ينظر المواطنون العرب في أصقاع الشرق الاوسط بعين حمراء الى القرار التنفيذي للرئيس دونالد ترامب في 27 كانون الثاني – يناير، الذي يقّيد الهجرة من 7 دول شرق اوسطية ويوقف استقبال كل اللاجئين السوريين. بيد أن ضوضاء غضبهم كان على طرفي نقيض مع صمت كل القادة العرب تقريباً ووقوفهم موقف المتفرج، لا بل تأييدهم في بعض الاحيان للحظر.

بدأ العمل فوراً بقرار الهجرة، فقيّد حركة مواطني سبع دول عربية: ايران والعراق وليبيا والصومال والسودان وسوريا واليمن. استثنى القرار مواطني حلفاء عرب بارزين مثل الاردن والمملكة العربية السعودية ومصر والامارات العربية المتحدة، ودول مفضّلة مثل المغرب وتونس، على رغم كثرة أعداد الجهاديين المتحدرين من مثل هذه الدول الذين يقاتلون في نزاعات خارجية. وقد شابَ التضارب والفوضى تنفيذ القرار، وعمّت الخشية حَمَلة الجنسيات الاخرى من استهدافهم مستقبلا. كما شمل القرار  بعض حَمَلة الاقامة الاميركية الدائمة (غرين كارد)، ومواطنين عرب من أصحاب جنسيات اخرى.

 بادر معلقون الى التحذير من مضاعفات الحظر، ومنها تقويض رغبة أي كان  في التعاون مع الولايات المتحدة ، وتعزيز كفة المتطرفين. وأعرب عراقيون عن حنقهم  من منعهم من دخول الولايات المتحدة، بعد أن عانوا الأمرّين من الاجتياح والاحتلال، وبعد أن حارب كثر منهم جنباً الى جنب مع القوات الاميركية. ويُلقي السوريون على الولايات المتحدة مسؤولية عدم التدخل لحمايتهم في حربهم على نظام بشار الاسد، وهالهم الحظر الشامل على الفارين من العنف والوحشية. لا أحد،  خارج بلاطات القصور الملكية، انتابه الشك، ولو للحظة،  بأن ترامب لم يعلن الحرب على الاسلام.

لاريب  أن الانقسامات السياسية المحلية خففت من حدة الرد على الحظر. ففي مصر، رحَّب كثير من مناوئي الاسلاميين والمتعاطفين مع النظام بتقارير تفيد بأن ترامب قد يُصنِّف "الاخوان المسلمين" منظمة ارهابية. ثم أن منع الايرانيين الشيعة من دخول الاراضي الاميركية أثلج قلوب أصوات سنّية مذهبية. لكن عسف القرار التنفيذي حمل حتى من يتلذذ بمصائب الآخرين ويجد فيها فوائد، على التأني والتردد. فمسؤولو ادارة ترامب توقّعوا على شاشات التلفزيون ان يُوسَّع الحظر ليشمل دولاً أخرى على غرار المملكة العربية السعودية. ومع ذيوع تقارير عن ترحيل اشخاص من دول لم يشملها الحظر، مثل الاردن، ليس في مقدور عموم العرب أو المسلمين، طبعاً في ما خلا قلة منهم، ان يكونوا على يقين من أن الحظر لن يشملهم أو يؤثّر عليهم تأثيراً مباشراً. وعليه، جاء صمت معظم القادة العرب ازاء القرار بمثابة صدمة حادة. فقد دار اتصال هاتفي بين ترامب في 29 كانون الثاني/يناير والملك السعودي سلمان وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، حول ايران وسوريا و"الاخوان المسلمين" ولم تشر البيانات الاعلامية الاميركية والعربية إلى أن المناقشات تناولت الحظر على المهاجرين. كما زار ملك الاردن عبدالله واشنطن في خضم حمأة الغضب، لكن مرافعته اقتصرت على معارضة مساعي نقل السفارة الاميركية في اسرائيل الى القدس. علاوة على ذلك، رفض رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، التزام قرار برلماني للرد (على القرار الاميركي) بالمثل عبر حظر دخول الأميركيين (الاراضي العراقية)، وذهب قادة إماراتيون وخبراء موالون للنظام السعودي الى أبعد من ذلك، فدافعوا عن قرار ترامب التنفيذي ووصفوه بأنه مناسب وفي محله ونفوا أنه "حظر على المسلمين".

;صمت القادة العرب كان  وجهاً من وجوه الواقعية السياسية الكلاسيكية. إذ أن كل القادة العرب تقريباً يحتفون بترامب وبتباين سياساته، على الأقل حتى الآن ، عن سياسات باراك اوباما. كما يتشاطرون معه  معاداة إيران، والانشغال بخطر الاسلاميين- على رغم أن تعريف الخطر هذا فضفاض وغير محدد-، وإدارة الظهر للديموقراطية وحقوق الانسان. لكنهم شأن الملك عبدالله، يقلقون من مواقف ترامب المنحازة انحيازاً صارخاً وبائناً الى اسرائيل، ويخشون ان تُحرجهم مواقفه هذه. بيد أنهم  لايبادرون الى ما قد يُعكِّر صفو تعاونهم معه ضد أعداء مشتركين. والحال أن الانظمة العربية ستصطدم حتماً تقريباً مع ترامب حول كل شيء من سورية وايران الى العلاقات الفلسطينية – الاسرائيلية، لكنها لاترى أن مسألة الهجرة  تستحق النزاع حولها أو الوقوف عندها.

;يعيدنا موقف الانظمة العربية هذا الى ما كانت عليه الامور قبل عقد من الزمن، حين كان القادة العرب يميلون الى الاستخفاف بما تستسيغه شعوبهم، ويصرفون النظر عنه. وعلى سبيل المثال، لم يمانع الرئيس المصري السابق حسني مبارك في تعزيز الحصار على غزة، وحافظ على علاقات قوية مع اسرائيل، على خلاف ما يتمنى شطر واسع من المصريين. ويستمتع معظم القادة العرب باستخدام وسائل الاعلام المُوجّهة التي تمسك بمقاليدها الدولة في تأجيج الغضب ضد الاميركيين، ثم يتذرُّعون أمام واشنطن بحاجتهم إلى ترسيخ حكمهم الاوتوقراطي الصارم.

;لقد كسرت الانتفاضات العربية لبرهة  وجيزة طوق هذه المقاربة غير الشعبية للسياسة الخارجية، بعد أن اضطرت الانظمة الخائفة الى احتساب كلفة التحديات الشعبية المحتملة. والعودة الآن الى تجاهل الغضب الشعبي ضد ترامب هو دليل يعتد به الى حسبان قادة عرب كثر أن خطر الثورات الشعبية طُويت صفحته، وأن في وسعهم العودة الى ما عهدوه قبل الانتفاضات. ولذا، ليس من قبيل الصدفة أن تكون أوجه الشبه كبيرة اليوم بين النظام الاقليمي وبين نظيره في العام 2000 وما بعده ، حين تعاون معظم الانظمة العربية مع ادارة بوش في مكافحة الارهاب وجَبهِ ايران، على رغم الاستياء الشعبي من الحرب على الارهاب، واحتلال العراق، والدعم الاميركي لاسرائيل.

;غير أن السياسة الخارجية لما قبل الانتفاضات العربية، لم تكن من غير أكلاف. فالتظاهرات ضد الحرب على العراق وتلك المؤيدة للانتفاضة الفلسطينية، أرست أسس حركات الاحتجاج المحلية التي تطوّرت في العقد الاول من القرن الجاري الى تحديات محلية. وساهم ازدراء المواطنين  لعجزَ المسؤولين العرب في تفاقم الطعن في شرعية شطر راجح من الانظمة العربية.

;قد لايُشعل الغضب من قرار ترامب وحده لهيب انتفاضات جديدة، لكن العودة الى السياسة الخارجية العربية التقليدية ستساهم في تعاظم الغضب الشعبي. فشعور الانظمة العربية بأنها بلغت شط الأمان هو، الى حد بعيد، من بنات الوهم، والأرجح أنه سيتبدد بفعل الاستياء الاقتصادي والسياسي المتراكم وضعف عوائد القمع. الانظمة المُستبدة الجديدة متأهبة وتنقض من غير رحمة على المعارضة وتقمع بقوة كل بوادر الاحتجاج. ويبدو أن  ترامب يعوِّل على قدرة هذه الانظمة على الامساك بمقاليد شعوبها والسيطرة عليها، لكن هذا سيفاقم المشكلة وحسب.

;ثمة جانب من قرار الحظر يتعيّن التوقف عنده. فالغضب من خطوة  ترامب أشعله أكثر تسليط الضوء، ولوبشكل خافت، على الاحتجاجات المعارضة في المطارات التي وُصفت بأنها وجه أميركا الخيِّر، أو أفضل وجوه أميركا وهي تتصدى للبيت الابيض العدواني وتُقدِّم صورة نقيضة له. وعلى أي حال، لم يتأخر مؤيدو النظام في تكرار نظريات المؤامرة المألوفة لدى دوائر الاميركيين المحافظين، من قبيل التساؤل عما إذا كان "الاخوان المسلمون" هم من نظّم احتجاجات المطارات. بيد أن حجم تظاهرات المطارات وتنوُّع المشاركين فيها وتعاطفهم (مع الذين يستهدفهم الحظر)، والتطوُّع لتقديم دعم قانوني للمهاجرين المهددين وتصاعُد التعليقات الناقدة (للقرار)، ساهم في إبراز الآراء الأكثر ايجابية في أميركا منذ وقت طويل.

ويحمل هذا، ولو لوحده، بصيص أمل.