عمرو عادلي باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، يقطن في القاهرة ويتابع عن كثب التطورات الاقتصادية التي تشهدها مصر منذ انتفاضة العام 2011. وضع في العام 2016 دراسة بعنوان "النظام المصري ومعضلات إعادة تأسيس السلطوية"، قال فيها إن الأزمة الاقتصادية في مصر، والمطالب المتضاربة بين إجراء إصلاحات وحاجة النظام إلى استرضاء موظفي القطاع العام، ستمنع عبد الفتاح السيسي من توطيد ركائز الحكم السلطوي، إلا إذا مارس القمع على نطاق أوسع. ومؤخّراً، وضع عادلي دراسة أخرى بعنوان "أكبر من أن تسقط: الشركات الكُبرى المصرية بعد ثورة 2011". وهو وافق على إجراء هذه المقابلة لمناقشتها.

مايكل يونغ: ما الفكرة الرئيسة التي تتمحور حولها الدراسة التي نشرتها مؤخراً بعنوان "أكبر من أن تسقط: الشركات الكُبرى المصرية بعد ثورة 2011"؟

عمرو عادلي: تجادل هذه الدراسة بأن العلاقة بين الدولة المصرية وبين الشركات الخاصة الكبرى شهدت تحوّلات عميقة في أعقاب انتفاضة العام 2011، ما سيخلّف تداعيات كبرى، إنما غير مقصودة، قد تُفضي إلى منح الشركات الخاصة الكبرى استقلالية اقتصادية أكبر عن الدولة، بعد عقود من التداخل بين الثروات الخاصة وبين السياسة. تسلّط هذه الدراسة الضوء على هذه التغييرات، وتشي بإمكانية أن تؤدّي هذه الأخيرة دوراً إيجابياً على المدى البعيد في دفع القطاع الخاص إلى التوجّه أكثر نحو آليات السوق. وقد تُتوَّج هذه التغييرات بتبنّي أهداف جماعية ترمي إلى تطبيق إصلاحات قائمة على مبدأ تكافؤ الفرص لجميع الأطراف الفاعلة في القطاع الخاص، وإلى تعزيز الشفافية، عوضاً عن السعي إلى ترقية مصالح شخصية ضيّقة.

يونغ: من بين النقاط الأساسية التي تناولتها الدراسة هو التفاوت الكبير بين كلٍّ من علاقة نظام السيسي بطبقة رجال الأعمال وعلاقة نظام مبارك بهذه الطبقة. لماذا هذا التباين وما النتائج المترتبة عنه؟

عادلي: لم يحبّذ نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي المدعوم من الجيش عودة أصحاب الشركات الخاصة الكُبرى إلى الاضطلاع بدور سياسي مباشر كالذي كانوا يمارسونه خلال العقد الأخير من حكم مبارك. فالنظام الجديد حازمٌ على الحؤول دون إعادة تشكيل علاقات المحاباة والمحسوبية القديمة مع رجال الأعمال النافذين، بيد أن هذا لايعني أن ممارسات المحسوبية باتت اليوم أقل. واقع الحال أن النظام الحالي يبني شبكات جديدة مع رجال أعمال يعوِّل عليهم أكثر ويعتبرهم جديرين بالثقة، وتربطهم على وجه الخصوص علاقات وثيقة بالجيش. على خلاف نظام مبارك، تفتقر أيضاً القيادة الحالية إلى قنوات غير رسمية يُعتدّ بها تتعلق بالتنسيق والتواصل مع الشركات الخاصة الكبرى. كذلك، قد يعتبر السيسي أن التقارب بينه وبين الشركات الخاصة القديمة يشكّل عبئاً سياسياً عليه، إذ قد يثير ذلك الشبهات بأنه متواطئ معها في قضايا الفساد التي كانت السبب في فقدان نظام مبارك شعبيته، نظراً إلى النفوذ الواضح الذي مارسه رجال الأعمال داخل الحزب الحاكم والبرلمان والحكومة آنذاك. سيسفر موقف السيسي عن تداعيات عميقة. فمن جهة، لن تتوافر للشركات الكبرى المداخل الجاهزة إلى الريع من الدولة كما في السابق، ما سيجعلها أقل اعتماداً على الدولة ويجبرها بالتالي على التوجّه أكثر نحو السوق. ومن جهة أخرى، إذا ما ذهب الأزلام الجدد للنظام بعيداً في تجاوزاتهم مستقبلاً، قد تقرّر شبكات الأعمال القديمة ترقية قيم السوق الحرّ والشفافية دفاعاً عن مواقعها وحصصها في السوق.

يونغ: عقب انتفاضة العام 2011، تبدّل موقف الأنظمة المصرية المتعاقبة تجاه الشركات الكبرى وسط استمرار الأزمة الاقتصادية في مصر. لماذا برأيكم؟ وهل يُعتبر سلوك النظام الجديد ناجحاً أم فاشلاً؟

عادلي: مع تدهور الوضع الاقتصادي في مصر بشكل ملحوظ بعد العام 2011، اعترفت الأنظمة المتتالية بأهمية دور الشركات الخاصة الكبرى في مجال إنعاش ونمو الاقتصاد وجذب الاستثمارات الأجنبية. ويدلّ هذا على أن الشركات الكبرى في مصر لاتستهدف مجرد كسب الريع والسرقة، بل تلعب أيضاً دوراً أساسياً يؤثر في العافية العامة للاقتصاد المصري. بيد أن هذه المواقف الإيجابية لم تكن كافية لتشجيع الشركات الخاصة الكبرى على استئناف نشاطها بقدر مشابه لما كان عليه في الفترة التي سبقت العام 2011. وهنا يمكن الاستشهاد بالقول المأثور "رأس المال جبان". فقد دفعت الاضطرابات السياسية والأداء المتدهور للاقتصاد الكلي، ولاسيما في ما يتعلق بالتضخم وأسعار صرف العملات الأجنبية، وانعدام اليقين بالسياسة العامة، الشركات الخاصة إلى الامتناع عن الاستثمار في الاقتصاد. حاول النظام الحالي الحدّ من الدور السياسي الذي تضطلع به الشركات الكبرى، بينما أقدم على توسيع نطاق جميع الضمانات والحوافز المقدمة إليها لاستئناف أنشطتها الاقتصادية. يكون ذلك إيجابياً على المدى الطويل إذ يرسم حدوداً تفصل بين ما هو اقتصادي وما هو سياسي، وبالتالي يتيح الفرصة لتخصيص أكثر كفاءة للموارد ولتدخل سياسي أقل مباشرة من قبل الدولة لصالح أصحاب الارتباطات السياسية.

يونغ: هل من دور سياسي يلعبه أصحاب الشركات الكبرى، كما كان الوضع في عهد مبارك؟

عادلي: يُستبعد أن يكون لأصحاب الشركات الكبرى مجدداً دور مهيمن وواضح في صنع القرارات الاقتصادية كما كان الوضع خلال العقد الماضي في عهد مبارك. فأقطاب الأعمال المسيسون على غرار نجيب ساويرس أو أحمد عز، غير مرحب بعودتهم إلى الحياة السياسية، إذ يُنظر إليهم على أنهم منافسون من قِبَل النخب العسكرية والبيروقراطية الجديدة، أو على أنهم عبء على النظام السياسي ككل لإثارتهم شكوك العامة حول أمور تتعلق بالمحسوبية والفساد.

يونغ: كل الدلائل تشير إلى أن الاقتصاد المصري لايتحسّن. إلى أين يتجه برأيكم وكيف سيؤثر ذلك على دور الشركات الخاصة الكبرى خلال السنوات المقبلة؟

عادلي: نعم، الاقتصاد لايُظهر مؤشرات التعافي التي طال انتظارها، على الرغم من تدابير التقشف المؤلمة وارتفاع معدلات الدين الخارجي. أعتقد أن الأمور ستزداد سوءاً خلال العام المقبل أو العامين المقبلين، قبل أن تبدأ بالتحسُّن، هذل إذا حدث تحسُّن. لسوء الحظ، تعافي مصر مرتبط بإعادة تنشيط قطاعات السياحة وقناة السويس والتصدير والاستثمار الأجنبي في قطاع النفط، فجميعها تُدر على البلاد العملات الأجنبية التي هي بأمس الحاجة إليها. وتعتمد هذه العوامل على العديد من العناصر غير الاقتصادية، كالأمن والاستقرار السياسي في مصر وفي المنطقة الأوسع، فضلاً عن سلامة الاقتصاد العالمي. في هذا السياق، ستواجه الشركات الكبرى صعوبات، لكن من المستبعد أن يتم إخراجها من السوق، نظراً إلى الموارد والأنشطة الكبيرة العابرة للحدود الوطنية التي طوّرتها على مدى العقدين الماضيين. وفي الواقع، لابدّ من أن يزداد اعتماد الدولة على هذه الشركات الكبرى في التعافي الاقتصادي، وذلك بفضل قدرتها على زيادة الصادرات وعائدات السياحة، فضلاً عن جذب الاستثمارات الأجنبية.