سليم يعقوب أستاذ في مادّة التاريخ في جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا. يركّز على السياسة الأميركية حيال الشرق الأوسط. وُلد في العام 1963 من أم أميركية وأب فلسطيني، وانتقل في العام 1966 مع أسرته إلى لبنان حيث تولّى والداه التدريس في الجامعة الأميركية في بيروت. عاد إلى الولايات المتحدة في العام 1981، ويعيش هناك منذ ذلك الوقت. نال دكتوراه في التاريخ الأميركي من جامعة ييل في العام 1999، ودرّس لسنوات عدة في جامعة شيكاغو قبل أن ينضم إلى الهيئة التعليمية في جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا في العام 2005. صدر كتابه الأول "احتواء القومية العربية: عقيدة أيزنهاور والشرق الأوسط" (Containing Arab Nationalism: The Eisenhower Doctrine and the Middle East) في العام 2004؛ وكتابه الثاني "ليسوا غرباء تماماً: الأميركيون والعرب والعلاقات الأميركية-الشرق أوسطية في سبعينيات القرن العشرين" (Imperfect Strangers: Americans, Arabs, and U.S.–Middle East Relations in the 1970s) في أيلول/سبتمبر 2016.

مايكل يونغ: وضعتم للتو كتاباً بعنوان "ليسوا غرباء تماماً: الأميركيون والعرب والعلاقات الأميركية- الشرق أوسطية في سبعينيات القرن العشرين". لماذا اخترتم التركيز على تلك المرحلة بالذات؟

سليم يعقوب: تطرّقت في كتابي الأول إلى العلاقات الأميركية- العربية خلال أواخر خمسينيات القرن العشرين. أردت أن أواصل دراسة تلك العلاقات إنما مع التركيز على حقبة أتذكّرها شخصياً. (أنا من مواليد العام 1963، إذاً تزامنت السبعينيات مع سنوات طفولتي ومراهقتي). فضلاً عن ذلك، عندما بدأت العمل على المشروع في مطلع القرن الحادي والعشرين، كانت الحكومتان الأميركية والبريطانية قد باشرتا الكشف عن عدد كبير من الوثائق التي كانت تُصنَّف في خانة السرّية، ما منح الباحثين نظرة صريحة ومفصّلة أكثر عن آلية صنع السياسات الرسمية بالمقارنة مع الفترة السابقة. كما توافر في ذلك الوقت عددٌ من مجموعات المخطوطات العربية- الأميركية. بدت اللحظة مؤاتية للحديث عن تلك الحقبة.

بصورة أعم، حظيت مرحلة السبعينيات مؤخراً بقدر كبير من اهتمام المؤرخين. في البداية، أُسقِط هذا العقد من الاعتبار انطلاقاً من النظرة إليه بأنه مجرد فترة فاصلة مملّة ولا شكل مميّز لها بين الاضطرابات الشديدة في الستينيات وعودة المحافظين في الثمانينيات. لكن مؤخراً، بدأ المؤرّخون المنتمون إلى مختلف أوجه التجربة البشرية– الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والدولية– يقدّرون التحوّل الكبير الذي أحدثه ذلك العقد، ويدركون أنه يُخبرنا الكثير عن عالم اليوم. كلما تمعّنت أكثر في مرحلة السبعينيات، أصبحت أشدّ اقتناعاً بأن هذه الملاحظات العامة تنطبق أيضاً على العلاقات الأميركية- العربية. وهكذا فكّرت في الانضمام إلى "مدرسة السبعينيات الناشئة" ولفت انتباه زملائي وطلابي– ودائرة أوسع من القرّاء كما آمل– إلى التغييرات اللافتة في اللقاء الأميركي- العربي الذي حدث قبل أربعة عقود.

يونغ: تستهلّون الكتاب بوصفٍ مثير للاهتمام عن المرحلة التي أعقبت اغتيال روبرت كينيدي على يد الفلسطيني سرحان سرحان. لماذا اخترتم أن تبدأوا الكتاب بهذه الطريقة؟

يعقوب: أردت أن أستهلّ الكتاب بحدث معروف جدّاً، وأن أدعو القرّاء إلى النظر إليه بطريقة مختلفة– وأقدّم إليهم، من خلال ذلك، بعض المواضيع الأساسية المضمّنة في الكتاب. كان اغتيال روبرت كينيدي وتداعياته الفورية محطة "حبلى بالمضامين والمعاني" بالنسبة إلى العلاقات الأميركية- العربية. ففي تلك المرحلة، شهد التدخل الأميركي في الشؤون الجيوسياسية للشرق الأوسط صعوداً سريعاً، بيد أن الأكثرية الساحقة من الأميركيين، بما في ذلك قادة الرأي واسعو الاطلاع، لم يتمعّنوا فعلاً في ذلك الواقع أو يفكّروا في مضاعفاته المحتملة في ذلك الوقت. علاوةً على ذلك، لاحظت أن عدداً من الفاعلين التاريخيين الذين أتحدّث عنهم في كتابي شاركوا في النقاشات العامة في العامَين 1968-1969 حول معنى اغتيال كينيدي. وفكّرت في أنها طريقة مناسبة وفاعلة لتقديمهم للقراء [في مستهل الكتاب].

يونغ: نشأتم في بيروت خلال السبعينيات. ما أهمية ذلك في القرار الذي اتخذتموه بوضع هذا الكتاب؟

يعقوب: لخلفيتي البيروتية علاقة على الأرجح بقراري السابق دراسة العلاقات الأميركية- العربية أكثر منه بالقرار الذي اتخذته لاحقاً بتأليف هذا الكتاب. عشت في بيروت من العام 1966 حتى العام 1981– منذ سن الثالثة حتى الثمانية عشرة تقريباً. إذن كنت في لبنان في المراحل الأولى من الحرب الأهلية. وشهدت أيضاً بعض تداعيات النزاع العربي-الإسرائيلي، مثل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في ضواحي بيروت، وخرق جدار الصوت بواسطة الطائرات الإسرائيلية التي تحلّق في الأجواء اللبنانية، والتظاهرات العامة نصرةً للقضايا الفلسطينية، وما إلى هنالك. لا يمكنني القول إنني كنت على اطلاع على السياسات الشرق أوسطية خلال الفترة التي أمضيتها في لبنان (في الواقع، فعلت كل ما بوسعي لتجنّبها)، إلا أن تلك التجارب تركت أثراً دائماً في نفسي. بعد أعوام، عندما قرّرت متابعة الدراسات العليا في التاريخ الأميركي، وجدت نفسي أتحوّل، بصورة شبه حتمية، نحو موضوع التدخل الأميركي في العالم العربي.

غير أن تجربتي في بيروت أثّرت، بطريقة ثانوية، في القرار الذي اتخذته بالتركيز على مرحلة السبعينيات في شكل خاص. فوجودي في بيروت سمح لي بتكوين لمحة عن الأحداث التي شهدها لبنان، وأكسبني فهماً للسياسات العروبية في تلك الحقبة. ربما كانت لديّ اهتمامات أخرى في مرحلة الشباب، لكن حتى أنا لم أستطع أن أتغاضى تماماً عن أحداث ومحطات معينة، مثل وفاة جمال عبد الناصر في العام 1970، أو الحرب العربية- الإسرائيلية في تشرين الأول/أكتوبر 1973، أو اتفاقية كامب ديفيد في العام 1978. في تلك المرحلة، كنت أزور أيضاً كاليفورنيا من حينٍ لآخر، حيث يتجذّر الجانب الأميركي من أسرتي، والتي هاجر إليها عدد كبير من أنسبائي الفلسطينيين. وقد أعطتني تلك الزيارات انطباعاً عن أصداء المسائل الشرق أوسطية في الولايات المتحدة، سواء في أوساط الأميركيين "العاديين" أو الأميركيين من أصل عربي. لم أدرك الأمر في ذلك الوقت، لكن في مرحلة السبعينيات، بدأ العالم العربي يكتسب اهتماماً غير مسبوق في الولايات المتحدة، ولاسيما أن التطورات الهائلة التي شهدتها المنطقة العربية، مثل الحظر على النفط العربي، وما نجم عنه من زيادات في أسعار النفط الشرق-أوسطي، بدأت تؤثّر في حياة الأميركيين اليومية.

يونغ: يتقدّم كتابكم على مسارات متوازية. فحتى فيما تناقشون التطورات في الشرق الأوسط في السبعينيات، تستعرضون أيضاً التطورات التي شهدتها الجالية الأميركية من أصل عربي، وهذا الأمر لم يفعله سوى قلّة من الكتّاب. ماذا كانت الخلاصات العامة التي توصّلتم إليها؟

يعقوب: في مرحلة السبعينيات، أصبح الحراك العربي-الأميركي قائماً في حد ذاته. الجزء الأكبر من ذلك الحراك حفّزته الحرب العربية- الإسرائيلية في حزيران/يونيو 1967، ثم حصل على جرعة زخم إضافية من خلال حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973. في العقود السابقة، كانت لدى الأميركيين من أصل عربي نزعةٌ إلى التماهي أكثر مع أوطانهم الأم (لبنان وسورية في شكل خاص)، وإلى إبداء بعض التحفظ في التعبير علناً عن آرائهم حول الشؤون الجيوسياسية في الشرق الأوسط. بعد العام 1967، اكتسبوا توجّهاً عروبياً أكثر، وباتوا يوجّهون عموماً انتقادات حادّة للسياسات الأميركية حيال الشرق الأوسط، ولاسيما في ما يتعلق بالنزاع العربي- الإسرائيلي. وعلى الرغم من أن الأميركيين-العرب لم يحققوا أي نجاح عملياً في تغيير هذه السياسات، إلا أنهم تمكّنوا من ممارسة تأثير خفي في الثقافة السياسية الأوسع في الولايات المتحدة. فبفعل الجهود التي بذلوها، من جملة أمور أخرى، أصبحت وسائل الإعلام الأميركية أكثر احتراماً إلى حد ما للآراء العربية، وتمكّن الأميركيون من أصل عربي من حجز أماكن لهم في المجالات الأكاديمية وقطاع الأعمال ومراكز الأبحاث والدراسات وسواها من المؤسسات الأساسية.

يونغ: كان وزير الخارجية الأميركي آنذاك هنري كيسنجر من بين الأشخاص الذين مارسوا تأثيراً كبيراً في المسائل المتعلقة بالشرق الأوسط في تلك الحقبة. تبدو آراؤكم عنه متفاوتة. كيف ساهم كيسنجر في التوصل إلى تسوية إقليمية، وما الذي شكّل فرصة ضائعة في استراتيجيته التفاوضية؟

يعقوب: خلال الأبحاث التي أجريتها لوضع هذا الكتاب، أُعجبتُ بألمعية كيسنجر وسعة معرفته وفصاحته وحس الدعابة لديه. وكذلك تعاطفت كثيراً مع قصته الشخصية. هذا اللاجئ اليهودي الهارب من الرايخ الثالث عاد جندياً أميركياً إلى ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية، وشارك شخصياً في تحرير معسكرات الموت النازية. وقد كان لهذه التجربة الأليمة أثرٌ عميق في مقاربته للدبلوماسية العربية- الإسرائيلية. وفي حين أنني أعترض بشدّة على عدد كبير من قرارات كيسنجر في هذا المجال، أحترم صدق مشاعره في القلق على مصير أبناء قومه اليهود.

لكن في نقطة أساسية، وكما أشرت آنفاً، كان تأثير كيسنجر على الدبلوماسية العربية-الإسرائيلية مدمِّراً إلى حد كبير. لقد رفض رفضاً قاطعاً العودة إلى حدود ما قبل حزيران/يونيو 1967، وأرسى إطار عمل دبلوماسياً صُمِّم صراحةً لتعزيز الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية. كان الهدف الأساسي من "الدبلوماسية المكّوكية" التي انتهجها بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 سحب مصر من المواجهة مع إسرائيل ودفعها نحو حوار منفصل معها. تحققت عملية السلام الثنائية هذه في اتفاقات كامب ديفيد العام 1978، التي اعترفت مصر بموجبها بإسرائيل وأبرمت سلاماً معها مقابل الانسحاب الإسرائيلي من شبه جزيرة سيناء. وهكذا بعد سحب النفوذ المصري من المعادلة العربية-الإسرائيلية، وجد الأفرقاء العرب الآخرون صعوبة بالغة في ممارسة ضغوط عسكرية فعالة على إسرائيل، التي تمكّنت بالتالي من إحكام قبضتها على ما تبقّى من الأراضي المحتلة. هذه هي بالضبط الحصيلة التي سعى كيسنجر إلى تحقيقها. فإذا كانت دبلوماسيته قد مثّلت فرصة ضائعة، ليس هو من أهدر الفرصة بل أولئك الذين حبّذوا حصيلة مختلفة.

يونغ: كانت السبعينيات مرحلة حافلة بالمفارقات بالنسبة إلى الفلسطينيين على أصعدة كثيرة. في ما يتعلق بالدعاية، بلغت حركة المقاومة الفلسطينية أوجها في تلك الحقبة، لكن إخفاقاتها أصبحت أيضاً أشدّ وضوحاً للعيان، ولاسيما بسبب النزاعات في الأردن ولبنان. هل توافقون على هذا الرأي أم لا، ولماذا؟

يعقوب: أوافق على هذا الرأي، لكنني أضعه أيضاً في إطار أوسع. في السبعينيات، شهدنا صعود نوع من الحراك الفلسطيني ثم أفوله، وبعدها بروز حراكٍ جديد. في مطلع العقد، شنّ مقاتلون فلسطينيون أعمال عنف واسعة أسرت مخيّلة الجماهير العربية، وحظيت باحترام تيارات "حركات التحرير" في أماكن أخرى في العالم، وأرغمت الحكومات الغربية على أن تأخذ علماً بالمطالب الوطنية الفلسطينية.

لكن سرعان ما ظهرت محدوديات هذه المقاربة إلى العلن، ليس فقط من خلال الانتكاسات العسكرية في الأردن ولبنان، إنما أيضاً على ضوء الإدراك الأوسع بأن العنف وحده لا يستطيع تغيير الوقائع الراسخة على الأرض. وهكذا، اعتباراً من العام 1974، بدأت القيادة في "منظمة التحرير الفلسطينية" تميل نحو القبول بتسوية دبلوماسية تاريخية: دويلة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة تتواجد جنباً إلى جنب مع إسرائيل. على الرغم من أن منظمة التحرير الفلسطينية ككل لم تتبنَّ رسمياً هذا الموقف قبل أواخر الثمانينيات، إلا أن ياسر عرفات وقادة أساسيون آخرون أبدوا تأييدهم له في مجالسهم الخاصة منذ العام 1977. وقد تزامن هذا التطور في المواقف الفلسطينية مع صعود إجماع دولي في مطلع الثمانينيات يؤيّد ما يُطلق عليه راهناً تسمية "حل الدولتَين"، وساهم جزئياً في بروز هذا الإجماع.

يونغ: آخر الرؤساء الأميركيين في السبعينيات كان جيمي كارتر. يتذكّرونه بطريقة سلبية هذه الأيام، غير أن تدخّله كان حيوياً لتوقيع اتفاقية كامب ديفيد في العام 1978. مارأيكم بهذه الشخصية؟

يعقوب: كان كارتر أول رئيس أميركي يدرك محورية المسألة الفلسطينية، ويسعى إلى معالجتها بطريقة جدّية ومتواصلة. خلال عامه الأول في الرئاسة، أي العام 1977، حاول عقد مؤتمر دولي في جنيف لمعالجة النزاع العربي-الإسرائيلي بمختلف جوانبه، بما في ذلك الشق الفلسطيني. أُثني على هذا المجهود الذي بذله كارتر، والذي دفع ثمنه باهظاً على المستوى السياسي. لكن في أواخر العام 1977، ولأسباب أناقشها في كتابي، أُرغِم كارتر على وضع خططه متعددة الأطراف جانباً والعمل بدلاً من ذلك على تعزيز عملية السلام الثنائية بين مصر وإسرائيل، والتي أدّت إلى توقيع اتفاقية كامب ديفيد في العام 1978. على الرغم من أن اتفاقية كامب ديفيد كانت (ولازالت) موضع ترحيب حار في الولايات المتحدة، أعتبر شخصياً أنها عطّلت السعي إلى تسوية أوسع نطاقاً لاتزال، بالطبع، تفلت من أيدينا. أوافق بالتأكيد على أن تدخّل كارتر كان أساسياً لتحقيق اختراق من خلال اتفاقية كامب ديفيد، لكنني أشكّك في القيمة النهائية لذلك الاختراق.

أصبح كارتر، بعد مغادرة سدّة الرئاسة، أكثر صراحة في التعبير عن الحاجة إلى معالجة المسألة الفلسطينية، لكنها قصة مختلفة خارج نطاق البحث الذي أتطرق إليه في كتابي.

يونغ: شكّلت السبعينيات بداية الانخراط الأميركي الكبير في الشرق الأوسط. اليوم، نشعر وكأن هناك سأماً شديداً من المنطقة في الولايات المتحدة. هل يعني ذلك أن الديناميكيات التي أُطلِقت خلال العقد موضوع الكتاب لم تصل في نهاية المطاف سوى إلى حائط مسدود ولم تؤدِّ سوى إلى الإحباط؟

يعقوب: لا أحبّذ الجزم بمثل هذه العبارات القاطعة، لكنّي أخشى أن هذا التوصيف ينطوي على قدر كبير من الحقيقة. ثمة إرث أكثر إيجابية تركته لنا السبعينيات، وسوف أتطرق إليه بعد قليل، لكن الشق الأساسي من الموضوع غير مشجّع إلى حد كبير.

بحسب نظرتي إلى الأمور، انطبعت العلاقات الأميركية-العربية بأربع حقائق مشؤومة منذ مطلع الثمانينيات. الحقيقة الأولى هي أنه على الرغم من النجاح الذي حققته الولايات المتحدة في كامب ديفيد – وبسبب هذا النجاح إلى حد كبير – كانت آفاق التوصل إلى تسوية للنزاع العربي- الإسرائيلي الأوسع ضئيلة. الحقيقة الثانية هي أن الاضطرابات في منطقة الخليج دفعت بواشنطن إلى الشروع في الإعداد لحضور عسكري أكثر نشاطاً هناك. الواقع الثالث هو أن أسعار النفط في الشرق الأوسط كانت مرتفعة بطريقة غير مستدامة، وسرعان ما سجّلت هبوطاً حادّاً ومزعزِعاً للاستقرار. أما الواقع الرابع فهو أن التشدّد الإسلامي كان قد بدأ يكتسب زخماً في أجزاء ذات حيوية استراتيجية في الشرق الأوسط. لقد ولّدت كل هذه الظروف مُجتمعةً عالماً عربياً يزداد شقاقاً، ويرزح تحت وطأة الإجهاد الاقتصادي، كما أنه معرّض إلى التطرّف السياسي، ويعاني من الهشاشة في مواجهة العمليات العسكرية الإسرائيلية. ولم ينقضِ وقت طويل حتى بدأت واشنطن بنشر قواتها لإخماد الاضطرابات في المنطقة، أو على الأقل لمنعها من تهديد المصالح الأميركية المتصوَّرة. وقد ولّد هذا التدخل مزيداً من الاضطرابات، ما استجلب تدخلاً إضافياً. وهكذا استمرت الحلقة المحبِطة للمعنويات، حتى يومنا هذا.

الإرث الأكثر إيجابية الذي تركته السبعينيات هو أن الحكومة الأميركية بدأت، في عهد الرئيس كارتر، الإقرار بضرورة إشراك الفلسطينيين في المفاوضات العربية- الإسرائيلية. الطريقة التي تجلّى بها هذا الأمر في الدبلوماسية الأميركية لاحقاً هي مسألة مختلفة تماماً (تنبيه: نادراً ما سارت الأمور على ما يرام)، غير أن الإقرار بالبعد الفلسطيني شكّل بالتأكيد تطوراً بالمقارنة مع المقاربات الأميركية السابقة.

يونغ: هل لازالت أميركا ضرورية ولا غنى عنها لإحلال السلام في الشرق الأوسط؟

يعقوب: إذا كنا نتكلم عن المسألة الفلسطينية- الإسرائيلية، فجوابي هو نعم، الولايات المتحدة ضرورية ولا غنى عنها، لسبب بسيط ألا وهو أنها وحدها تملك القدرة على تحفيز إسرائيل على تنفيذ عمليات الانسحاب التي تتوقّف عليها عملية السلام. السؤال المطروح بالطبع هو إلى أي حد تبدي الولايات المتحدة استعداداً لممارسة تأثيرها الخاص.

تقليدياً، مارست الولايات المتحدة تأثيرها في حالات نادرة جدّاً، وتُظهر كل المؤشرات أنها قريباً ستتوقف تماماً عن ممارسة هذا التأثير. لا يسعنا سوى أن نأمل بأن تكون هذه المؤشرات مخطئة.

يونغ: قبل وقت قصير من رحيل إدارة أوباما، تصادمت مع إسرائيل على خلفية امتناع الولايات المتحدة عن التصويت في مجلس الأمن على قرار يدين المستوطنات الإسرائيلية. إذا أردتم ربط هذه المسألة بالخطوط العريضة للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط في السبعينيات، ماذا تقولون في هذا الصدد؟

يعقوب: يصعب إقامة مثل هذا النوع من الروابط، ما عدا من منظار عام جدّاً، لكن إليكم رأيي بالموضوع. يعكس استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية فشل المجتمع الدولي– ولاسيما الولايات المتحدة التي مارست نفوذاً وتأثيراً خاصَّين في هذا المجال– في معالجة المسألة خلال الأعوام السابقة. لأسبابٍ أستعرضها في كتابي، شكّل النصف الثاني من السبعينيات مرحلة مؤاتية بطريقة غير معتادة من أجل السعي إلى تسوية شاملة للخلاف العربي- الإسرائيلي، لكن في نهاية المطاف، لم تتبلور هذه التسوية. بالطبع، أُهدِرت فرص كثيرة في العقود اللاحقة، لذلك لا يمكن تحميل مرحلة السبعينيات مسؤولية كل ما حدث. لكن الإخفاقات خلال ذلك العقد هي التي وضعتنا على الطريق الذي أفضى بنا إلى المأزق الراهن.

بالطبع، هناك أوجه تطابق محدّدة أكثر بين السياسات التي طبّقتها الولايات المتحدة في السبعينيات وتلك التي تنتهجها الآن. ففي ذلك الوقت، كما في المرحلة الراهنة، عارضت الولايات المتحدة رسمياً المستوطنات الإسرائيلية، على الرغم من أن المخاطر السياسية المترتبة عن تطبيق مثل هذه السياسة كانت مفهومة جيداً أيضاً في تلك الحقبة. من الأفكار الأخرى التي بدأ المسؤولون الأميركيون يروّجون لها في السبعينيات أنه ينبغي على إسرائيل التفاوض مع الفلسطينيين، وليس مع الأردنيين فقط، حول مصير الضفة الغربية. لكن مجدداً، ثمة فارقٌ بين تبنّي سياسة ما في المبدأ وتطبيقها على أرض الواقع لتحقيق نتائج مجدية.

يونغ: انتهت السبعينيات بواقعٍ جديد تماماً، ولاسيما ظهور نظام ثوري مناهض للولايات المتحدة في إيران. اليوم، بعد نحو أربعة عقود، تعمل إيران على توسيع نفوذها الإقليمي، وقد قبِلت إدارة أوباما على ما يبدو بشرعية الطموحات الإيرانية في المنطقة (بحسب الانطباع الذي ولّده أوباما في مقابلته المطوّلة مع جيفري غولدبرغ). بناءً عليه، ماذا تستخلصون بشأن التغيير الذي شهدته الولايات المتحدة منذ السبعينيات؟

يعقوب: لا أعتقد أن للعلاقات الأميركية- الإيرانية الراهنة صلة كبيرة بالأحداث التي أتطرق إليها في كتابي. لو أردت أن أستنتج رابطاً ما، لقلت إنه "رد فعل على رد فعل". بالمعنى الواسع جدّاً، جاءت التدخلات العسكرية الأميركية المتكررة في منطقة الخليج منذ أواخر الثمانينيات ردّاً على زعزعة الاستقرار التي شهدتها تلك المنطقة منذ أواخر السبعينيات. أما تردّد أوباما في خوض مواجهة مع إيران فيعكس بدوره السأم والإحباط اللذين يشعر بهما عدد كبير من الأميركيين بسبب هذه التدخلات. هذا أكثر ما يمكنني قوله لشرح سياسات أوباما في التعاطي مع الشأن الإيراني انطلاقاً من مضمون كتابي. فالتفسير الحقيقي نجده في الماضي القريب.

يونغ: هل مازلتم تأتون إلى المنطقة في إطار الأبحاث التي تجرونها؟ وهل من فكرة عن موضوع كتابكم المقبل؟

يعقوب: لم أزر العالم العربي منذ العام 1998، لكن ربما سيُصحَّح هذا التقصير قريباً. لم أحسم قراري بعد بشأن موضوع كتابي المقبل، إنما قد يكون عن التفاعلات الأميركية مع لبنان وأسلوب التعاطي الأميركي مع الملف اللبناني خلال الثمانينيات – في تلك المرحلة التي أصبح فيها لبنان ذا أهمية بالنسبة إلى الأميركيين (على مستويات عدة في الحكم والمجتمع) بطرق غير مسبوقة ولم تتكرر منذ ذلك الوقت. ترقّبوه!