عرض الكاتب والصحافي البريطاني ستيفن بولارد، في مقال نُشِر مؤخراً في مجلة "ذي سبكتايتور" (The Spectator) بعنوان "كيف يمكن أن تدمّر الجزائر الاتحاد الأوروبي"، سيناريواً اعتبر فيه أن "الجزائر سوف تنفجر على الأرجح من الداخل" عندما توافي المنية الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة.

تابع بولارد: "الإسلاميون الذين كُبِح لجامهم بواسطة قبضة [بوتفليقة] الحديدية سوف يستغلّون الفراغ. ثم قد تجتاج أوروبا مجدّداً موجة كبرى من اللاجئين القادمين من شمال أفريقيا". وزعم أن نحو "10 إلى 15 مليون" جزائري، بحسب التقديرات، سيحاولون مغادرة البلاد، مضيفاً: "نظراً إلى التاريخ الجزائري، يُتوقَّع أن تهبّ دولة واحدة لنجدتهم: فرنسا".

الأرقام التي عرضها بولارد غريبة. فخلال الحرب الأهلية الجزائرية في تسعينيات القرن العشرين، غادر نحو 790 ألف جزائري إلى فرنسا. لذلك، فإن الافتراض بأن هذا الرقم سيرتفع، في حال اندلاع نزاع في المستقبل، بمعدّل 10 أضعاف إلى 15 ضعفاً، يشكّل قفزة غير مدعومة بالبراهين.

بعد بضعة أيام على صدور مقال بولارد في مجلة "ذي سبكتايتور"، نشرت الصحيفة البلجيكية "لا ليبر بلجيك" (La Libre Belgique) مقالاً مماثلاً يوحي بالنهايات، بعنوان "بعد حلب، الجزائر؟" وفيه اعتبر الكاتب بيار دوفريني، وهو المدير التنفيذي لمركز مادارياغا التابع لكلية أوروبا، أن وفاة بوتفليقة المريض ستؤدّي إلى نشوب نزاع بين الإسلاميين والجيش. قال: "خطر الانفجار والحرب الأهلية جدّي للغاية لسوء الحظ. هل باستطاعة أوروبا منعه؟ إذا لم تنجح في ذلك، سيعاني المغرب العربي من زعزعة عنيفة للاستقرار، وستصبح مشكلة اللاجئين أكثر حدة بكثير بسبب أعدادهم، فضلاً عن عاملَي القرب الجغرافي واللغة. لن يصمد [اتفاق] الشنغن، ولا وحدة الاتحاد الأوروبي".

لفتني المقالان، ولاسيما أنه لديّ عددٌ لا بأس به من الكتابات عن بوتفليقة، بما في ذلك تقييم لسنواته السبع عشرة في الحكم. الجزائر بلدٌ شديد التعقيد، ومن الصعب توقّع مسار الأحداث، لا بل في معظم الأحيان، يتبيّن أن هذه التوقعات مخطئة.

ينطبق هذا بشكل خاص على من توقّع سقوط الدولة الجزائرية في تسعينيات القرن العشرين، عندما تفشّت المجموعات الجهادية في البلاد بعد أن أقدم الجيش على إيقاف العملية الانتخابية في العام 1991، وأصبح العنف القدر اليومي لملايين الجزائريين. كما ينطبق أيضاً على من توقّع أن تصبح الجزائر البلد الثاني بعد تونس الذي يخضع لإرادة التظاهرات الشعبية في 2010-2011.

صحيح أن هناك التباساً يحيط بمسألة خلافة بوتفليقة، إلا أنه ليس من السهل، على ضوء التاريخ الجزائري، الافتراض بوجود رابط بين وفاته وبين حالة عدم الاستقرار التي يُزعَم أنها ستسود في أعقابها. فعندما توفي الرئيس هواري بومدين في العام 1978، طرحت مسألة خلافته إشكالية بسبب الخصومة الشديدة بين بوتفليقة الذي كان آنذاك وزيراً للخارجية، وبين محمد صلاح يحياوي الذي كان أمين عام جبهة التحرير الوطني الحاكمة آنذاك. وقد أمكن تجنّب النزاع عندما تدخّل فصيل من الجيش بقيادة قاصدي مرباح ومصطفى بلوصيف ورشيد بن يلس. إذ قام هؤلاء بإقصاء بوتفليقة ويحياوي، معطّلين قدرتهما على تهديد النظام، وسلّموا مقاليد السلطة إلى الشاذلي بن جديد، الذي اعتُبر شخصية أكثر توافقية.

لاتزال السلطة في الجزائر في عهدة الجيش في شكل أساسي، على الرغم من الإصلاحات التي جعلت الرئاسة أقوى من السابق. لذا من غير المرجح أن تشكّل مسألة خلافة بوتفليقة خطراً على استقرار البلاد. وبالفعل، حتى لو كانت هناك تشنّجات بين فصيل في الجيش والمؤسسة السياسية، يبقى الجيش الوطني الشعبي المؤسسة الأقوى في البلاد، ولاعباً بارزاً في المشهد السياسي الجزائري. إذ لطالما فرض الجيش سلطته على البلاد إنما من دون أن يحكمها، وسيستمر الوضع على هذا المنوال.

على الرغم من الصراع الداخلي في صفوف المؤسسة العسكرية، يدرك الجيش كيف يتصرف بتماسك دفاعاً عن مصالحه وعن الاستقرار الجزائري. فعلى سبيل المثال، عندما قرّر بوتفليقة الترشّح لولاية رئاسية رابعة في العام 2014، انتقد الجنرال محمد مدين، الذي كان آنذاك رئيس دائرة الاستعلام والأمن النافذة، تلك الخطوة. لكن على الرغم من ردود الأفعال هذه، وخوفاً من التداعيات التي يمكن أن تترتب في حال اندلاع فتنة داخلية على خلفية هذه المسألة، دعم الجيش الرئيس وأُعيد انتخابه لولاية جديدة، وتقاعد مدين في العام التالي.

ماذا عن الإسلاميين الجزائريين الذين يعتقد الكاتبان المذكوران أنهم سيكونون رأس الحربة في النزاع مع الجيش؟ منذ فترة وجيزة، أدرك معظمهم أنه يتعذر إنشاء دولة إسلامية في الجزائر. وقد تخلّى عدد كبير من الإسلاميين "المعتدلين"، مثل حركة مجتمع السلم، عن هذا المشروع على أساس أن الجزائر هي أصلاً بلد إسلامي.

علاوةً على ذلك، اختار معظم الإسلاميين منذ العام 1995 المشاركة في الحياة السياسية، ونأؤوا بأنفسهم عن عنف التيارات المتطرّفة. كما أنه ليس هناك حزب إسلامي في الجزائر قادر اليوم على حشد ملايين الجزائريين كما فعلت الجبهة الإسلامية للإنقاذ في تسعينيات القرن الماضي، عندما فازت في الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية التي استدعت تدخلاً عسكرياً. لقد أدّت الخلافات الشخصية والإيديولوجية، فضلاً عن غياب أي إجماع حول برنامج سياسي، إلى تجريد الأحزاب الإسلامية من مصداقيتها. وتجلّى ذلك في شكل خاص من خلال انهيار قواعدها الناخبة. فعلى سبيل المثال، في الانتخابات التشريعية التي أُجريت في العام 2012، فاز الإسلاميون بـ48 مقعداً فقط من أصل 462، ولم يحصلوا في الانتخابات المحلية التي أُجريت في وقت لاحق من ذلك العام، على أكثرية مطلقة سوى في عشر بلديات فقط من أصل 1541 بلدية. كانت تلك أسوأ نتائج حقّقوها على الإطلاق منذ ظهور منظومة التعددية الحزبية في الجزائر. وهكذا فإن تراجع الأحزاب الإسلامية في الجزائر واقعٌ أكيد.

أما في ما يتعلق بالوضع الاقتصادي في البلاد، فلا ريب في أن التململ العام يتعاظم على ضوء ما آلت إليه الأمور. بيد أن الجزائريين لا يتطلعون إلى تحسين وضعهم عن طريق العنف. إذ لاتزال ذكرى الحرب الأهلية الجزائرية في التسعينيات، وما رافقها من فظائع ومجازر أسفرت عن مقتل نحو 150 ألف شخص، حيةً في الأذهان. لقد وصف عدد كبير من الجزائريين الذين تحدثت معهم في كانون الأول/ديسمبر 2016، الأوضاع في سورية وليبيا بأنها أسوأ كابوس يعيشونه.

حتى لو اندلعت أعمال عنف ولم تكن الدولة في موقع يخوّلها شراء السلم الاجتماعي عبر دفع الأموال لمجموعات المصالح الأساسية (كما فعلت سابقاً بفضل ما تتمتع به الجزائر من ثروة في قطاعَي النفط والغاز)، قد تلجأ القوات المسلحة إلى اتخاذ إجراءات قمعية. لذلك، سيقف كل من يحاول زعزعة استقرار البلاد في مواجهة جيش قوي وحديث ومتمرّس يتمتع بخبرة واسعة في مكافحة الإرهاب، ويؤدّي منذ الاستقلال دور الحارس المتفاني للسلطة الجزائرية وللوضع القائم في البلاد.

لكل هذه الأسباب مجتمعة، لن تؤدّي وفاة بوتفليقة على الأرجح إلى انهيار الدولة الجزائرية، على الرغم من المشكّكين. فسيحرص الجيش، من خلال قدرته على التصرف بتماسك وفرض الاستقرار، على إبعاد شبح العنف. كما أن ملايين الجزائريين الذين وقفوا صفّاً واحداً في رفض الضراوة الشديدة التي طبعت "العشرية السوداء" في التسعينيات، سوف يتمسّكون بموقفهم هذا. يجب أخذ هذه الحقائق في الاعتبار قبل افتراض الأسوأ.