في الثاني من كانون الثاني (يناير) الماضي، أغلقت حكومة إقليم كردستان مكاتب "يزدا"، وهي منظمة غير حكومية في دهوك توفر دعماً حيوياً للأيزيديين الذين فروا مما يسمى "دولة اسلامية" في العام 2014. وقد بثّ إغلاق ابواب "يزدا" القلق في اوساط اليزيديين على مستقبلهم في أيدي قيادة حكومة كردستان الاقليمية، وهي قيادة تنزلق أكثر فأكثر الى الاستبداد. وأعادت هذه الخطوة تذكير اليزيديين بأنهم عالقون في شراك شد حبال بين الفصائل الكردية من جهة، وبين الاكراد والحكومة المركزية العراقية، من جهة أخرى.

ومذ ذاك، فتحت "يزدا" ابوابها من جديد، يبدو أن أحد أسباب إغلاقها يعود إلى مساعدتها 3 آلاف عائلة أيزيدية في جبال سنجار، وتوفير الغذاء وسلع حيوية أخرى لهم عبر برنامج الامم المتحدة للتنمية. وقد قيّدت حكومة إقليم كردستان دخول السلع الى سنجار- والمنطقة هذه موئل اليزيديين- مخافة ان تؤول الى أيدي الخصم المنتشر في المنطقة، اي "حزب العمال الكردستاني". ليست جبال سنجار، الممتدة على الحدود بين العراق وسورية، ميدان نزاع بين حكومة إقليم كردستان وحزب "العمال الكردستاني" وحسب. ففي عهد نظام الرئيس صدام حسين، شن الأخير حملةً "تعريب" في المناطق التي يهيمن عليها الاكراد، والتي يقطنها كذلك الأيزيديون الذين اعتُبروا حينها عرباً لا ينتمون الى الاتنية الكردية. فنقل الآلاف منهم من بيوتهم وقراهم في جبال سنجار الى وحدات منزلية جديدة أطلقت عليها أسماء عربية. وإثر سقوط نظام البعث في نيسان/ابريل 2003، صار شطر راجح من المناطق المُعَرَّبة موضع نزاع بين العرب والاكراد. ومذذاك، يدور قسم كبير منها في فلك دوائر نفوذ حكومة كردستان الاقليمية. وفي العام 2014، فاقمت هجمات "الدولة الاسلامية"- وهذه خلفت عدداً مروعاً من الضحايا وأضراراً مرعبة في موارد العيش والرزق- سوء أوضاع الإيزيديين. بعض هؤلاء يعتقدون أن قوات البيشمركة التابعة للحزب الكردستاني الديموقراطي، بقيادة مسعود برزاني، وهو كذلك رئيس حكومة إقليم كردستان، "انسحبت انسحاباً تكتيكياً" من جبال سنجار في 2014، وتركتهم لمصيرهم تحت رحمة "الدولة الاسلامية". ووحده تدخل "وحدات الحماية الشعبية"، الوثيقة الصلة بـ"العمال الكردستاني"، حمى الإيزيديين وحرر بلداتهم وقراهم.

نظرت تركيا وحكومة إقليم كردستان الى هذه الحوادث الطارئة بعين القلق. فالاتراك يناوئون تمدد "وحدات الحماية الشعبية" الى مناطق نفوذهم، وهم يعتبرون ان "وحدات الحماية" هي امتداد لـ"العمال الكردستاني" الذي شن طوال عقود تمرداً على الحكومة التركية. وعارضت كذلك حكومة كردستان الاقليمية "العمال الكردستاني" ونفوذه في منطقة سنجار. ولوّح الاتراك باحتمال طرد "الكردستاني" من منطقة سنجار، إذا اخفقت حكومة كردستان الاقليمية في وقف تمدده. وأصدرت الولايات المتحدة بدورها بيانات لا تغرد خارج سرب تركيا وحكومة كردستان الاقليمية، ووصفت انتشار "العمال الكردستاني" بأنه عائق يحول دون المصالحة وعودة الأيزيديين النازحين إلى منازلهم. وفي الاثناء، أعلن حزب "العمال الكردستاني"، انه سيتصدى لأي عملية عسكرية تستهدفه.

وبعثت هذه النزاعات السياسية التوتر بين هوية اليزيديين المركبة، فهم اتنياً اكراد، ولكن معتقدهم الديني خاص بهم (دون غيرهم). وهم يُعتبرون من الاتنية الكردية الناطقة بالكرمنجية، ولكنهم، في الوقت نفسه، يتمايزون عنها بديانة مختلفة. وهم طائفة توفيقية تدمج بين الزرادتشية واليهودية والمسيحية والاسلام، ويبجلون الطاووس ملك (رئيس الملائكة). وتقسّم بُنى اليزيديين الاجتماعية الطائفة الى ثلاث مجموعات اجتماعية يحظر الزواج فيما بينها، على رغم ترابطها واعتمادها المتبادل على بعضها. ويصبغ هذا التوتر بين هويتهم الاتنية (الكردية) وبين بنيتهم الاجتماعية ومعتقداتهم الدينية، النزاع على هذه الطائفة بصبغته.

ولذا، يترتب على مسألة هوية الطائفة الأيزيدية مضاعفات سياسية متباينة. فاللاعبون السياسيون من خارج هذه الجماعة يسعون الى تعريف ابناء الطائفة هذه تعريفاً يخدم أجنداتهم السياسية الخاصة.

وسلطت حكومة إقليم كردستان الضوء على الهوية الكردية لليزيديين، لأيزيديين، في خضم مساعيها لتوكيد حق الاكراد في المناطق المتنازعة التي يتحدرون منها. ودعم البرزاني الأيزيديين الذين طالبوا بحكم ذاتي في جبال سنجار. ويرى رئيس حكومة كردستان الاقليمية ان نسبه الأيزيديين الى الاكراد هو من سبل اعلان الحق في الاراضي المتنازعة هذه. ولكن ترجيح كفة "كردية" الأيزيديين يرمي كذلك الى استمالة تأييدهم للسلطات السياسية في حكومة إقليم كردستان، وهي غارقة في لجج ازمة سياسية واجتماعية – اقتصادية، في آن. ففي العامين الاخيرين، تعثر دوران عجلة هذه الحكومة. وانتهت ولاية البرزاني في اب/ اغسطس 2015، ولكن الانتخابات لم تُنظم لانتخاب رئيس جديد، في وقت لم يجتمع البرلمان الكردي الاقليمي منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 بسبب خلافات سياسية. وفي الاثناء، حجبت بغداد مستحقات حكومة كردستان الاقليمية المالية، رداً على سيطرتها الاحادية على قطاع النفط في كردستان. وهذا بدوره اجبر الحكومة على التزام اجراءات تقشف، منها تأخير دفع رواتب الموظفين المدنيين طوال اشهر. واجتاحت تظاهرات عدداً كبيراً من مدن كردستان العراق، وشارك فيها اطباء، واعضاء في الشرطة، ومعلمين، وغيرهم، في وقت تعاظمت هناك القيود على حرية التعبير، وقُتل في آب المنصرم صحافي يبدو انه كان على صلة بــ"حزب العمال الكردستاني".

وعلى خلاف حكومة إقليم كردستان، شددت الحكومة العراقية على هوية الأيزيديين العربية – العراقية، وهذا يخدم سردية الهوية العراقية الوطنية الجامعة، ويدعم في الوقت نفسه مطالبة الحكومة الفيدرالية بالسيطرة على المناطق التي يتحدّر منها الأيزيديون. وزاد من حدة موقفَ الحكومة المركزية إنزالُ الـ"حزب الديموقراطي الكردستاني" البرزانية، دماراً واسع النطاق بمنازل يملكها العرب في المناطق المحررة التي تم تحريرها من قبضة "الدولة الاسلامية". وأشارت تقارير الى ان الاكراد يستقرون في منازل العرب في المناطق هذه.

ولكن كثراً من اليزيديين يخالفون، اليوم، حكومة كردستان الاقليمية والحكومة العراقية، على حد سواء. فهم يسعون الى تعريف انفسهم كأقلية دينية وليس كحلقة من حلقات اتنية أوسع. ويرون ان ترجيح هويتهم الدينية هو سبيلهم الى الإعلان أن طائفتهم كيان مستقل بذاته. والصفة هذه (الكيان المستقل) تخولهم المطالبة بحق قوميتهم في الادارة الذاتية، وهو حق مكرس في المادة 125 من الدستور العراقي. وإبراز هويتهم الدينية هو، كذلك، سبيل الى ضمان حقهم في العودة الى مسقط رأسهم في قراهم، واستعادته من حكومة كردستان الاقليمية، التي أنكرت مثل هذه الحقوق على السكان العرب.

يفتقد الأيزيديون إلى الثقة بحكومة إقليم كردستان الاقليمية وبالحكومة العراقية، ولا يعولون على قدرتهما او رغبتهما في حمايتهم إذا ما تعرضوا الى هجوم مثل الذي شنته "الدولة الاسلامية" في 2014. ويعود، جزئياً، رفض لأيزيديين العودة الى بلداتهم ومدنهم المحررة أخيراً من "الدولة الاسلامية"،الى غياب الثقة هذا. وشعورهم بأن الجيران العرب خانوهم يؤجج غياب الثقة والارتياب.

ليس الأيزيديون وحدهم من يقلقون على مصيرهم في عراق ما بعد "الدولة الاسلامية". إذ يخشى شطر راجح من الاقليات في محافظة نينوى وقوعه ضحية التوترات بين بغداد وبين حكومة إقليم كردستان، مثلما يخشون من احتمالات اراقة الدماء في مجتمع يتعاظم طابعه العسكري. وتظهر أوجه كثير من مصير الأيزيديين أن مآل الهويات السياسية التي يسهل التلاعب بها لايقود سوى الى طريق مسدود. ومثل هذه الهويات، يعرَّض اليزديين الى خطر متعاظم، عوض ان يحميهم.