برنارد هيكل أستاذ في مادة دراسات الشرق الأدنى في جامعة برنستون، ومدير معهد الدراسات عبر الإقليمية للشرق الأوسط المعاصر وشمال أفريقيا وآسيا الوسطى. هيكل حائز على دكتوراه في الدراسات الشرقية من جامعة أكسفورد في العام 1998. يقول عن مزاولته التدريس وعن بحوثه بأنهما يقعان عند تقاطع التاريخ الفكري والسياسي والاجتماعي للشرق الأوسط، مع تركيز خاص على بلدان شبه الجزيرة العربية. في أواخر كانون الأول/ديسمبر 2016، أجرت "ديوان" مقابلة مع هيكل حول السعودية والشرق الأوسط في شكل عام.

مايكل يونغ: تواجه السعودية راهناً صعوبات نظراً إلى التدنّي النسبي في أسعار النفط، وقد أطلقت خطة اقتصادية بعنوان "رؤية 2030"، من أجل خفض الإنفاق ووضع تصوّر جديد وفعال للاقتصاد بعيداً من الاعتماد على النفط. هل تعتقدون أن هذه الخطة لها حظ من النجاح، ولاسيما أنها تثير على ما يبدو بعض الاستياء في المجتمع السعودي؟

برنارد هيكل:  أعتقد عموماً أن الدول الريعية مثل السعودية – أو نيجيريا أو الجزائر أو فنزويلا أو إيران أو العراق – تواجه صعوبة بالغة في تنويع اقتصاداتها بعيداً من النفط، وبناء قطاع خاص خارج النفط. في البلدان الريعية، تصبح الدولة المحرّك الاقتصادي المسيطر في المجتمع. ما يريده السعوديون – على رأسهم الشخص المسؤول عن رؤية الإصلاح الاقتصادي، ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان – هو تنويع اقتصادهم. يدرك الأمير محمد أن الاقتصاد في شكله الحالي غير قابل للاستدامة، إذ أن نحو ثلثَي السكّان العاملين هم موظّفون في القطاع العام، ويحظى النفط والماء والكهرباء بدعم حكومي كبير، وتسدّد الحكومة تكاليف الصحة والتعليم. ولن يكون هذا الاقتصاد مستداماً في المدى الطويل حتى لو ارتفعت أسعار النفط مجدّداً ووصلت إلى مئة دولار للبرميل. إذن، يريد الأمير محمد تغيير هذا الواقع عبر سلسلة خطوات أبرزها إلغاء الدعم الحكومي، وخصخصة القدر الأكبر من الأصول العامة للمملكة، بما في ذلك حصة في شركة النفط الوطنية "أرامكو". ويدور الحديث أيضاً حول فرض ضرائب، ليس على الدخل، بل أشكال أخرى من الضرائب مثل الضريبة على القيمة المضافة، وضريبة "الإثم" على المشروبات الغازية ومشروبات الطاقة والتبغ. لقد جرى للتو الإعلان عن موازنة جديدة، وقد منحت السعوديين بعض المتنفّس قبل أن يُصدموا بجدار نفاد الاحتياطيات المالية. إذا لم يُغيّروا المسار، فسيرتطمون بذلك الجدار، وسيكون الأمر موجعاً. عبر إطلاق هذه الإصلاحات وتنفيذها بطريقة تدريجية، أظن أنهم يكسبون الوقت.

سيظهر استياء، وربما أيضاً مقاومة للسياسات الإصلاحية الجديدة. لكن لا بد من الإدراك بأن السعوديين يرون الفوضى تعمّ راهناً مختلف أرجاء الشرق الأوسط، بدءاً من العراق ومروراً بسورية واليمن ووصولاً إلى أجزاء من مصر. أظن أنهم يدركون أنه حتى لو كانت الأمور سيئة بالنسبة إليهم على الصعيد الاقتصادي، وحتى لو كانوا يخسرون عدداً من المنافع والامتيازات التي تؤمّنها لهم الدولة، لا بديل فعلياً عما هو متاح لهم. لذلك أعتقد أن بإمكان الحكومة أن تضغط وتفرض على السكان القبول بالواقع نظراً إلى الفوضى والحروب السائدة راهناً من في مختلف أنحاء الشرق الأوسط.

يونغ: هل من خطر بأن يولّد الاستياء ردود فعل تفضي إلى التطرف؟

هيكل: الإسلاميون في السعودية، الذين ينظرون إلى الإسلام بأنه إيديولوجيا سياسية، هم على الأرجح المجموعة الأكثر تنظيماً في المجتمع. أعتقد أن بإمكانهم التعبئة واستخدام التململ الاقتصادي وسيلةً لمعارضة النظام. إلى أي درجة يمكن أن ينجحوا في ذلك؟ لست واثقاً. في الواقع، لا أعتقد أن الإسلاميين يمكن أن يطرحوا تحدّياً جدّياً للحكومة. أقول هذا لأن علينا أن نتذكّر أن السعودية مرّت في مرحلة اضطُرَّت خلالها إلى التعامل مع تيار معارض ظهر في صفوف الإخوان المسلمين في تسعينيات القرن الماضي – وعُرِف آنذاك بالصحوة. ومع أن أسعار النفط كانت متدنّية جدّاً آنذاك، تمكّنت الحكومة من التغلّب على الصحوة. ثم في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ظهرت معارضة بقيادة تنظيم القاعدة، وقد كانت عنيفة إلى حدٍّ كبير، ومع ذلك نجحت الحكومة في الحاق الهزيمة بها والقضاء على الوجود العسكري المنظّم للقاعدة في المملكة. انطلاقاً من هذه التجارب، أعتقد أن الشعب بات محصّناً ضد اعتماد التشدّد الإسلامي كمسارٍ لحلّ مشكلات المملكة الاقتصادية والسياسية. كما أن الحكومة ماهرة للغاية في استخدام الدين والفقهاء الدينيين لفرض سطوتها وسيطرتها على المجتمع السعودي.

يونغ: "رؤية 2030" مرتبطة إلى حد كبير بمصير محمد بن سلمان تحديداً. ما هي مكانته داخل الأسرة المالكة؟ إنه ولي ولي العهد، مايعني أنه ليس فعلياً الشخص الذي سيخلف الملك سلمان في الحكم، ومع ذلك مُنِح هذا النفوذ الهائل.

هيكل: يجب ألا ننسى أنه نظام ملكي مُطلق الصلاحيات. إنها رغبة العاهل السعودي في أن يتولى الأمير محمد إدارة المجهود الإصلاحي، ولن يقف أحد في الأسرة المالكة في وجهه في هذه المسألة. ليس من طبيعة سياسة الأسرة المالكة الاعتراض على قرارات الملك إذا كانت رغبته واضحة. ورغبته شديدة الوضوح في هذه المسألة.

سيأخذ الأمير محمد على عاتقه تنفيذ هذا المشروع لأن هذه رغبة الملك. عندما توافي المنيّة العاهل السعودي، حتى لو لم يتسلّم الأمير محمد سدة العرش، أعتقد أن ولي العهد، الأمير محمد بن نايف، سيواصل المسار الاقتصادي نفسه. القوى التي تدفع بالنظام والحكومة نحو إصلاح الاقتصاد أشبه بقوانين الفيزياء. لا يهم مَن يتسلّم زمام السلطة، فالإصلاح يجب أن يحدث كي يتمكّن الاقتصاد من الصمود والاستمرار بعد عصر النفط. وستتراجع أهمية النفط، كسلعة ومصدر للإيرادات، بصورة مطّردة، لأن باقي العالم يحاول أن يفطم نفسه عنه. وأظن أن الأسرة المالكة السعودية بمختلف مستوياتها تعي هذا الواقع تماماً.

يونغ: من سيكون الملك المقبل في السعودية؟

هيكل: إذا وافت المنية الملك اليوم، يتسلّم الأمير محمد بن نايف سدّة العرش. لكن باتت لديهم منظومة تتيح للملك – في حال عاش لخمس إلى عشر سنوات إضافية، وهو ملكٌ مطلق الصلاحيات – تغيير تراتبية التوريث في الحكم. في تلك الحالة، قد يصبح الأمير محمد بن سلمان الملك الجديد، أو شخص آخر. ليس بالضرورة أن يكون الأمير محمد بن سلمان. إننا أمام منظومة حيث الملك هو فعلياً صاحب الكلمة الفصل في هذه المسائل.

يونغ: من المشاريع الأخرى المرتبطة باسم محمد بن سلمان الحرب في اليمن. لقد أدّى دوراً أساسياً في التدخل السعودي في ذلك النزاع الذي لاتسير فيه الأمور على ما يرام. كيف ترتبط المسألة اليمنية بموضوع توريث الحكم؟

هيكل: بحسب مصادر الحكومة السعودية، وكذلك مصادر حكومية أخرى في مجلس التعاون الخليجي، بما في ذلك مصادر قطرية، لم تستطع السعودية تقبُّل ما حدث في اليمن. كانت إيران تعمل في شكل أساسي على بناء قوة بالاشتراك مع الحوثيين شبيهة بحزب الله في لبنان. وكانت تسعى إلى استخدام الحوثيين كوسيلة للضغط على الحكومة السعودية عبر دفعهم إلى نشر صواريخ عند الحدود؛ والهدف الرئيس من ذلك هو تكرار نموذج حزب الله في مواجهة إسرائيل، إنما عند الحدود الجنوبية للسعودية.

لن يقبل السعوديون ذلك. فبالنسبة إليهم، اليمن هو تقليدياً بمثابة فنائهم الخلفي أو منطقة نفوذهم، ولن يسمحوا لإيران بخلق لاعب عسكري ميليشيوي، مسلّح بالصواريخ والقذائف، يُهدّد مدنهم الجنوبية أو مناطق أخرى في عمق المملكة. هذا هو الواقع الذي اصطدم به الأمير محمد بن سلمان في العام 2015 عندما تسلّم والده سدّة العرش. الحرب في اليمن هي إلى حد كبير شراكة بينه وبين الشيخ محمد بن زايد، ولي عهد أبو ظبي. هناك تحالفٌ من القوات السعودية والإماراتية. لكنهم أدركوا أيضاً أن اليمن يشبه أفغانستان إلى حد كبير: فهو مجتمع قبَلي لا يمكنك إرسال جنود إليه بسهولة لأنك ستتعرض على الأرجح إلى الهزيمة أو تتكبّد خسائر فادحة في الأرواح. يعرفون أن اليمن كان مقبرة الأمبراطورية العثمانية، وبالطبع، مقبرة جمال عبد الناصر والمصريين في ستينيات القرن العشرين – كان بمثابة فيتنام بالنسبة إلى عبد الناصر. لذا لن يكرّروا تلك التجربة. لقد اعتقدوا أيضاً أن بإمكان سلاح الجو، عند استخدامه بالاسلوب الإسرائيلي أو الأميركي أي لإحداث "الصدمة والرعب"، أن يحسم المسألة عبر إلحاق هزيمة سريعة بالحوثيين وحلفائهم. لكنهم باتوا يدركون الآن أن ذلك غير ممكن.

من وجهة نظر السعودية، ما من حلول سهلة للمسألة اليمنية. السعوديون يظنّون أن تقديم المال إلى القبائل قد يساهم في تسوية الأمور. لكنهم لم يتمكّنوا حتى الآن من ممارسة لعبة "فرّق تسد"، عبر شراء مختلف القبائل بالمال، وبالتالي دفْع الحوثيين نحو الانفصال عن إيران. أشعر، لسوء الحظ، بأن الحرب ستتوالى فصولاً، وسيواصل السعوديون سياسة فرض حصار على البلاد واستخدام سلاح الجو إلى أن يستسلم الحوثيون أو إيران، وهذا يبدو مستبعداً في القريب العاجل. الوضع مريع ومأسوي، ولاسيما بالنسبة إلى اليمنيين العالقين في مرمى النيران. يمكن أن نتخيّل أن بالإمكان التوصل إلى صفقة كبرى مع الإيرانيين، ليس الآن إنما لاحقاً، بعد أن تكون كل واحدة من هاتين القوتين الإقليميتين قد أضعفت الأخرى بما فيه الكفاية. قد يقول الإيرانيون: "حسناً، اليمن مقابل سورية، أو اليمن مقابل لبنان"، أو أمراً من هذا القبيل. لا أعتقد أن هذا مطروح الآن، لكنني أتخيّله جزءاً من صفقة في مرحلة لاحقة.

يونغ: نعلم أن علاقات السعودية مع إدارة أوباما كانت سيئة. كيف تنظر السعودية إلى إدارة دونالد ترامب الجديدة؟

هيكل: أشعر بأن السعوديين متفائلون، لأن عدداً من الشخصيات الأساسية المحيطة بترامب مناهضٌ جدّاً لإيران، مثل وزير الدفاع جيمس ماتيس، ومستشار الأمن القومي مايكل فلين. ويعلمون أيضاً أن صهر ترامب، جارد كوشنر، مناهض لإيران إلى حد كبير. وهذا يمنحهم ذلك شعوراً بالارتياح نوعاً ما.

أما في ما يتعلق بترامب نفسه، فالسعوديون لم يحسموا أمرهم شأنهم في ذلك شأن الكثيرين، لأن هناك تناقضاً شديداً بين موقفه المؤيّد لفلاديمير بوتين وبشار الأسد في سورية، وبين آرائه المناهضة لإيران. يريدون أن يتبدّد هذا التناقض لصالح بقائه مناهضاً لإيران. لايزال الموقف السعودي من سياسة إدارة ترامب في الشرق الأوسط يعتمد مقاربة "لننتظر ونرَ"، وأعتقد أنه موقف الكثيرين، سواء في المنطقة أو خارجها. نحن لسنا واثقين من المنحى الذي سيسلكه ترامب في نهاية المطاف في التعاطي مع شؤون الشرق الأوسط. يبدو واضحاً أنه سيبقى موالياً بقوة لإسرائيل، وحتى داعماً للأحزاب اليمينية الإسرائيلية. لكن في ما يتعلق بالسعودية وإيران وسورية وبوتين، ليست الصورة واضحة تماماً.

يونغ: أليس هناك تناقض في موقف السعوديين؟ أصبحوا أقرب إلى إسرائيل بسبب خصومتهم مع إيران. واليوم يجدون أنفسهم على الموجة نفسها مع حكومة يمينية جدّاً في إسرائيل، مع العلم بأنهم لطالما وقفوا ضد اليمين المتطرف الإسرائيلي. كيف يمكن أن تُسوّى مسألة العلاقة مع إسرائيل؟

هيكل: أعتقد أن السعوديين لن يصبحوا أبداً أقرب إلى إسرائيل، أو قريبين جدّاً منها إلى درجة التخلّي عن الفلسطينيين. أظن أن مسألة فلسطين والحقوق الفلسطينية تبقى محورية بالنسبة إليهم، ولاسيما أن الشعب السعودي مهتمّ بهذه القضية ولا يمكنه التخلّي عنها. أعتقد أنه في ما يتعلق بإسرائيل، سوف يدرسون أين يمكن التنسيق معها ومع الولايات المتحدة ضد إيران، إنما ليس على حساب الفلسطينيين. وتحقيق ذلك ليس بالأمر السهل. إنه توازن دقيق جدّاً.

يونغ: في المقابلة الشهيرة التي أجراها جيفري غولدبرغ من مجلة "ذي أتلانتيك" مع أوباما، كان لهذا الأخير كلام لافت قال فيه إن على السعودية أن "تتشاطر" الشرق الأوسط مع إيران. يأتي هذا الكلام بعد عقود بذلت فيها الولايات المتحدة جهوداً دؤوبة لاحتواء إيران. ما مدى عمق التغيُّر في الموقف السعودي من أميركا بسبب إدارة أوباما؟

هيكل: أظن أن السعوديين يعتبرون أن أوباما شكّل حالة استثنائية على مستوى السياسة الخارجية الأميركية. فهو لا يجسّد، في نظرهم، معيار العلاقات الأميركية مع السعودية. كانت لديه طموحات شخصية بالانفتاح على إيران كما انفتح ريتشارد نيكسون على الصين. أظن أن السعوديين خاب أملهم كثيراً من أوباما، كما خاب ظن [رئيس الوزراء الإسرائيلي] بنيامين نتنياهو منه. شعروا بأنه أظهر درجة من الغطرسة في التعاطي مع المنطقة. كما أنه لم يتحلَّ بالشجاعة الأخلاقية في الملف السوري، وسمح بأن تتوالى الحرب فصولاً في البلاد. أظن أنهم يأملون بأن يكون أوباما مجرد مرحلة عابرة، وبأن الولايات المتحدة ستستأنف دعمها القوي لحلفائها التقليديين في الشرق الأوسط.

في نظري، تعامَل أوباما مع السعودية انطلاقاً من الكثير من المعتقدات الشخصية التي تكوّنت لديه. وربما كانت لهذه المعتقدات علاقة بكينيا، مسقط رأس والده. لقد اعتبر أوباما أن القبلية هي تخلّفٌ، وليست ميزةً من مزايا المجتمع الحديث. رأى في السعودية مجتمعاً قبلياً، من دون مؤسسات حديثة، ولم يكن لديه أي تعاطف مع هذا النوع من الهيكليات. على النقيض، يرى في إيران بلداً يملك مؤسسات، ومعسكراً متشدّداً وآخر معتدلاً، وبالتالي يشبه أكثر التركيبة السياسية الغربية، بالطبع باستثناء أن نظامه ثيوقراطي مطلق الصلاحيات، وهو أمرٌ بذلت إدارة أوباما جهوداً دؤوبة لتجاهله. وكانت لديه أيضاً تجربة شخصية من خلال نشأته في أندونيسيا حيث شاهد مع مرور الوقت أن المجتمع الأندونيسي أصبح محافظاً دينياً إلى حد كبير، وعزا هذا التغيير إلى أنشطة البعثات السعودية. أعتقد أن هذا التقييم القائم على اعتبار السعودية المسؤولة الوحيدة عن إحياء الإسلام والأصولية الإسلامية في العالم هو خطـأ وتحليل تبسيطي للغاية من جانب الرئيس السابق.

يردّ السعوديون على أوباما بالقول: "لم نستخدم النفط قط سلاحاً ضدكم، إلا في العام 1973، وقد تعلّمنا الدرس ولم نُعد الكرة من جديد. نحن فاعلون اقتصاديون نتمتع بحس المسؤولية في ما يختص بإنتاج النفط. نريد الهيمنة الأميركية في المنطقة، ونرحّب بها. كنّا شركاءكم بالكامل في الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفياتي والاشتراكيين. كنّا أصدقاء جيّدين لكم، فلماذا تخونوننا؟" وأعتقد أن بادرة الخيانة الأولى كانت عندما رأوا أوباما يتخلّى سريعاً جدّاً عن الرئيس المصري حسني مبارك في العام 2011. إذاً لم يشعروا قط بالارتياح حيال أوباما، وأعتقد أنهم اعتبروه غير وفيّ ومتغطرساً في الوقت نفسه، إلى درجةٍ خُيِّل إليه أنه يستطيع إعادة رسم قواعد السياسة الشرق أوسطية، على حساب المصالح الأميركية، وليس المصالح السعودية فقط.

أظن أيضاً أن مَن يقف خلف أوباما هو روبرت مالي، الذي كان يعمل سابقاً في مجموعة الأزمات الدولية، والذي لا يرى في أميركا قوةً للخير في العالم، بل يعتبرها قوة إمبريالية ويشعر بأن عليها إحداث قطيعة مع تاريخ الهيمنة الإمبريالية. مالي هو من الأشخاص الذين لا يكنّون أي ودّ على الإطلاق للسعوديين. ولذا، يرغب السعوديون في أن تنقضي هذه المرحلة، وأن يتسلّم السلطة شخصٌ أكثر واقعية إلى حد كبير بدلاً من شخص لديه إيديولوجيا ومفاهيم مسبقة عن المنطقة وسير الأمور فيها.

يونغ: لنعُد إلى فكرة تشارُك السعوديين المنطقة التي تحدّث عنها أوباما. يبدو ضمنياً أن السياسة السعودية تسلك اليوم هذا الاتجاه، فالسعوديون يعتبرون راهناً أن العراق وسورية ولبنان تخضع للسيطرة الإيرانية. بعبارة أخرى، ألم يبدأ السعوديون بإدراك أن المنطقة مقسّمة بين إيران والسعودية، أو إيران وائتلاف من القوى العربية؟

هيكل: أظن أن السعوديين واقعيون من ناحية أنهم يدركون أن إيران تفرض نفوذها، وأن لديها القدرة على السيطرة على البلدان عن طريق وكلائها، أي عن طريق أطراف الميليشيات الشيعية. لكن هذا الأمر لا يروقهم، ويريدون أن ينتهي. يودّون أن تنظر أميركا إلى إيران بأنها بلد ثوري وطرف غير مسؤول في النظام العالمي، بسبب إقدامها على استخدام فاعلين ميليشياوية لما يشكّلونه من قوة تخريبية وخبيثة. قد يقرّون بأن إيران هي صاحبة اليد العليا في لبنان أو سورية – هذا هو الواقع ولن يستمروا في لطم رأسهم بالجدار. هل سيحاولون تغييره أو وضع حد له؟ بالطبع. لكنهم يريدون أن تنضم أميركا إلى ذلك المجهود، كي تزيد حظوظ نجاحه. فالسعوديون ضعفاء بمفردهم، ولايمكنهم كبح مدّ النفوذ الإيراني.

يمكن القول إن أوباما تحلّى بالواقعية في جانب محدّد، وهو أنه عندما تكون رئيساً للولايات المتحدة وتريد من ميليشيا شيعية معينة أن تكفّ عن فعل أمر ما في مكان ما، تدرك أنه ثمة شخص واحد يجدر بك الاتصال به لتحقيق ذلك، وهو المرشد الأعلى الإيراني. أما إذا كنت تتعامل مع ميليشيات سنيّة ، فيمكنك أن تستمر في الاتصال بالرياض إلى أجل غير مسمّى، لكن ذلك لن يجدي نفعاً لأن السعوديين لن يتمكّنوا من السيطرة على الميليشيات السنّية. إذاً ثمة فارق أساسي بين أسلوبَي القوات الشيعية والقوات السنية في الاستجابة للسلطات. تستطيع إيران والشيعة تركيز السلطة بطريقة هرمية، وجعلها خاضعة إلى المساءلة، في حين أن السنّة مجزّأون وعاجزون عن تنسيق تحرّكهم بطريقة موحّدة.

يونغ: سعى السعوديون تقليدياً إلى بناء إجماع في العالم العربي، وبدا لبرهةٍ أنهم نجحوا في ذلك في الملف السوري. لكن في العامَين الأخيرين، انهار هذا الإجماع. هل يُعيد السعوديون النظر في السياسة الخارجية التي انتهجوها في الأعوام الخمسة الماضية لتحديد مكامن الخلل؟ لماذا لم يتمكّنوا من الحفاظ على هذا الإجماع العربي؟

هيكل: لست واثقاً مما إذا كانوا يعيدون النظر في ما فعلوه. أعتقد أنهم يعتبرون أن الأمير بندر بن سلطان مثلاً حاول تنسيق بعض قوات المعارضة السنّية وتسليحها في سورية، وأن تلك السياسة لم تنجح، لأن الانقسام ظل سائداً في صفوف السوريين، ولأن الولايات المتحدة لم تسمح للسعوديين بتسليح السوريين بأسلحة فعالة، مثل نظم الدفاع الجوي المحمولة على الكتف أو ما يُعرَف بصواريخ "مانباد". خلاصة الموضوع هي الآتية: كان السعوديون يأملون بأن تطلق الولايات المتحدة يدهم في تسليح المعارضة السورية، وبأن تنخرط في الحرب ضد الأسد بصورة مباشرة. بدلاً من ذلك، فرض الأميركيون قيوداً على السعوديين في ما يتعلق بالتسليح، ورفضوا الانخراط العسكري المباشر. أقصد بكلامي هذا الخط الأحمر السيئ الذكر الذي تجاوزه بشار الأسد عبر إقدامه على استخدام الأسلحة الكيميائية، ولم يحرّك البيت الأبيض ساكناً لتنفيذ وعيده. أصيب السعوديون بصدمة كبيرة عندما أحجمت الولايات المتحدة عن التحرك. ثم صُدِموا عندما تدخّل الروس مباشرةً في سورية، ولم يحرّك الأميركيون ساكناً أيضاً. أخيراً، كان السعوديون يعوّلون كذلك على بقاء المصريين إلى جانبهم في الملف السوري. لكن يبدو أن المصريين لا يأبهون للتدخل الإيراني، ويفضّلون ديكتاتوراً سلطوياً مثل الأسد على معارضيه الذين يتألفون في شكل أساسي من الإسلاميين السنّة. وهم لا يَرَوْن في الهيمنة الإيرانية أو التعصّب المذهبي الشيعي تهديداً بقدر ما يفعل السعوديون.

ثم هناك مسألة الإخوان المسلمين الذين يمقتهم السعوديون لأسباب تتعلق بالسياسة الداخلية، لأن بإمكان الإخوان تنظيم معارضة إيديولوجية وسياسية فعّالة ضد الحكم في المملكة. لايزال مطبوعاً في ذهن القيادة في الرياض أنه بعد الاجتياح العراقي للكويت، وقفت معظم أحزاب الإخوان المسلمين في المنطقة، ما عدا حماس، إلى جانب صدام حسين ضد السعودية والكويت. لذلك، لم ترغب الرياض في التعامل مع الإخوان في سورية، وبالتالي استُبعِدَت شريحة كاملة من المعارضة السورية لأسباب إيديولوجية وتاريخية. ثم هناك المسألة المتعلقة بما يفعله الأتراك الذين يتعاطفون مع الإخوان المسلمين، وعلاقة السعوديين بتركيا ليست جيدة أيضاً. المرات القليلة التي يبدو أن السعوديين طبّقوا فيها سياسة فعالة إلى حد ما في سورية هي عندما قاموا بالتنسيق مع الأردن في جنوب سورية.

يونغ: هل من مجال للتعايش بين السعودية وإيران في المنطقة في مرحلة لاحقة؟

هيكل: من وجهة نظر السعودية، إيران نظام ثوري يريد تدمير الملَكية السعودية. كما أن القيادة الإيرانية لم تخفِ رغبتها هذه منذ زمن آية الله الخميني. تكنّ إيران عداء شديداً للسعودية، وفي شكل خاص للأسرة المالكة والمذهب الوهّابي، وما من مشاعر ودّ بين البلدَين. أعتقد أن السعوديين يشعرون بأنها مواجهة غالب ومغلوب مع إيران. وهم يعتبرون أن هذه الأخيرة تستعمل فاعلين ميليشياوية، ولاسيما الشيعة العرب، بمثابة إسفين للتدخل في سياسات بلدان عدة، مثل العراق وسورية ولبنان واليمن، وربما البحرين، وهذا مصدر قلق لهم. إيران قادرة على بناء إمبراطورية من دون عناء كبير عبر الاعتماد على الشيعة العرب للقيام بالمهمة عنها. علاوةً على ذلك، موقع السعوديين ضعيف، لذلك التحدي الأساسي بالنسبة إليهم هو إيجاد السبيل الأفضل لخوض هذه اللعبة من موقع ضعف. يأملون بأن تنضم قوة خارجية ما إلى النزاع – الأميركيون مثالياً، أو حتى الإسرائيليون – وتساعدهم على تعزيز موقعهم.

بيد أن الشيء الوحيد الذي سيبادر السعوديون حكماً إلى القيام به هو بناء جيشهم. سوف يحاولون تحسين إمكاناتهم كي يتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم من دون الاضطرار إلى الاعتماد على الأميركيين لتحقيق ذلك. مشروع إصلاح الاقتصاد وتنويعه وبناء الجيش مرتبطان بجعل السعودية دولة قوية تستطيع الدفاع عن نفسها. إنه تحدٍّ هائل لم تتعامل معه الحكومة السعودية بجدّية في السابق، على الرغم من الكلام الذي يتردّد منذ عقود عن ضرورة إجراء مثل هذه الإصلاحات.

يونغ: أحد جوانب القوة الناعمة السعودية، أو ما يمكن أن نسمّيه القوة الناعمة لكن غالباً ما يبدو وكأنه جانب من جوانب القوة الصلبة، يتمثّل بالطبع في البعد الديني، أي التمويل السعودي للمساجد والمؤسسات الدينية. لقد ارتدّ هذا الأمر بنتائج عكسية إلى حد ما، على ضوء النظرة المنتشرة الآن على نطاق واسع في الغرب بأنّ السعوديين يموّلون الإسلام المتشدّد. هل من انطباع بأن السعوديين يأخذون هذه المواقف في الاعتبار ويسعون إلى إعادة النظر في مقاربتهم؟

هيكل: الاتهامات الموجّهة إلى السعودية هي أنها قامت بالترويج لشكل متعصّب من أشكال الدين، ما أفضى إلى ظهور الجهادية. هذه النظرة مخطئة لأنها غير مدعومة بالوقائع. يمكن أن تكون متعصّباً من دون أن تكون عنيفاً، وهذا ينطبق على المسيحيين واليهود والأديان الأخرى أيضاً. التعصب لايقود بالضرورة إلى العنف، مع أن ذلك ممكن. كما أن شكل الإسلام الذي روّج له السعوديون ليس شكلاً مسيّساً من أشكال الإسلام، بل هو مُذعن إلى السلطة السياسية – إنه إسلام “ساكن” على نقيض الإسلام الحركي.

ما حصل في المشهد الإسلامي منذ سبعينيات القرن العشرين هو نهضة الإيمان والممارسة الدينيَّين، وفي شكل خاص انتشار شكل مسيَّس من أشكال الدين. ولهذه النهضة علاقة بالجهود السعودية بقدر ما لها علاقة بالإخوان المسلمين في مصر والرد على السلطوية في العالم العربي. سأعطيكم مثالاً بسيطاً: كما تعلمون، كانت الأنظمة في العراق وسورية وتونس وليبيا ومصر سلطوية كلها. لم يكن يُسمَح للسعوديين ببناء مسجد واحد أو فتح مدرسة دينية في أي من هذه البلدان. ومع ذلك، يأتي العدد الأكبر من الجهاديين حالياً، باستثناء الجهاديين الآتين من أوروبا، من تلك البلدان تحديداً. إذا احتسبنا نسبة الجهاديين مقارنةً مع عدد السكان، يتبيّن أن تونس قد صدّرت العدد الأكبر من الجهاديين الذين انضموا إلى تنظيم الدولة الإسلامية، وليست للسعودية أية علاقة بهذه الظاهرة. من الواضح أن شيئاً آخر يحدث في العالم الإسلامي ويقف وراء هذه النهضة. يتبيّن أنها نهضة سلفية، لكن السلفية ليست موجودة فقط في السعودية، بل تنتشر في مختلف أصقاع العالم. لديها جذور في اليمن والهند والعراق وغيرها من البلدان. من دون الخوض في التفاصيل، أظن أن التأكيد بأن السعوديين مسؤولون عن الجهادية التي نشهدها في أنحاء العالم ليس صحيحاً بكل بساطة. فالجهادية العالمية سببها مروحة معقّدة من العوامل، ولا يمكن أن تُنسَب إلى قضية واحدة أو بلد واحد.

يونغ: ولا حتى إلى أفراد في المجتمع السعودي؟ ألا يموّل هؤلاء مجموعات جهادية؟

هيكل: قد يكون هناك أفرادٌ يموّلون تيارات جهادية. لكن السعوديين يبذلون جهوداً حثيثة لضبط هذه التدفقات، وهو ما أقرّت به وزارة الخزانة الأميركية ووكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) اللتان ذكرتا أن السعوديين نجحوا إلى حد كبير في قطع التمويل العام والخاص عن التيارات الجهادية. لقد أزالوا صناديق جمع التبرعات في المساجد، وراقبوا تدفقات الأموال عبر النظام المصرفي. وفي حال كانت هناك أموال تصل إلى أيدي الجهاديين، فمصدرها أشخاص يحملون حقائب تحتوي على نقود، وهذا الأمر من الصعب جدّاً وقفه. إذا ذهبتَ إلى السعودية وشاهدت التلفزيون أو استمعت إلى الأنباء، هناك كل خمس دقائق تصريح علني عن حجم الشر الذي يمثّله تنظيم الدولة الإسلامية، وكيف أنه أساء إلى الإسلام وشوّهه، وما إلى هنالك. يُبذَل مجهود عام كبير، أقله محلياً، للتشهير بالدولة الإسلامية.

ثمة طرق كثيرة ليصبح المرء جهادياً، من دون أن يكون بالضرورة سلفياً أو وهّابياً. يمكن أن يصبح جهادياً عبر الالتحاق بتيارات إسلامية أخرى مثل التبليغيين أو الإخوان المسلمين أو حزب التحرير. كما يمكن أن يجنح نحو التشدّد عن طريق أشكال الإسلام التقليدية، وحتى من خلال التيارات الصوفية كما رأينا في العراق مثلاً. لم يستوعب الغرب هذا الأمر جيداً، لأنه يقتضي فهم التاريخ والفقه والقانون في الإسلام، وهي مسائل معقّدة. ما أعرفه هو أنه إذا أراد أحدهم أن يحارب الجهاديين بطريقة فعّالة، فيجب أن تكون السعودية وإيران إلى جانبه. أشمُلُ الإيرانيين لأنهم أدّوا دوراً سيئاً جدّاً، شأنهم في ذلك شأن نظام الأسد، في ترويج الجهادية السنّية كما الجهادية الشيعية. لا بد من التذكّر أنه على امتداد الاحتلال الأميركي للعراق، كانت سورية الممرّ الأساسي للجهاديين السنّة الذين كانوا يتوجّهون إلى هناك لقتال الجنود الأميركيين. ولا بد من التذكّر أيضاً أنه في بداية الانتفاضة في سورية، أفرج نظام الأسد عن نحو 2500 جهادي من سجن صيدنايا كي يُصوَّر النزاع بأنه بين النظام والجهاديين. يجب أخذ هذه المعطيات في الاعتبار عند محاربة الجهاديين.

يونغ: ما هو الخطر الأكبر الذي يتهدّد الأسرة المالكة السعودية خلال العقد المقبل؟

هيكل: أظن أن الخطر الأكبر هو صدمة خارجية ما تتّخذ شكل فاعلين ميليشياوية تستخدمهم إيران ضد النظام السعودي. فقد يتسبّب ذلك بزعزعة الاستقرار في البلاد. أظن أنه في ما يتعلق بالسياسة الداخلية، تُمسك الأسرة المالكة جيداً بزمام الأمور. أولاً، يجب أن ندرك أن النظام السعودي ليس نظام "الرصاصة الواحدة"، وأقصد بذلك أنه خلافاً لسورية أو العراق أو مصر أو ليبيا، لا تعتمد السلالة السعودية في بقائها على شخص واحد. أيّ شخص كفـؤ من الأسرة المالكة يمكن أن يصبح ملكاً، ولا يعتمد النظام على شخص واحد، ما يمنحه مرونة وقدرة على الاستمرار. فضلاً عن ذلك، يملك السعوديون موارد، في شكل ريوع نفطية، يمكنهم استخدامها لشراء السلم الاجتماعي، ولا أعتقد أن هذه الموارد ستزول. ويتمتع آل سعود بالشرعية أيضاً لأنهم يحكمون البلاد منذ القرن الثامن عشر. ليس النظام السعودي وليد انقلاب، ولا يتألف من ضباط عسكريين، وقد تمكّن تاريخياً من توحيد بلدٍ قبلي جدّاً وشديد الانقسام. بعبارة أخرى، يملك النظام موارد رمزية ومادّية تمنحه مرونة وقدرة على الاستمرار، وبالتالي التحدّي الأساسي يتمثّل في حدوث صدمة خارجية ما يعجز النظام عن وقفها أو مقاومتها.