سرجيو جليل مؤسّس مركز الدراسات اللبنانية في أميركا اللاتينية (CELIBAL). في رصيد هذا الأرجنتيني من أصل لبناني خبرة طويلة في الأعمال والقطاع المصرفي في أميركا اللاتينية، فضلاً عن انخراطه في أنشطة الجالية اللبنانية. حائز على إجازة في العلوم السياسية والشؤون الدولية من جامعة قرطبة الكاثوليكية في الأرجنتين، وماجستير في الدراسات العربية والسياسات الدولية للشرق الأوسط من مركز الدراسات العربية المعاصرة في جامعة جورجتاون. يشكّل، من نواحٍ كثيرة، رابطاً أساسياً بين لبنان وجاليته الاغترابية في أميركا اللاتينية. وافق على الحوار مع ديوان حول هذه المسألة في شباط/فبراير الماضي.

مايكل يونغ: هلا تخبروننا عنكم وكيف قررتم تأسيس مركز الدراسات اللبنانية في أميركا اللاتينية (CELIBAL)؟

سرجيو جليل: ولدت ونشأت في الأرجنتين، وترعرت في منزل لبناني مئة في المئة، فأجدادي الأربعة ووالدي أبصروا النور في لبنان. تلقّيت تحصيلي العلمي في بيئة أرجنتينية، ثم انتقلت إلى الولايات المتحدة حيث تابعت الدراسات العليا، وأقمت وعملت في واشنطن ونيويورك في النصف الثاني من حياتي. باختصار، أقول إن لديّ قلباً أرجنتينياً، وروحاً لبنانية، وعقلاً أميركياً. أرى نفسي عضواً أصيلاً في الجالية اللبنانية في بلدان الاغتراب، حيث لا يكفّ لبنان عن أن يكون محور العالم، في حين أن مسيرتي الشخصية تجعلني بلا أدنى شك شخصاً دولياً، وتعدّدياً بصورة طبيعية، ومتعدد الثقافات إلى درجة كبيرة، وكوزموبوليتياً بحماسة شديدة.

تأثير والدي وحبّه الراسخ للبنان وتفانيه من أجله بصفته شخصية ريادية في المنظمات الاغترابية اللبنانية شكّلت دافعاً لي وحفّزت لديّ الميل إلى المشاركة في الكيانات اللبنانية في بلدان المهجر. هناك اكتشفت أن البلد الذي أحمله في جيناتي ليس مجرد مكان نحبّه ونتعلّق به، إنما أيضاً مضمار مدهش وفريد من نوعه أتوقّف عنده في جهودي الاستقصائية والأكاديمية انطلاقاً من شغفي بالعلوم الاجتماعية. إذاً أمضيت الأعوام الـ35 الأخيرة من حياتي – وآمل أن أمضي ما تبقّى منها أيضاً – في القراءة والبحث والتعلّم عن لبنان وتثقيف الآخرين عنه.

بعدما كانت لي في صباي مشاركة ناشطة في منظمات لبنانية، وبعدما تولّيت قيادة حركات شبابية، ونظّمت عدداً كبيراً من المؤتمرات على المستوى الدولي، وكرّست سنوات طويلة لتعزيز الهوية اللبنانية، أدركت مؤخراً، وهذا أمرٌ مثير للقلق، أن الهوية اللبنانية، ولأسباب مختلفة، مهدّدة اليوم في أوساط الاغتراب اللبناني، ولاسيما لدى أبناء الجيلَين الثالث والرابع. لم يجرِ إطلاعهم كما يجب على ما يمثّله لبنان فعلياً. يتقنون رقصة الدبكة، ويحبّون تدخين النرجيلة، ويحضّرون الصفيحة والكبة النية والتبولة [كلها أطباق لبنانية]، لكنهم لم يتثقّفوا كما يجب حول فرادة لبنان وتاريخه وتراثه والمخاطر التي يتعرض لها كي يتمكّن من الصمود والاستمرار وسط التهديدات الكثيرة التي يواجهها.

لهذا السبب أنشأنا مركز الدراسات اللبنانية في أميركا اللاتينية (CELIBAL)، من أجل دراسة لبنان وتفسيره، وتزويد الجالية الاغترابية بالمعارف الصحيحة عن البلاد، عبر استخدام أساليب تعليمية ومقاربة علمية راسخة. نريد أن نروي حكاية لبنان ونروّج لها ونحافظ على استمراريتها، لا أن نترك هذه المهمة في عهدة سفارة أجنبية أو جمعية تدّعي أنها ثقافية وتملك توجّهات عقائدية، مع حصولها على التمويل من حكومة عربية ما أو مصالح أجنبية أخرى لا علاقة لها بلبنان ما عدا الرغبة الشديدة في غزوه وابتلاعه. لم نرد أن نترك الساحة خالية أمام مَن يشوّهون صورة لبنان، ومَن تقف مصالحهم وآراؤهم على طرفَي نقيض مع التعددية والكوزموبوليتانية والتنوع.

يونغ: كيف كان التجاوب مع مشروعكم؟

جليل: لقيت فكرتنا ترحاباً وعُلِّقت عليها آمال كبيرة، وقد حظينا بدعمٍ واسع وقوي من عدد كبير من المنظمات والنوادي والجمعيات اللبنانية في مختلف أنحاء أميركا اللاتينية. واتّصلت بنا منظمات لبنانية في الولايات المتحدة وأستراليا وأوروبا لدعوتنا إلى استنساخ التجربة في تلك البلدان أيضاً. خير دليل على نجاحنا والتجاوب الكبير من الجالية أننا نظّمنا أكثر من مئتَي محاضرة ومداخلة وحلقة دراسية وندوة في أقل من أربع سنوات في مختلف أنحاء أميركا اللاتينية.

يونغ: ما مدى الاهتمام بالدراسات اللبنانية في أميركا اللاتينية؟ في حين أن الجالية اللبنانية هناك كبيرة وذات نفوذ واسع، لا بد من أن لبنان يبدو مكاناً نائياً جداً بالنسبة إلى عدد كبير من الأميركيين اللاتين من أصل لبناني.

جليل: ينبغي على المغتربين اللبنانيين توسيع معارفهم عن لبنان، وفهمه في شكل أفضل، واكتساب الأدوات الأساسية اللازمة للإضاءة على الأسباب التي تجعله فريداً ومختلفاً وضرورياً. في أميركا اللاتينية، رحل عن هذه الدنيا معظم المهاجرين الأوائل، وفي حالات كثيرة، توفّي أولادهم أيضاً. إذاً ثمة شريحة كبيرة من المغتربين الذي فقدوا الاتصال المباشر بلبنان، وتتردّد إلى مسامعهم روايات يتم تناقلها من جيل إلى آخر، لكنهم لا يعرفون لبنان بطابعه الحالي أو يفهمونه. لديهم توقٌ شديد للاطلاع على حكاية الأرض، أرض أجدادهم. لقد سُحِروا بتنوّعها، وانجذبوا إلى القاعدة المتعددة الثقافات للهوية اللبنانية، ويفتخرون بالعيش المشترك بين الطوائف الذي قدّم لبنان الإثبات على أنه ممكن.

يُبدي المتحدّرون من أصل لبناني اهتماماً واسعاً بزيارة لبنان، وإعادة اكتشاف جذورهم، ولقاء أنسبائهم البعيدين، واختبار الحياة في قرى أجدادهم. عندما يذهبون إلى لبنان، يعودون مفتونين وتحت وقع المفاجأة ليس فقط لما رآوه من تطوّر مدهش في بيروت، إنما أيضاً لبساطة التقاليد القديمة والإيمان ونمط الحياة في القرى والبلدات، وجمالها وروعة المحافظة عليها. عندما يقيمون رابطاً من جديد مع لبنان، يصبحون خيرة سفرائه والمروّجين له. الاغتراب اللبناني موجود في كل مكان، بالمعنى الحرفي للعبارة، ما يولّد وعياً لدى الجمهور العام، وفي شكل خاص لدى غير اللبنانيين.

كلما عملنا على ترويج لبنان وتسويقه، نولّد اهتماماً أكبر به. يتلقّى مركز الدراسات اللبنانية في أميركا اللاتينية دعوات باستمرار من الجامعات المحلية في مختلف أنحاء أميركا اللاتينية. يريد الطلاب والأساتذة أن يفهموا لبنان وأسباب اختلافه الشديد، وكيف يمكن أن يشكّل مثالاً للشرق الأوسط والعالم في حقبةٍ يُرفَض فيها اللاجئون في كل مكان، وتفرض الأنظمة السلطوية حكمها بسطوةٍ وقسوة، وتتقاتل الدول على خلفية الدين، ويبدو العيش المشترك مستحيلاً، والتنوّع والتعددية في خطر. بعبارة أخرى، أصبح لبنان تجربة تستحق الاستكشاف.

يونغ: برأيكم، أين مارس اللبنانيون التأثير الأكثر ديمومة في أميركا اللاتينية؟

جليل: عندما وصلت غالبية المهاجرين اللبنانيين في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، كانوا يعملون في شكل أساسي في مجال التجارة. أراد معظمهم أن يحصل أولادهم على تعليم جيد، وهكذا نال الجيل الثاني شهادات جامعية في مختلف الميادين، إنما في شكل خاص في المهن الحرّة، مثل الطب والمحاماة. وبعض هؤلاء ممّن نالوا التحصيل العلمي قرّروا العمل في مهنة آبائهم، فحوّلوا متاجر صغيرة إلى مشاريع تجارية نابضة بالحياة. وأصبح آخرون صناعيين ومهنيين ناجحين وفنانين ورجال أعمال محنّكين.

على رغم أننا نجد اليوم المتحدّرين من أصل لبناني في جميع المهن التي يمكن أن تخطر في البال، إلا أن عدداً كبيراً منهم تفوّق في الفنون، مثل الموسيقى والآداب، وفي عالم الاستعراض، والطب والهندسة والهندسة المعمارية والقانون والاقتصاد والسياسة، وحتى في الميدان العسكري. كان للإكوادور أربعة رؤساء من أصل لبناني، في حين أنه كان لكل من كولومبيا وجمهورية الدومينيكان رئيس من أصل لبناني. وكان لجامايكا رئيس وزراء لبناني الأصل، والرئيس البرازيلي الحالي هو من أصل لبناني. ووالدة الأخوَين كاسترو في كوبا كانت لبنانية أيضاً.

هناك عددٌ كبير من الشخصيات المعروفة التي تتحدّر من أصل لبناني في أميركا اللاتينية، مثل الملياردير كارلوس سليم من المكسيك، وكارلوس غصن من البرازيل، والمغنّية شاكيرا من كولومبيا، والممثّلة سلمى حايك، من المكسيك أيضاً، وهذا ليس سوى غيض من فيض. لكن معظهم يتحدّرون من عائلات امتهنت ببساطة العمل التجاري في بداياتها، وهذا لا يختلف كثيراً عن تاريخ لبنان منذ زمن الفينيقيين.

يونغ: هل يمكنكم أن تستعرضوا بإيجاز شديد الموجات المختلفة لهجرة اللبنانيين إلى أميركا اللاتينية؟ إلى أين توجّه اللبنانيون، وفي أي حقبات تحديداً؟

جليل: موجة الهجرة الأولى والأكبر كانت بين 1860 و1915، وقد حدثت في شكل أساسي نتيجة النزاع الأهلي الذي اندلع في الجبل في العام 1860، ومن ثم المجاعة التي ضربت البلاد خلال الحرب العالمية الأولى. كانت الأرجنتين والبرازيل الوجهتَين الأكثر جاذبية في ذلك الوقت، في حين اختار كثرٌ أيضاً التوجّه إلى المكسيك وفنزويلا والإكوادور وكولومبيا. لكن في شكل عام، جاء عدد كبير من اللبنانيين إلى أميركا اللاتينية، من دون أن تكون لديهم وجهة محدّدة أو فكرة واضحة عن المكان الذي يقصدونه. وصل كثرٌ منهم إلى بلدان معيّنة عن طريق الصدفة، فاستقرّوا فيها وأسّسوا حياتهم هناك.

قدِمت موجة ثانية، وأصغر حجماً بكثير، بعد إنشاء دولة لبنان الكبير في العام 1920، واستمرّت حتى خمسينيات القرن الماضي. وقد تألّفت في شكل أساسي من أشخاص جاؤوا إلى أميركا اللاتينية لزيارة أنسبائهم، وكان يُفترَض بهم أن يمكثوا لفترة قصيرة، لكنهم لم يغادروا من جديد إلى بلادهم.

وحصلت موجة ثالثة من الهجرة خلال الحرب الأهلية اللبنانية، بين العامَين 1975 و1990. لكن في تلك المرحلة، لم تكن أميركا اللاتينية الخيار الأول، فقد فضّل عدد كبير من اللبنانيين الهجرة إلى فرنسا وكندا ودول الخليج والولايات المتحدة وأستراليا، بسبب غياب الاستقرار السياسي في شكل عام في أميركا اللاتينية، وتوافر آفاق اقتصادية أفضل في بلدان أخرى.

من الجوانب اللافتة في تلك المرحلة أنه في الموجات السابقة الكبيرة، كان المهاجرون إلى أميركا اللاتينية يتألفون بغالبيتهم الساحقة من المسيحيين. أما في الموجة الأخيرة الاصغر حجماً، فاللافت هو أن مجموعة من المسلمين (ولاسيما المسلمين الشيعة من جنوب لبنان) هاجرت إلى الباراغواي وكولومبيا وفنزويلا، في حين قصد بعض المسيحيين المكسيك والبرازيل.

يمكننا أن نضيف أنه في شكل عام، لم يتوجّه اللبنانيون الذين هاجروا بعد العام 1990 إلى أميركا اللاتينية، ما عدا استثناءات قليلة.

يونغ: هل لبنان هو في شكل أساسي ذكرى عزيزة بالنسبة إلى الأميركيين اللاتين من أصل لبناني، أقرب إلى مسألة فولكلورية جاذبة بفرادتها، أم أن هناك تفاعلاً حقيقياً ومستمراً؟

جليل: يسري لبنان في الحمض النووي للمغتربين، ويبدو أن هذا الشعور يتنامى بدلاً من أن ينحسر. هذا واضح للعيان في مشاعر الشباب المتحدّرين من أصل لبناني، وليس فقط من خلال رقصة الدبكة، بل يتجلّى بوضوح حتى لدى الجيل الخامس من المتحدّرين من أصل لبناني؛ أو في التأثّر الذي يبدو عليهم عند ذكر اسم لبنان أو التلويح بعلمه.

من المهم جداً الإدراك بأن الجالية الاغترابية ليست متطابقة في تركيبتها. فهي تضم أشخاصاً لم يزوروا لبنان قط، وبعضهم هاجر أجدادهم من لبنان منذ زمن بعيد، لكنها تضم أيضاً أشخاصاً وصلوا خلال الحرب اللبنانية وأحضروا معهم التأثيرات اللبنانية.

لا نعرف بحكم اليقين حجم الجالية اللبنانية في بلدان الاغتراب. رأيت أرقاماً كثيرة، وفي بعض الأحيان، لا أساس لها، أو تعتمد على التكهنات، أو احتُسِبت بطريقة خاطئة. لا يستند أيٌّ منها إلى بيانات موثوقة. ما نعرفه هو أن هناك مستويات مختلفة من الارتباط مع لبنان والتعلّق به، الأمر الذي يجب أخذه في الاعتبار من أجل الانخراط بطريقة فعّالة مع الجالية الاغترابية.

الحقيقة هي أن المغتربين يُبدون اهتماماً بلبنان عندما يحظى التفاعل المناسب بالتشجيع والترويج. فالرحلات إلى لبنان، والندوات التثقيفية، والأحداث والأنشطة الثقافية تحفّز المغتربين، عبر تقديم شروحات إليهم عن لبنان وعن مساهماته للعالم. هذا ما نحاول القيام به في مركز الدراسات اللبنانية في أميركا اللاتينية. نسعى إلى ربط لبنان بجاليته الاغترابية والعكس. حتى غير اللبنانيين يُبدون إعجابهم بلبنان وحبّهم له عند إخبارهم وتثقيفهم عنه. هذا جزء من رسالتنا أيضاً.

يونغ: كيف تستطيع الجالية اللبنانية في أميركا اللاتينية مساعدة لبنان، وكيف يستطيع لبنان مساعدة الجالية؟ مثلاً، في المسائل المتعلقة بالجنسية؟

جليل: ثمة علاقة رومنسية وشاعرية بين لبنان وجاليته الاغترابية في الاتجاهَين. هناك الكثير من الأساطير والمبالغات والغلو في التوقّعات. المطلوب أولاً هو إجراء دراسات دقيقة لتحديد حجم الجالية اللبنانية في بلدان الاغتراب وخصائصها، وتحقيق فهم أفضل لاهتمامات شرائحها المختلفة. لدينا الكثير من القواسم المشتركة، لكننا مختلفون أيضاً في طريقة تفكيرنا وفي تصرّفاتنا ومشاعرنا. "أولادكم ليسوا لكم..."، هكذا كتب جبران. العلاقة بين اللبنانيين والاغتراب أشبه بالعلاقة بين الأم وولدها. يجب أن يسود الاحترام المتبادل، إنما من دون أن تكون هناك محاولات لفرض أي شيء على الطرف الآخر. غادر المهاجرون لبنان بحثاً عن السلام والحرية والتنمية والازدهار. وقد نجح معظمهم، لا بل غالبيتهم الساحقة، على المستوى الفردي. اليوم، يناضل لبنان جماعياً سعياً وراء الآمال والأحلام نفسها كمجتمع، ويمكنه أن يُفيد من تجربة الاغتراب اللبناني، وروحه الحرّة التي ترفض المساومة، وإبداعه، ورصيده المثبَت في الإنجازات.

ويستطيع الاغتراب، بدوره، أن يساهم في ترويج رسالة لبنان ونشرها في العالم، والتي تتمثّل في أفكار العيش المشترك، والتنوّع، واحترام الاختلافات الثقافية والدينية. غالباً ما تمارس الجالية الاغترابية تأثيراً على مختلف المستويات في بلدانها – في التجارة والاقتصاد والسياسة والثقافة. وتستطيع أيضاً ممارسة ضغوط من أجل لبنان كلما كانت فكرة لبنان في خطر أو معرَّضة للتهديد من أيّ جهة كانت.

يونغ: هل يمكنكم أن تُحدّدوا أكثر؟

جليل: ينبغي على لبنان تعزيز تثقيف الجالية الاغترابية اللبنانية، ودعم الزيارات والتبادلات، وتنظيم فعاليات ثقافية مخصّصة تحديداً لإشراك الجالية. يرتدي ترويج اللهجة اللبنانية أهمية أساسية. ويتعيّن على لبنان تشجيع المعارف عن الأطباق اللبنانية مثلاً، وترويج خصائص المطبخ اللبناني وفرادته، كي لا يبقى مدرَجاً ضمن "المأكولات العربية" كما هو الحال الآن في أميركا اللاتينية. يجب أن يصبح لبنان "علامة مسجّلة"، والجالية الاغترابية في موقع يخوّلها أن تكون قوته التسويقية الأكثر ولاءً وتفانياً وانتشاراً.

غالباً ما أسمع الحكومة والسياسيين اللبنانيين يناشدون المغتربين الاستثمار في لبنان. إنها فكرة نبيلة، لكن المغتربين يعلمون أن الاستثمار السليم يتطلب استقراراً، وحكماً رشيداً، واستتباب سيادة القانون، ونظاماً قضائياً عادلاً، وغياب الفساد، والثقة بالنخب السياسية. وفي معظم الأحيان، يشعر المغتربون بأن هذه الظروف غير متوافرة في لبنان، أو لا يلمسونها بوضوح.

بالنسبة إلى الأميركيين اللاتين من أصل لبناني، الجنسية اللبنانية هي مدعاة فخر، وتقدير شديد، وتُمثّل، في نظر عدد كبير منهم، إثباتاً لنسبهم. لكن لا ينبغي استخدامها بمثابة أداة سياسية يستغلّها سياسيون عديمو الضمير يزعمون أنهم يمثّلون مصالح الاغتراب اللبناني. يجب أن يترافق الحصول على الجنسية اللبنانية مع التثقيف وتحقيق فهم أفضل عن لبنان. إذا حصل المغتربون اللبنانيون على حق الاقتراع في لبنان، الذي تمنحهم إياه الجنسية اللبنانية، عليهم أن يصوّتوا انطلاقاً مما تمليه عليه مصالحهم، وليس مصالح أحزاب سياسية لبنانية معيّنة. من شأن إشراك الجالية اللبنانية وحصولها على التمثيل أن يساهما في إغناء الحياة السياسية والدينامية الاقتصادية في لبنان، وفي نشر الفكرة الوطنية اللبنانية على نطاق أوسع زمانياً ومكانياً.

أخيراً، عندما نتحدّث عن الاغتراب والجنسية اللبنانية، من الضروري النظر في حق أولاد الأمهات اللبنانيات في الحصول على الجنسية. بموجب القانون المعمول به حالياً في لبنان، لا تستطيع المرأة اللبنانية إعطاء الجنسية لأولادها. بيد أن الاستمرار في تطبيق هذه المقاربة التي تآكلها الدهر، والتي تُمنَح بموجبها الجنسية اللبنانية لبعض المتحدّرين من أصل لبناني فيما تُحجب عن آخرين، يعني عملياً أن الاغتراب هو مجرد جزء ليس إلا من حجمه الحقيقي.