الآستانة في 23 كانون الثاني/يناير. وقد عزّز الناطق باسم الخارجية التركية حسين موفتو أوغلو هذا التفسير، حين حذّر في 26 كانون الثاني/يناير بأن "هذا البلد (تركيا) لن يسمح لهؤلاء الذين يُطلق عليهم المفسدون والمخربون".. بالقاء أي ظلال على الجهود التي تُبذل حاليا".

في هذه الأثناء، كانت المعارضة السورية تُعد أنصارها لمجابهات حاسمة، عبر اتهام جبهة فتح الشام بشن حرب إلغاء ضد منافسيها. وحين أدركت هذه الأخيرة أبعاد هذا التوجه، عمدت إلى شن هجمات استباقية  على العديد من الفصائل المدعومة تركياً في 23 كانون الثاني/يناير، وشكّلت إطاراً جديداً مع أربع فصائل أخرى أُطلق عليه اسم "هيئة تحرير الشام" في 28 كانون الثاني/يناير. وفي المقلب الآخر، اندمج العديد من الفصائل الصغيرة بحركة أحرار الشام القوية التي باتت أقرب إلى تركيا، غداة انشقاق العديد من قادتها المُتشددين ورجال دين جهاديين مستقلين التحقوا جميعاً بجبهة فتح الشام في غضون الأيام القليلة الماضية.

ربما يكون بالمستطاع تجنُّب اندلاع مجابهة شاملة، لكن إذا ما وقعت المجابهة، وإذا ماخرجت منها المعارضة المدعومة تركياً ظافرة، فسيكون بإمكانها المجادلة بأن وقف إطلاق النار الراهن طُبِّق بحذافيره في إدلب. قد لايخلق ذلك منطقة آمنة كلاسيكية، لكنه سيمكّن تركيا من المطالبة بوقف كل الغارات الجوية وبالتدفق غير المقيّد للمساعدات الإنسانية إلى تلك المحافظة.