أعرب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال زيارته إلى الكرملين الأسبوع الماضي، لمضيفه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن المخاوف الشديدة التي تساور إسرائيل إزاء التقارير التي تتحدّث عن نيّة إيران بأن يكون لها حضور بحري على ساحل المتوسط في سورية، وسعيها إلى نشر عناصر من حزب الله وقوات أخرى موالية لها على مقربة من مرتفعات الجولان.

كانت هذه الزيارة الرابعة إلى موسكو في غضون 18 شهراً التي يقوم بها نتنياهو، الذي تجمعه علاقات وثيقة ببوتين وغالباً ما يتبادلان الأحاديث عبر الهاتف. لقد تعلّم المسؤولون الروس والإسرائيليون، على مر السنوات، أن يفهموا بعضهم بعضاً جيداً. لكن، كما قال المتحدث باسم بوتين إبان إنه الاجتماع، لم تُتّخَذ أي قرارات، ولم يكن متوقّعاً صدور أي قرار.

حتى فيما كان الزعيم الروسي يستقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي، كان الأسطول التابع لسلاح البحرية الروسي في بحر قزوين يستضيف بحّارة إيرانيين كانوا قد وصلوا إلى ميناء ماخاتشكالا في داغستان الروسية، في زيارة ودّية. وفي سورية، روسيا وإيران حليفتان عسكريتان. قدّمت السفن الروسية عرضاً مدهشاً لإمكاناتها المكتسبة حديثاً في تشرين الأول/أكتوبر 2015، عندما أطلقت صواريخ كروز من بحر قزوين لتعبر فوق أراضٍ إيرانية وتصيب أهدافاً في سورية. يتحرّك الروس جواً في سورية، في حين أن الإيرانيين ووكلاءهم يحاربون في البر إلى جانب قوات النظام السوري.

إذاً ما هو المسار الذي ستسلكه موسكو؟ بعد السيطرة على حلب في كانون الأول/ديسمبر الماضي، تحوّل التركيز في سورية نحو المقاربة الديبلوماسية. لقد فازت روسيا مبدئياً بالحرب، وتسعى الآن إلى الفوز بالسلم، في مهمة ليست أقل صعوبة من الأولى. من أجل المضي قدماً، استعانت موسكو أولاً بتركيا كشريك أساسي في جعل المعارضة السورية تقبل بهدنة وتنضم إلى المباحثات من أجل التوصل إلى تسوية سياسية في المستقبل. ثم شكّلت ثلاثياً ديبلوماسياً مع تركيا وإيران لدعم هذه المحادثات. واختارت أيضاً الأستانة، عاصمة كازاخستان، مقراً لهذه المباحثات، مع الإشارة إلى أن الرئيس الكازاخستاني نور سلطان نزارباييف صديق مقرّب لبوتين.

يدرك بوتين حق الإدراك أنه من أجل الفوز بالسلم في سورية، لا يكفي إيجاد أرضية مشتركة بين الأفرقاء السوريين، بل ينبغي أيضاً أن ينخرط الفاعلون الإقليميون المعنيون في عملية أخذ ورد شديدة التعقيد. والحالة التركية معبِّرة جداً في هذا الإطار. في أواخر العام 2015، وقع صدام مباشر بين السياسات الروسية في سورية والسياسات التركية، ما أسفر عن قيام تركيا بإسقاط مقاتلة روسية، وحدوث فتور في العلاقات بين البلدَين استمر سبعة أشهر. في الأسبوع الماضي، توجّه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى موسكو، إبان زيارة نتنياهو إليها، لوضع اللمسات الأخيرة على تطبيع العلاقات التركية-الروسية. وفي هذا الصدد، كان على أردوغان أن يتخلّى عن المطالبة برحيل الأسد، وقد أقرّ فعلياً بالدور المحوري الذي تضطلع به روسيا في سورية. وأـبدى بوتين من جهته تفهّمه الشديد للمخاوف الأمنية التركية.

في آب/أغسطس الماضي، بعد الزيارة الوفاقية التي قام بها أردوغان إلى سانت بترسبرغ، التزم الزعيم الروسي الصمت في موقف يعبّر عن موافقة ضمنية على الاجتياح التركي المحدود في شمال سورية، والذي كان الهدف منه منع قيام جيب كردي على طول الحدود التركية مع سورية. في كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير من العام الجاري، قصف سلاح الجو الروسي أهدافاً تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية في مدينة الباب دعماً للهجوم التركي عليها. وفي وقت سابق هذا الشهر، اجتمع رئيس هيئة الأركان العسكرية التركي ونظيره الروسي، بحضور رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، في أضنة في تركيا لتنسيق تحركات قواتهم. تفصل بضعة كيلومترات بين القوات الأميركية والقوات الروسية في بلدة منبج. ومع تقديم واشنطن وموسكو الدعم للأكراد، تسعى كلتاهما إلى منع الصدامات بين الأكراد من جهة وبين القوات التركية والقوات التابعة للنظام السوري من جهة ثانية.

يسلّط ذلك الضوء على الهدف الأساسي الذي تتوخّاه روسيا في مقاربتها العامة للمسألة. فهي لا تملك الموارد اللازمة من أجل الحلول مكان الولايات المتحدة في موقع القوة المسيطِرة في الشرق الأوسط – مع الإشارة إلى أن هذا العبء أصبح ثقيلاً على كاهل الولايات المتحدة نفسها - ولا تطمح إلى الحلول مكانها. بل إن موسكو تسعى إلى أن تكون في موقع الوسيط الذي يقيم علاقات جيدة مع مختلف الأفرقاء المعنيين، لكنها تتجنّب أن تصبح حليفاً أو خصماً كاملاً لأيٍّ منهم. الخلافات يمكن معالجتها وفقاً للشروط التي يرتئيها الكرملين مناسبة، كما حصل في الخلاف مع تركيا أردوغان. أما تحالفاتها فظرفية ومحدودة، ولا سبيل للمقارنة بينها وبين حلف شمال الأطلسي (الناتو) أو العلاقات الأميركية-الإسرائيلية. والدعم الذي تقدّمه روسيا للرئيس بشار الأسد مشروط، وحلفها مع إيران ظرفي.

تتعامل روسيا مع إيران باعتبارها لاعباً جدّياً، وعنيداً في معظم الأحيان، لا يمكن التعاطي معه باستخفاف. لا يكنّ أيٌّ منهما مشاعر ودّ عميقة للطرف الآخر. لكن عندما تلتقي مصالح موسكو وطهران، يمكنهما التفاعل بطريقة مثمرة. فقد تمكّنتا، عند التعاون معاً قبل عشرين عاماً عبر استخدام الوسائل الديبلوماسية، من التوصل إلى تسوية عن طريق التفاوض ساهمت في إنهاء الحرب الأهلية الدموية في طاجكستان التي تشهد استقراراً إلى حد كبير منذ ذلك الوقت. وفي سورية، التقى الجانبان حول مصلحة مشتركة في مساعدة الأسد على الدفاع عن نظامه في وجه معارضة مسلّحة. لكن يتوقّف الأمر عند هذا الحد.

يوافق الروس الذين لا يشاركون طهران جدول أعمالها الأوسع في المنطقة، على أنه يجب أن تكون إيران جزءاً من التسوية السورية، إلى جانب لاعبين إقليميين آخرين، منهم السعوديون. لعلهم يتمتعون بقدر كافٍ من الواقعية ليدركوا أن طهران ترغب في الحفاظ على رابط معيّن مع حليفها، حزب الله. بيد أنهم يدركون أيضاً أنه من شأن وجود عسكري تابع لإيران أو حزب الله في سورية، لا سيما على مقربة من مرتفعات الجولان، أن يشكّل مصدراً مستمراً للنزاع مع إسرائيل، ما يتسبّب بتقويض التسوية السياسية التي تبذل موسكو قصارى جهدها لإنجازها.

لا توافق روسيا موافقة كاملة على الآراء الإسرائيلية حول إيران. في الاجتماع الأخير مع نتنياهو، الذي عُقِد عشية عيد المساخر (بوريم)، أشار بوتين إلى أن إيران تستحق بأن يتم التعاطي معها بطريقة متّزنة بعيداً عن الانفعالات. غير أنه لموسكو تاريخٌ في التعامل بجدّية مع المصالح الأمنية الإسرائيلية. فقد امتنعت عن تزويد دمشق بصواريخ دفاع جوي من طراز "إس-300". ولم تعترض على الهجمات الجوية الإسرائيلية ضد أهداف تابعة لحزب الله داخل سورية. وعندما استقدمت سلاحها الجوي ودفاعاتها الجوية إلى سورية، حرصت منذ البداية على تأكيد التنسيق مع الإسرائيليين، تجنّباً للحوادث. وقد تكلّلت هذه المقاربة بالنجاح حتى الآن.

في مراحل لاحقة، تقتضي مصلحة موسكو إضفاء شرعية على وجودها الجوي والبحري في سورية بعد التوصل إلى تسوية سياسية. وفي حين أن وقف إطلاق النار لا يزال هشاً، يكتسب القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية زخماً. لكن يُحيط الالتباس بمستقبل سورية نظراً إلى أن القوى الخارجية ستواصل العمل داخل البلاد. في نظر موسكو، يجب أن تغادر جميع تلك القوى الأراضي السورية بعد التسوية – ما عدا روسيا نفسها التي منحها النظام السوري حقوق إنشاء قواعد لها في البلاد.

من غير الواقعي على الإطلاق أن نأمل بأن تضحّي روسيا بإيران كرمى لتقارب مع إدارة ترامب أو حتى لتحسين العلاقات مع إسرائيل. ستستمر روسيا في السعي لتحقيق مصالحها الخاصة في الشرق الأوسط، والتي تقتضي الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأفرقاء الأساسيين، بمن فيهم إيران. بيد أن موسكو تُطوّر أيضاً فهماً عميقاً للتوازنات الدقيقة في المنطقة التي لا ينبغي الإخلال بها. وبهذا المعنى، يُبدي الروس تعاطفاً واضحاً مع الوضع الإسرائيلي.