كان اختيار ريكس تيلرسون لمنصب وزير الخارجية الأميركي خطوةً غير تقليدية، كما كان معلوماً إلى حدّ كبير، قبل تنصيب دونالد ترامب، أنه سيواجه على الأرجح حملاً ثقيلاً من الأعباء. بيد أن خلفيته كرئيس تنفيذي لشركة "إكسون موبيل" مكّنته من امتلاك خبرة إدارية ملحوظة، إضافةً إلى اطلاع رفيع ومكثّف على مناطق تتمتّع بأهمية استراتيجية مثل الشرق الأوسط وأوراسيا. مع ذلك، تسنّم تيلرسون منصبه على الرغم من عدم وجود أي علاقة تربطه برئيس متقلب المزاج.

بدأت تُطرح منذ الآن أسئلة حول طريقة تعامله مع المنابر الإعلامية الرئيسة صعبة المراس والفريدة من نوعها، وحول كيفية تعاطيه على وجه الخصوص مع العملية الفوضاوية بين المؤسسات الحكومية. وأكثر من ذلك: أنه دبلوماسي يتولى منصباً قيادياً في إدارة يتعارض فيها الازدراء للدبلوماسية التقليدية والشك تجاه التحالفات التقليدية وتتبنى الحمائية التجارية، بشكل حاد مع الجمود المؤسسي للبيروقراطية التي يقود الآن، وربما مع حدسه الخاص.

وفي حين بدأت إدارة ترامب بطرح الخطوط العريضة للموازنة الفدرالية للعام 2018، ازدادت مهمة تيلرسون صعوبة. إذ اقترح مكتب الموازنة في البيت الأبيض تخفيضات في ميزانية وزارة الخارجية (وتضمّ أيضاً الوكالة الأميركية للتنمية الدولية) تصل إلى رقم مذهل هو 37 في المئة، وتنقسم بين التكاليف التشغيلية وبين محفظة المساعدات الخارجية. وتمثّل هذه الأخيرة على التوالي حوالى ثلث وثلثي ميزانية الوزارة السنوية التي تناهز 50 مليار دولار.

يمكن لأي موظف في وزارة الخارجية أن يفهم أن ثمة مجالاً لتحسين الكفاءة بشكل مجدٍ وخفض التكاليف، من خلال الحدّ من العمليات البيروقراطية المفرطة. لكن عملية كهذه يجب أن تُجرى بواسطة مَشْرَط، وليس بمطرقة ثقيلة. وفي هذا السياق، من شأن خفض الميزانية بنسبة 37 في المئة، أن يسفر بالتأكيد عن بروز سلك دبلوماسي أميركي ذي حضور عالمي متراجع إلى حدّ كبير، وقدرة أقل على دعم مصالح الولايات المتحدة في الخارج.

من أجل فهم مدى عمق المشاكل التي يواجهها تيلرسون، لاحظوا حجم الخفض الذي بلغ 13 مليار دولار من ميزانية المساعدات الخارجية السنوية البالغة حوالى 36 مليارا. وإذا أخذنا نفقات وزارة الخارجية للسنة المالية الفعلية 2016، نرى أن إدارة ترامب تشطب فرق السلام (410 ملايين دولار)، وحساب تحدي الألفية (900 مليون دولار)، كما قد تحدّ من جميع عمليات إغاثة المدنيين في حالات الكوارث (2.8 مليار دولار)، والمساعدات الإنمائية كافة (2.8 مليار دولار)، وكل أشكال الدعم الاقتصادي (4.3 مليارات دولار) في جميع أنحاء العالم. وهذا يقوّض إلى حدّ كبير قوة أميركا الناعمة ودبلوماسيتها العالمية العامة، ويهدّد عشرات الآلاف من الأرواح، ويؤثّر في ملايين آخرين. كما قد يشلّ قدرة أميركا على الاستجابة للأزمات العالمية المعقدة على غرار تسونامي العام 2004 في جنوب شرق آسيا، أو تفشي وباء الإيبولا في العام 2014 في غرب أفريقيا. وعلى الرغم من كل ذلك، سيبقى دون مستوى التخفيضات التي اقترحتها إدارة ترامب بملياريْ دولار.

جاءت ردود الفعل على اقتراح الموازنة من الكونغرس سريعة، وتفاوتت مواقف كبار المشرعين بين "الرفض الفوري" وبين القول إن "المساعدات الخارجية... أساسية لأمننا القومي". وكل هذه المواقف جاءت من الجمهوريين.

تيلرسون نفسه لم يرد علناً. لكن يُقال إن مذكرة داخلية في وزارة الخارجية ذكرت أن "قلقاً شديداً يساور [تيلرسون] بشأن توقيت وحجم التخفيضات، كما أنه سيطالب بعقلنة وتقليص حجمنا وهيكليتنا ولكن بطريقة تجعلنا أصغر وأكثر ليونة وفعالية".

وفقاً لتقرير آخر، أعرب تيلرسون عن "موافقته المبدئيّة" على خفض ميزانية وزارة الخارجية، بيد أنه يرغب في أن تستغرق العملية ثلاث سنوات، تبدأ باقتطاع نسبة 20 في المئة في السنة الأولى. وبغضّ النظر عمّا يجري خلف الأبواب المغلقة، يبدو أن ثمة شعوراً متنامياً في صفوف الموظفين العاديين في وزارة الخارجية بأن مديرهم (تيلرسون) قد نُحِّي جانباً، أو ما هو أسوأ من ذلك.

لم يبذل تيلرسون أي جهد واضح لبناء شهرة عامة – فقد مضى على تولّيه المنصب 47 يوماً قبل أن تعقد وزارة الخارجية مؤتمرها الصحافي الأول. كذلك، لم يسمح تيلرسون للصحافيين المعتمدين بمرافقته في جولته الآسيوية الأولى. لكن تيلرسون، حسبما يُقال، أكثر نشاطاً خلف الأضواء، إذ هو مٌنهمك في إجراء الاتصالات ومنخرطٌ على سبيل المثال في الجهود الحديثة التي أطلقتها إدارة دونالد ترامب حول سورية واليمن. وذكر دبلوماسيون أجانب أن تيلرسون قد حضّر أوراقه جيّداً استعداداً للاجتماعات المبكّرة التي جمعته بوزراء زائرين، وشارك فيها بشكلٍ مكثّف.

يبدو أن الوزير الجديد حذرٌ بطبيعته، وحريصٌ على تولّي زمام دوره الجديد كوزيرٍ للخارجية بتروٍّ، لتجنّب الانزلاق في مستنقع الهفوات والأخطاء العامّة باهظة الثمن التي قد يتورّط بها بسهولة كبار المسؤولين في واشنطن، ولا سيما أن إدارة ترامب تقبع حاليّاً تحت مجهر المراقبة المشدّدة. قد يكون من المنطقي بمكان ربما، بعد خلفه الذي اتّسم بنشاطه المفرط، أن يؤثِر تيلرسون الاسترخاء بعض الوقت، محاولاً دفع الدبلوماسيين الأجانب إلى زيارته، لعرض الثقل الدبلوماسي الأميركي.

لكن اللحظة الراهنة ليست مناسبة للتصرّف بدهاء وحذاقة، كما أن الوقت ليس حليف تيلرسون. فصمتُه العام على اقتراح ترامب التعسّفي بتخفيض ميزانية وزارة الخارجية، لم يكسبه الولاء داخل الجهاز البيروقراطي الذي يتولّى قيادته. وبعد حوالى شهرين على تولّيه زمام وزارة الخارجية، لمّا يرسم تيلرسون بعد معالم رؤيته للعالم، ولمّا يحدّد بعد الأولويات الدبلوماسية أو المؤسسية التي ينبغي إدراجها على جدول أعمال الوزارة.

في غضون ذلك، لا يجلس البيت الأبيض مكتوف الأيدي بانتظار انقشاع الغبار عن هذه المسألة. إذ يبدو واضحاً أن ستيف بانون، أبرز مستشاري ترامب للشؤون الاستراتيجية، جادٌّ ويعني ما يقول حين يتحدّث عن "تفكيك أركان الدولة الإدارية". بالطبع، يدرك البيت الأبيض خير إدراك أن التخفيض الذي سيطرأ على ميزانية وزارة الخارجية لن يقارب نسبة 37 في المئة، بفعل مقاومة الكونغرس بحزبيه الجمهوري والديمقراطي له. لكن اقتراح ترامب أعاد صوغ بنود النقاش، ووضع مؤيّدي الدبلوماسية الأميركية في موقع دفاعي، وزاد من احتمال أن تخلّف إدارة ترامب وراءها وزارة خارجية أضعف وأوهن بكثير مما هي عليه اليوم. فحتى تخفيض الميزانية بنسبة تتراوح من 10 إلى 15 سيلقي بظلاله بشكلٍ دراماتيكي على هذا الجهاز.

أرباب قطاع النفط في تكساس ليسوا خصوماً ضعفاء. ولذا، ربما آن الأوان كي يُظهر تيلرسون قدراً من العزم الذي لاشكّ أنه أبداه في السنوات الطويلة التي صعد خلالها سلّم قيادة شركة "إكسون موبيل". وإذا ما قرّر الانخراط في العمل مع موظّفي المكاتب التابعة لوزارة الخارجية الأميركية في سورية وروسيا على سبيل المثال، فلن يبقى خفيّاً على أحد في الوزارة بأن تيلرسون يقدّر خدمات الموظّفين. وإذا ما انتشر نبأ أن تيلرسون يجتمع مع أعضاء لجنة الاعتمادات في مجلس الشيوخ، فسيُدرك الجميع أنه يبذل قصارى جهده لمقاومة خفض الميزانية بنسبة 37 في المئة. وإذا ما سعى إلى توطيد أصر العلاقة مع زملائه الوزراء والصحافيين، فسيبدأ فوراً بتلقّي رسائل وديّة وسط الصمت المدوّي في "فوغي بوتوم" (مقرّ وزارة الخارجية الأميركية).

قبل ثلاثة أشهر، كان تيلرسون يقطف ثمار نجاحه الباهر ومنصبه الرفيع والمدرّ للربح، بصفته رئيس مجلس إدارة إحدى أكبر الشركات في العالم. أما الآن، فهو على قاب قوسين من التحوّل إلى الرجل الذي سيجري تحت أنفه إلحاق ضرر دائم بإحدى أهمّ المؤسسات الأميركية.