تُواصل إدارة ترامب العمل لوضع مقاربة لسياستها إزاء اليمن الذي يُعتبر موئل اكثر فروع "القاعدة" خطورة ("القاعدة في شبه الجزيرة العربية"). لكن ثمة مؤشرات أولية توحي بميل الإدارة الى منحى مُتعسكِر قد يفاقم تعقيد النزاع المدمّر في اليمن، ويبث الروح مجددا في ثنايا تنظيم "القاعدة".

لكن، على إثر استقالة مستشار الامن القومي، مايكل فلين بعد اقل من اربعة اسابيع على تسلّمه منصبه، قد يشكّل تعيين مستشار أمن قومي جديد فرصة سانحة أمام الرئيس دونالد ترامب لتصحيح المسار في اليمن وغيره. والحاجة في الواقع ماسّة الى مثل هذا التصحيح.

في 29 كانون الثاني/ يناير المنصرم، أخفقت غارة على مجمع للقاعدة في يكلا، وانتهت الى مصرع عشرات المدنيين، بينهم 10 اطفال وجندي من قوات النخبة الاميركية. لايجوز أن تلقى لائمة هذه العملية - التي وصفها السناتور جون ماكين بـ"الفاشلة"- على ترامب وحسب، في وقت أعدّ مخططو البنتاغون تقارير عن العملية وسلموها الى سلسلة القيادات العليا كلها هناك وصولاً الى البيت الابيض.

لكن لاشك في أن هذه الغارة الفاشلة هي حلقة صغيرة من حلقات اوسع. ففي الحملة الرئاسية العام الماضي، ذاع صيت دعوة المرشح ترامب الى "اقتلاع عائلات" الارهابيين، فيما كانت ادارة اوباما تحث على ضبط النفس في الحرب السعودية في اليمن التي تدور رحاها منذ حوالى عامين، وتطالب بتسوية دولية. لكن ادارة ترامب لم تُبدِ بَعد اهتماماً باستئناف المبادرة الديبلوماسية، ويقال أنها تتجه الى الموافقة على صفقة أسلحة للرياض سبق أن عُلّق العمل فيها بسبب القلق من تعاظم أعداد الضحايا المدنيين.

ثمة، كذلك، دافع مغرٍ الى اعتبار اليمن جزء من مقاربة قوية وحازمة مع ايران. بيد أن توجيه "تحذير رسمي الى ايران"، على قول فلين في بيان صحافي في الأول من شباط / فبراير، هو أمر يسير لفظياً وعسير فعلياً. ففي سورية، تحالفت ايران و"حزب الله" مع روسيا التي يواصل ترامب إمطار رئيسها بوابل من المديح. وفي العراق، تشكِّل الميليشيات التي تدعمها ايران عنصراً حيوياً وبارزاً في القوات البرية التي تقاتل "الدولة الاسلامية" في الموصل.والواقع أنه سبق لفلينت أن أصدر بياناً صحافياً ثانياً بعد أيام على الأول وصف فيه الحوثيين (وهم تنظيم مسلح يُطلق على نفسه اسم "أنصار الله" وكان قد استولى على صنعاء في ايلول /سبتمبر 2014 فأدى ذلك الى تدخل عسكري بقيادة سعودية في آذار/مارس المنصرم) بـ"مجموعة ارهابية (تقاتل) بالوكالة" عن ايران، ذاهباً بذلك إلى أبعد مما أقدمت عليه ادارة اوباما أو الحكومة السعودية. ثمة مشكلة في التصعيد الأميركي المتزامن ضد القاعدة في شبه الجزيرة العربية والحوثيين: أنه لن يُجدِ نفعاً. فـ"القاعدة في شبه الجزيرة العربية" والحوثيين غريمان في حرب أهلية معقّدة ومركبة يصلّب توالي فصولها عود التنظيمين هذين على حد سواء. لذا، تفاقم مقاربة ترامب الناشئة بؤس اليمن وتُعزز خصوم أميركا.

استهدفت الحملة التي تقودها السعودية على اليمن، من حين الى آخر، "القاعدة في شبه الجزيرة العربية"، مثلاً حين طردت القوات الاماراتية وقوات محلية القاعدة من مدينة المكلا الجنوبية الشرقية في نيسان/ ابريل 2016. لكن مثل هذه العملية استثناء يشذ عن القاعدة وحدثت بعيداً عن خطوط الجبهة. فحيثما يتمركز الحوثيون، تندمج وحدات القاعدة في كثير من الأحيان في المروحة المعقّدة من الميليشيات التي تقاتلهم. وخير دليل على ذلك من صنفتهم الخزانة (الاميركية) في أيار/ مايو 2016، بأنهم جامعوا الأموال للأرهابيين، وأحدهم عضو بارز في "القاعدة في شبه جزيرة العرب" اسمه نائف صالح سليم القيسي، محافظ محافظة البيضاء الذي عيّنه الرئيس اليمني المدعوم سعودياً عبد ربه منصور هادي في منصبه.

يُسلّط تمدد "القاعدة في شبه جزيرة العرب" في نصف العقد الماضي، الضوء على محدودية المقاربة العسكرية الضيّقة. وتقدِّر مؤسسة "ذي نيو أميريكا فاونديشن" أن الحملات الجوية الأميركية ضد القاعدة قتلت مابين ألف و1250 مقاتلاً في اليمن منذ العام 2009. لكن في المدة الزمنية نفسها، وفق تقرير صدر أخيراً عن "انترناشنل كرايزس غروب"، أفادت "القاعدة" من انهيار الدولة والنوازع المذهبية والحرب الاهلية، وصارت "أقوى من أي وقت مضى"، وارتفع عدد مقاتليها من بضع مئات الى نحو 4 آلاف مقاتل اليوم.

أقرّت وزارة الخارجية الاميركية في تقريرها السنوي الاخير عن الارهاب الصادر في حزيران/ يونيو المنصرم، أن "القاعدة في شبه الجزيرة العربية" حصدت في 2015 المكاسب من النزاع في اليمن، فتمددت الى المحافظات الجنوبية والشرقية. وعلى رغم خسارة عدد من كبار قادتها في 2015، كان في وسِع هذه الجماعة زيادة عدد مجنديها وتوسيع ملاذاتها الآمنة في اليمن. كما تسللت الى صفوف عدد من الفصائل في ميدان المعارك، فباتت عملية مكافحتها أكثر عسراً".

لا يُعارض ما أسوقه اللجوء الى القوة العسكرية الاميركية ضد القاعدة في شبه الجزيرة العربية، على رغم اخفاق التنظيم في شن هجمات كبيرة وناجحة يعتد بها ضد الولايات المتحدة، على غرار خطة إسقاط طائرة ركاب في عيد الميلاد 2009 بواسطة مفجر "الثياب الداخلية" والمحاولة الفاشلةضد طائراتي الشحن "فيديكس" في تشرين الاول /اوكتوبر 2010 . لكن مع توالي فصول الحرب الاهلية في اليمن، يُستبعد أن يفلح ترامب اكثر من خلفه في إلحاق الهزيمة بالقاعدة في شبه جزيرة العرب.

كان موقف ادارة اوباما ملتبساً من التدخل السعودي، وهي دعت وراء الابواب المغلقة الى الحذر. لكن في نهاية الامر، وفي سبيل طمأنة مخاوف السعوديين من اتفاق تموز /يوليو 2015 النووي مع إيران، ماشت واشنطن، وإن بتردد، الحملة هذه، ووفّرت دعماً واسعاً متعدد الأوجه: دعم لوجيستي ودعم استخباراتي مكثّف، وعمليات تزويد بالوقود في الجو، وبيع الرياض أسلحة قيمتها اكثر من 22 مليار دولار. كان هذا خطأ باهظ الثمن. فالامم المتحدة تقدّر أعداد القتلى بما يزيد عن 4 آلاف قتيل، و3 ملايين نازح منذ بدء النزاع. وبحسب منظمة اليوينسيف قضى اكثر من 60 الف طفل في 2016 من أسباب كان يمكن الوقاية منها وهي وثيقة الصلة بسوء التغذية التي يعاني منها بشكل حاد مليونا طفل يمني. وفي وقت يتحمّل اليمنيون أعباء هذه المأساة، لم تُحسِّن الحملة العسكرية أمن المملكة السعودية. فعلى رغم مرور عامين تقريباً على القتال، لم يقضَ بعد على خطر الصواريخ على البلدات والمدن السعودية الحدودية. وقُدرت التكاليف العسكرية بـ200 مليون دولار يومياً، من غير أن تلوح في الافق نهاية النزاع. وإذا ما كانت السعودية تأمل في عرض قوتها مقابل الخصم الايراني، فإن المأزق الذي برز أدى إلى عكس ما تتوخاه.

على إثر انهيار جولات متتالية من المفاوضات الأممية في آب/أغسطس، بادر وزير الخارجية السابق جون كيري الى مسعى ديبلوماسي متأخر، شمل وقف اطلاق نار لم تكتب له حياة مديدة في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي بين الائتلاف السعودي والقوات الحوثية. لكن حكومة هادي رفضت مبادرة كيري، التي كان يمكن ان تؤدي الى تشكيل حكومة تصريف أعمال بعد انسحاب قوات الحوثيين من صنعاء. ويبدو أن فرص التسوية السياسية ضئيلة، على وقع خسارة مساعي الامم المتحدة صدقيتها وضعف المؤشرات في ادارة ترامب الى مبادرة ديبلوماسية.

إن غياب الأمل في تسوية أمر مفجع ومحزن. فالنزاع في اليمن يبدو، في أوجه كثيرة، أقل عسراً من نظيره في حقول القتل السورية. وعلى خلاف الاستبداد السوري، تاريخ اليمن غني بالتسويات السياسية والمصالحات المحلية. هذا علاوة على أن النزاع اليمني أقل تعقيداً على المستوى الجغرا- السياسي، ولا يعرف العنف المذهبي واسع النطاق كما الحال في سورية. ودالة واشنطن على السعودية يُعتد بها جراء اعتماد الأخيرة على الجيش الاميركي ودعمه اللوجيستي والاستخباراتي.

وعلى ما خلّص تقرير كارنغي الشامل الصادر اخيراً بعنوان "انكسرات عربية" ، الذي يتناول مصادر غياب الاستقرار في الشرق الاوسط، من العسير فهم اسباب انتشار المذهبية والتطرف والارهاب ومكافحة هذه الظواهر، من دون فهم الاخفاق المؤسساتي الكارثي الذي كان وراء بروزها. ويُسلِّط اخفاق الغارة الأميركية في 29 كانون الثاني/ يناير الضوء على الحاجة الى مقاربة أميركية اكثر شمولية في اليمن، في وقت تمس الحاجة الى حل سياسي يخمد النزاع ويطوي صفحة القتال.