في 3 تموز/يوليو 2013، أعلن المُشير عبد الفتاح السيسي، وهو مُحاطٌ بكوكبة من الشخصيات الوطنية، خلع محمد مرسي عن رئاسة مصر، وطرح "خريطة طريق" لنظام سياسي جديد. كان مُلفتاً آنذاك حصول السيسي على دعم الإمام الأكبر أحمد الطيب، شيخ مؤسسة الأزهر، التي تُعدّ أبرز مراكز التعليم الديني في مصر.

لكن العلاقة بين الرئيس والشيخ، في السنوات الثلاث ونصف السنة التالية، شابها بعض التوتر، مع أنها بدت سليمة ظاهريّاً. إذ تبادل الاثنان انتقادات مبطّنة، لا بل مباشرة أحياناً. ومنذ عامَين، انطلقت جولة من التراشق الكلامي العلني الحاد، بدأت مع كلمةٍ ألقاها السيسي، كلّف فيها الأزهر تحمّل مسؤولية "تجديد الخطاب الديني"، ثم أعقبتها سلسلة من تصريحات رئاسية أخرى اعتبرت أن الأزهر يتلكّأ في لعب هذا الدور.

ومؤخّراً، توجّه السيسي علناً إلى الطيب قائلاً، وإن باحترام وبابتسامة تعلو محيّاه، إن هذا الأخير "يعذّبه". وفي أواخر الشهر الفائت أيضاً، في معرض حديثه عن ارتفاع معدّلات الطلاق في مصر، أومأ السيسي إلى الشيخ الطيب، قائلاً: "تعبتني يا فضيلة الإمام". وتتجلّى أجواء التوتر والارتباك بين القائدين على مستويات ثلاث ترتبط بشخصية كلٍّ منهما، وبقضايا مبدئية، وأيضاً بمسائل سياسية.

صدام شخصيات

بعد استعراض التضامن الذي تجلّى في 3 تموز/يوليو، سُرعان ما بدأ التوتر يشوب العلاقة بين الطيب والسيسي. فمع أن الطيب أيّد الإجراءات التي اتُّخذت في 3 تموز/يوليو، إلا أنه اعتمد سياسة النأي بالنفس حين انزلق الصراع بين النظام الجديد وبين مناصري الرئيس المعزول إلى لُجج العنف. فالطيب لم يُبدِ فقط انزعاجه من حملة القمع العنيفة التي تعرّضت إليها جماعة الإخوان المسلمين (وعمد إلى الاعتكاف خارج القاهرة خلال المرحلة الأكثر دموية في الصراع)، بل غالب الظن أيضاً أنه أدرك تماماً بأن الشعب المُتديّن في مصر غارق في دوامة انقسام حادّ، وبأن اصطفافه إلى جانب النظام الجديد أثار جدلاً مريراً في صفوف كلٍّ من مناصري انقلاب 3 تموز/يوليو ومعارضيه على حدٍّ سواء.

لكن العلاقة الشخصية بين السيسي والطيب لا تتعلق بالماضي وحسب. فقد وجّه السيسي سهام انتقادات إلى الأزهر عموماً على خلفية ما يعتبره البعض تقصيراً من طَرَفه في تطبيق إصلاحات بنّاءة للمناهج التعليمية؛ وبالفعل، وجّه السيسي بعض كلماته إلى الطيب شخصيّاً، فلم يتوانَ هذا الأخير عن الرد على هذه الانتقادات مراراً وتكراراً، مشدّداً على أن الأزهر يتابع هذه القضية كما ينبغي بطريقته الخاصة، ومُلمحاً ضمنياً أنه لا يحتاج إلى تعليمات من شخصية تفتقر إلى أوراق اعتماد أزهرية.

لكن الصحافة المصرية لم تَكِل المديح للطيب لتمسّكه باستقلالية الأزهر ولخبرته الشخصية، بل على العكس حملت عليه لأنه يطرح تحدّياً للنظام وصوّرته على أنه يروّج للتطرف. لا بل طالبه بعض الكتّاب الصحافيين بالاستقالة، زاعمين أنه عاجزٌ على قيادة عمليةٍ لتحديث الإسلام، من شأنها أن تطرح بديلاً للإيديولوجيات المتطرفة. لكن، وعلى رغم هذا الخضم من الانتقادات التي تطال الشيخ الطيب، اتهمه البعض في الوسط الديني بأنه عميل لنظام السيسي. هذا ناهيك عن أن أي تغييرات أُدخلت على المنهج الأزهري قوبِلت بالتنديد وباحتجاجات واسعة من الطلاب الذين يعتقدون أنها تمثّل انتهاكاً لحقّهم بالحصول على تعليم إسلامي شامل، ومناورة سياسية لصرف الانتباه عن مسائل أخرى.

على الرغم من أن السيسي والطيب حريصان دوماً على إبداء الاحترام لبعضهما البعض – حتى الانتقادات العلنية الصادرة عنهما دائماً ما تكون مصحوبةً بابتسامة – إلا أن مقاربة الأزهر الحذرة للإصلاح الديني وتمسّكه باستقلالية المؤسسة، يتنافيان مع جهود السيسي المحلية والدولية الرامية إلى تنصيب نفسه نموذجاً للاعتدال ورأس الحربة في استئصال الإرهاب.

من صاحب الموقف المبدئي؟

يتمحور النزاع الأخير حول اعتراف الدولة بالطلاق. ففي معرض شكواه للطيب حول هذه المسألة، أكّد السيسي أن قدرة الأزواج المصريين على طلاق زوجاتهم شفوياً أدّت إلى التفكّك المتهوّر والعنيف الأسر. لذا من الضروري مجابهة هذه الظاهرة عبر وضع إطار رسمي أكثر لا يُجيز وقوع الطلاق إلا بموجب وثيقة مكتوبة وبحضور شهود. وقد بدا أن الرئيس يُلمح ضمناً، من خلال هذا التصريح، إلى أن الشيخ ومؤسسته يقوّضان الحياة الأسرية المصرية عبر اعتماد مقاربة عفا عليها الزمن في التعامل مع مسألة الطلاق.

وبهذه الطريقة، نصّب السيسي نفسه مدافعاً عن الأسرة المصرية ونصير حقوق المرأة المصرية في آن. ولبّى مناصروه النداء. فعلى سبيل المثال، أعلنت اللجنة الدينية في البرلمان فوراً أنها تعكف على إعداد مشروع قانون لتنظيم الطلاق تلبيةً لطلب الرئيس. تدعم هذه اللجنة اقتراح السيسي وترى أن القانون الجديد سيحدّ بشكلٍ ملحوظ من حالات الطلاق في مصر، ما سيعزّز الروابط الأسرية. وقد جادل عمرو حمروش، أمين سر اللجنة الدينية، أن الشريعة تدعو إلى وحدة الأسرة، وأن هذا ما يرمي القانون الجديد إلى تعزيزه، فأضفى بذلك شرعيةً دينية على القانون.

لا شكّ أن معدّلات الطلاق في مصر شاهقة، وهي تزداد باطّراد. فقد قال السيسي في الكلمة التي ألقاها بمناسبة احتفالات عيد الشرطة، نقلاً عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، إن 40 في المئة من حالات الزواج السنوية (التي تبلغ 900 ألف)، تنتهي بالطلاق في غضون السنوات الخمس الأولى. وقد كشف تقرير الجهاز المركزي للعام 2015 أن عدد حالات الطلاق الموثّقة في العام 2015 بلغ 199867 حالة، مقارنةً مع 180244 حالة طلاق في العام 2014، ما يشكّل زيادة بنسبة 10.8 في المئة.

لكن في حين أن ثمة قلقاً واسع النطاق إزاء معدلات الطلاق المرتفعة (والمتصاعدة)، نجد في المقابل جدلاً كبيراً حول سُبُل معالجة هذه المشكلة. وفي الواقع، تبدو الفكرة بأن الطلاق الشفوي هو السبب الرئيس غير قابلة للتصديق. وبما أنه ليس بالأمر الجديد، لايبدو أنه سبب ازدياد معدلات الطلاق. وقد أشار منتقدو الاقتراح إلى أنه بينما يُعتبر الطلاق الشفوي شرعياً، إلا أنه يبقى غير ساري المفعول إلى أن يتمّ تسجيله وفقاً للقانون. إذ يبقى الطلاق المتهوّر والمتسرّع في حاجة إلى خطوات بيروقراطية قبل الاعتراف به قانوناً. في المقابل، يردّ مؤيدو الإصلاح بأن الطلاق يباغت الزوجات اللواتي لا يأخذن علماً بالطلاق حتى يصبح رسمياً. كما تقف منظمات الدفاع عن حقوق المرأة في صف التشريع، نظراً إلى الحماية والقوة التي يمنحها للنساء، إلا أنها تشكك في أنه سيؤدي إلى خفض معدلات الطلاق.

بيد أن المسألة عموماً لا تتعلق ببساطة بالقانون. ففي حين قد يكون الطلاق من الناحية الشرعية سهلاً، إلا أن الأزواج قد يتكبدون تكاليف ضخمة إن هم مارسوا حقهم بالطلاق (ففي عقود الزواج الموثقة، يتعهّد العديد من العِرسان بدفع مبلغ كبير من المال والمتأخّر لزوجاتهم في حال الطلاق). وعليه، تميل المؤسسة الدينية إلى الخروج بمروحة متنوّعة من الردود حيال مسألة ارتفاع معدل الطلاق، بدءاً من إلقاء اللوم على التغييرات القانونية في العام 2000 التي سهّلت حصول النساء على الطلاق، وصولاً إلى طلب منح الموظف المسؤول عن تسجيل حالات الزواج وغيره من المسؤولين الدينيين التدريب والدعم في مجاليْ العمل الاجتماعي والوساطة. فهي تعتبر أن الطلاق الشفوي هو إحدى الممارسات الراسخة إلى حدّ كبير في الشريعة الإسلامية منذ بداياتها الأولى، وترفض القبول بأي إنهاء قانوني لهذه الممارسة. كما تعتبر المؤسسة الدينية أن الإصلاح التعليمي الواسع، وزيادة الفرص الاقتصادية، والوعي الاجتماعي، هي الحلول لمعدلات الطلاق المرتفعة.

على رغم أن قادة الأزهر لايستبعدون التغيير القانوني، إلا أنهم يصرّون على اتخاذ خطوات حذرة ومدروسة ويقاومون تلك التي يرون فيها انتهاكاً للشريعة. وكان الدكتور عباس شومان، الأمين العام لهيئة كبار العلماء في الأزهر والحليف الرئيس للطيب، قد صرّح بأن الهيئة تعكف على إجراء أبحاث مكثّفة لتوفير دعم ديني لأي تشريع محتمل. وفي هذا السياق، قال عبد الحميد الأطرش، الرئيس الأسبق للجنة الفتوى في الأزهر، إنه يعتقد أن إصلاح قوانين الطلاق لن تخفّض حالات الطلاق الشفوي غير المسجّل، ويضع النساء في موقف غير مؤاتٍ البتة أمام الدولة. كما يرى أن الزواج الرسمي يُعدّ ظاهرة جديدة نسبياً في مصر وتمّ اعتماده بسبب التدهور الأخلاقي الذي وصل إليه المجتمع، ما دفع الدولة إلى القبض على أزمّة الأمور. ويزعم الأطرش أنه لابدّ من إعطاء الأولوية لتحسين القيم بدلاً من إنفاذ التشريعات.

لا تتعدَّ على مجال عملي

من منظور هذا الرئيس المتبرّم، يُعتبر هذا النوع من الردود من جانب المسؤولين والعلماء الدينيين على الأرجح مجرد مماطلة ونزعة ظلامية. لكن لابدّ من أخذ شيء آخر في الحسبان: ألا وهي السياسة المؤسساتية في مصر. إذ لايقف في وجه الرئيس الإمام الأكبر وحسب بل أيضاً أقسام هامة من المؤسستين القضائية والدينية، الحريصتان هما أيضاً على حماية استقلالهما الذاتي.

ففي العام 2000، أعادت المحكمة الدستورية العليا النظر بقانون يسمح للمرأة بالمطالبة بالطلاق في المحاكم إذا ما خسرت معظم مطالباتها المادية، وأقرّته إلى حدّ كبير. لكن هذا القانون تضمّن أيضاً حكماً مماثلاً لروحية ذلك الذي يطالب به الرئيس الآن. لكن المحكمة قضت وقتها بأن هذا الحكم غير دستوري، جزئياً لأنه ينتهك مبادئ واضحة من الشريعة الإسلامية.

وخلال الشهر الجاري، وعلى أثر البيان الرئاسي، دعا الطيب هيئة كبار العلماء إلى الاجتماع لحشد الدعم. وفي 12 شباط/فبراير، أعادت الهيئة- وهي كيان أُسس في العام 2011 لإعطاء الأزهر استقلالية أشمل- التأكيد على الشرعية الدينية للطلاق الشفوي، ورفضت مساندة دعوات الرئيس إلى إلغاء هذه الممارسة. وفي بيان صدر عن الهيئة، أبقى العلماء على شرعية الطلاق الشفوي كما هو مكرّس بالكامل في الشريعة الإسلامية. وفي المقابل، سمحوا للسلطات السياسية بالإلحاف على التغييرات القانونية التي لاتُفسد هذه الممارسات، لكنهم قيّدوها في الحقيقة، وذلك على سبيل المثال، عبر معاقبة أولئك الذين يفشلون في تسجيل وتوثيق طلاقهم لدى المحاكم في إطار زمني معقول.

اختلفت الهيئة مع الرئيس حول الفكرة بأن إلغاء الطلاق الشفوي سيؤدي إلى انخفاض معدلات الطلاق. ولمكافحة ارتفاع هذه النسبة، اقترحت الهيئة بدلاً من ذلك التركيز أكثر على التغيير الاجتماعي من خلال توفير تعليم أفضل، وتحسين الفهم الديني للزواج، والوقاية من تعاطي المخدرات. وعلى الرغم من أن البيان حاول التوصل إلى حل وسط بين مطالب الرئاسة وبين الشريعة الإسلامية، إلا أنه أظهر استقلالية الأزهر وقدرته على معارضة النظام علناً. وتجد المؤسسة السياسية العليا في مصر (رئاسة الجمهورية) نفسها في مواجهة المؤسسة الدينية الأعلى (الأزهر)، ناقلةً المعركة بذلك خارج إطارها الشخصي البحت.

عندما يتوجّه الرئيس إلى الإمام الأكبر قائلاً "تعبتني" فهو ربما يشير إلى الخلاف داخل الدولة المصرية بالقدر نفسه الذي يعبّر فيه عن قلقه إزاء وضع الأسرة المصرية. مما لا شكّ فيه أن السيسي هو من يتولى قيادة الدولة، لكن الدولة المصرية تُثبت أحياناً أنها كيان (أو مجموعة كيانات) يصعب السيطرة عليه. فقد خلق له القضاء والأزهر أوجاع الرأس: الأول مع الأحكام المتفرقة التي تسبب انتكاسات محرجة للنظام، والثاني من خلال إصراره على أنه لايتلقى أوامر من أحد بشأن الشريعة أو الإصلاح التربوي.

غير أن أي منهما لا يتبنى موقف المعارضة، بل على العكس يملك النظام الكثير من المؤيدين في الجهازين القضائي والديني. لكن ثمة شخصيات على رأس هاتين المجموعتين معاً من المؤسسات تسعى إلى الحفاظ على ما تراه استقلاليتها، وتصر على ضرورة احترام خبراتها الخاصة حتى لو لم تؤدِ إلى إرضاء رغبات الحكّام على المدى القصير.