تشارلز ليستر باحث أول في معهد الشرق الأوسط في واشنطن. يتركّز نشاطه، في المقام الأول، على الصراع في سورية والقضايا المرتبطة به، كقضايا الإرهاب والمعارضة المسلحة. يدير ليستر، منذ أيلول/سبتمبر 2016، مشروع معهد الشرق الأوسط لمكافحة الإرهاب. قبل ذلك، كان باحثاً زائراً لدى "مركز بروكينغز الدوحة"، والمنسّق الرئيس لما يقارب ثلاثة أعوام من الانخراط المباشر والكثيف مع قيادات أكثر من مئة جماعة سورية مسلحة، كممثل لمبادرة الحوار السوري (المسار الثاني) التي تحظى بدعم دولي متعدد الأطراف. وسبق أن شغل ليستر أيضاً منصب رئيس قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مركز "أي أتش أس جاينز" للدراسات حول الإرهاب وحركات التمرد ومقره لندن. وكتابه، الذي حظيَ بتقدير النقاد "الجهاد السوري: القاعدة، الدولة الإسلامية، وتطورات الانتفاضة" (The Syrian Jihad: Al-Qaeda, the Islamic State and the Evolution of an Insurgency)، هو من منشورات جامعة أوكسفورد في شباط/فبراير 2016. ونشر أيضاً كتاباً يحمل عنوان "الدولة الإسلامية: مقدمة موجزة" (The Islamic State: A Brief Introduction)، (منشورات بروكينغز 2015). ويعمل حالياً على إنجاز كتاب ثالث عن سورية، بتكليف من منشورات جامعة أوكسفورد. أجرت مدونة ديوان المقابلة مع تشارلز ليستر في منتصف آذار/مارس 2017.

مايكل يونغ: القوات الخاصة الأميركية انتشرت شمال سورية ملوّحة بالأعلام. وقبل فترة وجيزة، شاركت طائرات أميركية في عملية استعادة تدمر. هل تنزلق الولايات المتحدة إلى أعماق المشهد المعقّد في سورية؟

تشارلز ليستر: إن أردنا الاختصار، فالإجابة هي نعم. ما يحدث الآن هو تحوّل في الأهداف، غالباً مايُفضي إلى التزام طويل المدى، وهذا التحوّل يجري بوتيرة متصاعدة السرعة. لكن لايجب أن يندهش أحد. فعدم الاتّساق والتردد في السياسات الأميركية تجاه بشار الأسد، هما أصل المشكلة في سورية، منذ العام 2011، والتركيز، وفق رؤية متزايدة الضيق، على مكافحة الإرهاب مع تجاهل الديناميكيات المرتبطة به، معناه أن الولايات المتحدة ساهمت على نحو مباشر في تخليق حالة معقدة تجد نفسها الآن مرغمة على التعاطي معها. وفي ما يتصل بالسياسات الخارجية والأمنية، كان من الضروري، دائماً، أن تعالَج القضية السورية باعتبارها أوسع بكثير من كونها مجرد قضية إرهاب. لكن إدارة أوباما قاومت التعاطي مع جذور المشكلة في سورية، لأن من شأن ذلك أن يجعل من الضروري تبنّي مقاربة أكثر إقداماً وأشد مخاطرةً وهو ما كان، ببساطة، أمراً تنفر منه قواعد سياستها الخارجية.

الصراع في سورية كان معقّداً من البداية، ولم تكن هناك أبداً "خيارات طيبة". لكن ما شهدنا تناميه منذ التوسّع المذهل للدولة الإسلامية عند انتصاف العام 2014 هو ظهور سياسة ظلّت، حتى بعض الوقت، تعطي إلحاق الهزيمة بالدولة الإسلامية أولوية عليا تسبق أي شيء آخر. ولاشك في أن وحدات حماية الشعب الكردية طرحت نفسها كفرصة مؤاتية بوسعها مساعدة الولايات المتحدة عبر إجبار الدولة الإسلامية على التراجع في سنجار، ثم في شمال شرق سورية. ولاشك في أن وحدات حماية الشعب الكردية أنجزت أداءً نموذجيا، بإلحاقها الهزيمة بالدولة الإسلامية في مختلف المناطق ذات الأغلبية الكردية في شمال شرق سورية. ثمّ أنه لاشك أخيراً في أن التيار الرئيس في المعارضة السورية المناهضة لبشار الأسد، لم يكن يتمتع خلال الأعوام 2014 و2015 و2016 بموقع يساعده على الانخراط بكليته في العملية المُسندة أميركيا، المضادة للدولة الإسلامية. لكن ذلك لايعني أن المسار الذي اختارته الولايات المتحدة كان المسار الصحيح.

سواء رضيت الولايات المتحدة أو لم ترض عن تركيا وعن سياستها إزاء سورية آنذاك (من المؤكد أنه كان ثمة مايبرر عدم رضاها حينئذ)، كانت أنقرة، ولاتزال، كونها عضواً في حلف شمال الأطلسي حليفاً رئيسياً لواشنطن. والقرار الأميركي بتعاون لايشوبه تحفظ مع قوات حماية الشعب الكردية، مع تجاهل فاقع لحقيقة أن هذه الجماعة تمتد جذورها إلى حزب العمال الكردستاني، كانت بمثابة طعنة خنجر لتركيا في أخطر نقطة لديها وأكثرها حساسية. فلاشيء يزاحم حزب العمال الكردستاني على موقعه في سياسات الأمن القومي في تركيا. وبتقديمه دعماً، يكاد يكون غير مقيّد بأي تحفظ، لفرع هذا الحزب في سورية، ساهمت الولايات المتحدة في تعزيز قضية منظمة موصومة بالإرهاب. لكن ذلك لايعني أن الولايات المتحدة لم يكن ينبغي لها أن تستخدم وحدات حماية الشعب الكردية، كحليف، ضد الدولة الإسلامية.، بيد أنه كان يتعيّن عليها وهي تفعل ذلك، من البداية، أن تحقق لهذه الشراكة التوازن الذي ينبع من سياسة تدعم الحرب طويلة الأمد التي تخوضها المعارضة ضد الدولة الإسلامية. كان يتعيّن على الولايات المتحدة أيضاً أن تعلّق هذا كله على أساس أن تركيا قد تستدير باتجاه الوفاق مع حزب العمال الكردستاني. كان هذا أمراً يصعب تسويغه، لكن من المؤكد أنه كان سيصبح خياراً أفضل وكان يمكن أن تكون تأثيراته غير المباشرة أقل درامية مما لدينا الآن.

وما نراه يحدث في منبج اليوم، انبعث مباشرةً من الرؤية قصيرة المدى في صناعة القرار الأميركي، ومن الرغبة في "دحر" الدولة الإسلامية ثم "التعامل مع البقية" لاحقاً. لكن من المؤسف أن العالم لاتسير أموره على هذا النحو. وبالتأكيد، الأمور في سورية لاتسير على هذا النحو. يتعيّن أن يبقى إلحاق الهزيمة بالدولة الإسلامية أولوية، لكن ليس الأولوية الوحيدة. في خاتمة المطاف، ليس في وسع الولايات المتحدة أيضاً أن تتحوّل باهتمامها بعيداً عن السبب الرئيس وراء ديناميكيات عدم الاستقرار في سورية: نظام الأسد. فلم يكن الأسد أبداً، ولن يكون أبداً، البديل الأفضل عن الدولة الإسلامية. والفكرة القائلة إن علينا أن نختار بين الاثنين هي خطأ بائن. صحيح أن انتصار المعارضة لم يعد وارداً، لكن الحل الوسط يُعَد الطريق الوحيد للحد من احتمال مزيد من التفتت الذي قد يمضي بسورية إلى الفوضى في 2017-2018؛ فوضى يصعب أن نتصوّر "ما يفوقها سوءا".

يونغ: رأينا رؤساء الأركان الأتراك والروس يجتمعون في 7 آذار/مارس في أنطاليا لتنسيق عملياتهم في سورية. لماذا شعروا بضرورة أن يفعلوا ذلك، وكيف ترى محصلة تنسيق كهذا، بالنظر إلى تباين أولويات الجانبين؟

ليستر: طوال الأشهر الستة/التسعة الأخيرة، بقيت الولايات المتحدة في خلفية المشهد السوري العام. وإذْ لم تعد تركيا قادرة على احتمال ما اعتبرته ضعفاً أميركيا، أعطت أولوية للتعاطي مع الأخطار المباشرة على أمنها القومي (الدولة الإسلامية ووحدات حماية الشعب الكردية)، ووجدت مساحات مشتركة للتنسيق مع روسيا. وحقق ذلك نتائج طيبة للغاية للبلدين، على الأقل حتى وقت قصير مضى.

لكن الريف شماليَّ حلب أصبح بيئة معقّدة للغاية، تتنافس للسيطرة عليه قوات سورية الديمقراطية المدعومة أميركيا، والمعارضة التي تحققت منها الولايات المتحدة والتي تسندها تركيا، والجيش السوري، والقوات المسلحة الروسية، وعديد الجماعات الشيعية المتشددة المُسْندة إيرانيا، والدولة الإسلامية. تتقاطع الولاءت والتنافسات بين هؤلاء اللاعبين، والولايات المتحدة هي البلد الوحيد الذي لديه علاقات مع عديد من القوى المتصارعة مع بعضها البعض.

اجتماع أنطاليا كان حدثاً جرى الترتيب له، لكنه جاء في وقت مهم وضاغط، إذ اعتمد الهجوم المُسْند أميركياً على الرقة، اعتماداً جذريا، على الكف عن المواجهات حول منبج. وتؤدي القوات الأميركية الآن دور قوات حفظ السلام على أحد جانبي جبهة منبج، في حين حوّلت قوات سورية الديمقراطية المُسندة أميركياً مساحة من الأرض إلى سيطرة الجيش السوري وروسيا، كمنطقة عازلة على الجانب الآخر. في بعض الحالات، يبدو أن بعض مقاتلي قوات سورية الديمقراطية اكتفوا بتغيير بزاتهم وبدأوا بتحديد هوياتهم كرجال ميليشيات موالية للنظام. وها نحن نرى قوات روسية وقوات تابعة للنظام تعمل داخل منبج ذاتها، كما نرى تعاوناً مباشراً بين الروس وبين وحدات حماية الشعب الكردية في مدينة عفرين ذات الأهمية الاستراتيجية، في الغرب. لطالما اتهمت المعارضة السورية وحدات حماية الشعب الكردية وقوات سورية الديمقراطية بأن لهما علاقة مُلتبسة ومثيرة للشكوك مع نظام الأسد وروسيا، ويبدو أن الأحداث في منبج وغيرها تُبرر مثل هذه المخاوف. وأكثر من ذلك، معلوم أن عدداً لايستهان به من صنّاع السياسات في البيت الأبيض وغيره من مؤسسات الحكم في الولايات المتحدة يدرسون استراتيجيةً يمكن أن تهني استيلاء قوات سورية الديمقراطية على الرقة وتسليمها إلى "مجلس" يُتَّفق على تشكيله مسبقا. هي استراتيجية نحسب أنها قد تنتهي إلى اقتسام السلطة أو إلى تسليمها إلى الأسد أو الروس، أو الاثنين معا.

وإن ظن أحد أن هذا هو ما يعنيه إنزال الهزيمة بداعش فهو واهم على نحو خطر. إذ هناك فارق بين إحراز انتصارات عسكرية تكتيكية وبين تحقيق نجاح استراتيجي. ففي وسع كل من يمتلك مايكفي من القوة العسكرية والاستخباراتية أن يُجبر قوة إرهابية على الخروج من منطقة ما، لكن الفوز بذلك النصر التكتيكي لايضمن ألا تعود الدولة الإسلامية في طبعة ثانية، مجدداً، بقصد الانتقام. حضرنا عرضاً لمثل هذا التطوّر بالفعل، في العراق. وسواء أردنا أن نقبل بذلك أم لا، فدحر الدولة الإسلامية أو القاعدة يتمثّل، أساساً، بالفوز في التنافس مع سرديةٍ ونموذجِ حكم. الجماعات الجهادية قد تكون وحشيةً وقمعية على نحو مخيف، لكن يمكن أن يوصف سلوك الأسد وروسيا في السنوات الأخيرة بذلك أيضاً أو بما هو أسوأ. ليس في وسعك أن تستبدل ديكتاتورية قمعية بأخرى، آملاً أن يلي ذلك الاستقرار.

يونغ: تبدو الدولة الإسلامية في وضع الدفاع، في شمال سورية والعراق. ويُفْهم من بعض التقارير أن قيادتها انتقلت باتجاه الحدود السورية– العراقية، في منطقة دير الزور والبوكمال. ماهي الخيارات المتاحة أمام التنظيم في هذه المرحلة؟

ليستر: من حيث الجوهر، الدولة الإسلامية حركة إرهابية متمردة، بقيت على قيد الحياة في الصحارى ذات الغالبية السنّية، في شرق العراق وفي غرب سورية. كانت السيطرة واسعة النطاق على المناطق الحضرية وحُكمها هو التحدي الذي جعل القاعدة في العراق والدولة الإسلامية في العراق تتعثران. وبالمثل، تكرر هذا الضعف الوجودي نفسه لدى الدولة الإسلامية. فقد احتفظ هذه الجماعة والمنظمات التي مهدت لظهورها في دير الزور، لقرابة خمسة عشر عاما، بصلات عميقة، وبنية لوجستية وتدريبية، وشبكات تجنيد، وبقي خيار "التراجع إلى الصحراء"، دائماً، خيارها في حال الانسحاب. والتساؤل عما إذا كانت الجماعة تُنفّذ هذا الانسحاب بغرض السيطرة الواضحة على أرض في تلك المنطقة هو تساؤل حول قضية أكاديمية، حيث أن الجماعة على دراية عميقة أيضاً بعمليات التأثير المستتر، واختراق البُنى الاجتماعية، وديناميكيات السلطة. فالدولة الإسلامية حكمت الموصل في الليل، لسنوات، قبل استيلائها على المدينة عند انتصاف العام 2014، وفي وسعها فعل الشيء نفسه، مرة أخرى، في البوكمال، والقائم، والميادين، وغيرها من المدن، على امتداد نهر الفرات.

من المرجح أن تسعى الدولة الإسلامية أيضاً إلى ترسيخ حضورها في سورية الجنوبية، حيث يكون في وسعها استغلال قوى المعارضة السورية التي أصيبت بإحباط عميق لأن الأردن يخنق رغبتها في مواصلة القتال ضد الأسد. وسواء كانت الدولة الإسلامية، والجماعة التي تمثّل واجهتها هناك، وهي جيش خالد بن الوليد، يأخذان مجنديهما من تلك الدوائر أم كان الأمر بخلاف ذلك، إلا أن الأمر يبدو أشبه بمحصلة مُحَتّمة. فمن شأن ذلك أن يُعزز قدرات الدولة الإسلامية على فرض السيطرة والحكم علناً على أرض وشعب. لكن ذلك سوف يزيد اهتمام الإعلام بالجماعة أيضا، بالنظر إلى قرب هذه المناطق من حلفاء رئيسيين للولايات المتحدة، مثل إسرائيل والأردن. تتردد همسات بأن الأردن هو نفسه يسعى إلى تصعيد الضربات عبر الحدود ضد الدولة الإسلامية، مامن شأنه، في الحقيقة، أن يخلق مزيداً من تشجيع ديناميكيات تغيير المواقع لدى المُحبطين داخل جماعات المعارضة السورية، ليتمكنوا من مواصلة نضالهم المسلح، حيث أن تحركاً أردنياً كهذا قد يحول دون مزيد من المساندة لمعارضي الأسد في الجنوب.

يونغ: هل ترى أن الدولة الإسلامية قد تفعل شيئاً آخر؟

ليستر: نعم. من المحتمل أن تسعى إلى تنفيذ هجمات واسعة النطاق ولافتة لانتباه الإعلام في تركيا، ولبنان، والأردن في وقت لاحق من هذا العام، خاصة وأن الحاجة إلى إثبات "النجاح" تصبح أكثر اعتماداً على عمليات خارج "دولتها"، أي تلك الرقعة من الأرض التي تواصل الانكماش. من المعروف جيدا، في دوائر المعارضة، أن الدولة الإسلامية أخلت ما لا يقل عن 150 من ناشطيها من حلب الشمالية، على امتداد الشهور الـ12 الماضية وأعادتهم نحو لبنان. بعضهم توّرط في حوادث عنيفة في القاع في حزيران/يونيو من العام 2016. وبالمثل، سعت الجماعة إلى تجنيد عناصر في عمق الأردن، حيث ينحاز السلفيون الجهاديون بقوة إلى القاعدة وجبهة النصرة (وهي الآن هيئة تحرير الشام، وقبل ذلك جبهة فتح الشام).
أخيراً، قد يبدو منطقياً أن تُطلق الدولة الإسلامية بعض الخلايا الصغيرة من المقاتلين، أو أن تنشط الخلايا النائمة الموجودة في بيئات حضرية في سورية، لتنفيذ تفجيرات واسعة النطاق وللتمهيد لحملة لزعزعة الاستقرار، على غرار تلك الحملات التي نُفذت في العراق في الفترة ما بين 2009 و2014.

قد تتصاعد الاغتيالات، والهجمات بالقنابل، وعمليات الخطف، وإطلاق النار من داخل سيارات تتحرّك بسرعة، في مناطق أُجْبرت الدولة الإسلامية، كمنظمة، على إخلائها في الشهور والسنوات الأخيرة.

يونغ: وفقاً لما تفكر به، من الذي سيأخذ مدينة الرقة، في نهاية المطاف؟

ليستر: في اللحظة الراهنة، لا أرى أي سيناريو سوى ذلك الذي تنتهي فيه قوات سورية الديمقراطية إلى إطلاق عملية، تساندها عناصر عسكرية أميركية من قوات العمليات الخاصة وأخرى تؤمن المساندة بالنيران لتحييد الطرف الآخر. وما أعنيه هنا هو حملة بقيادة وحدات حماية الشعب الكردية، مع قوة كبيرة من ميليشيات القبائل العربية. من الممكن أيضاً أن تنتهي القوة الجوية الروسية إلى المساعدة في هذا الهجوم على الرقة– على نحو مباشر أو غير مباشر- عبر استهداف مسالك النقل والإمداد القليلة المتبقية للدولة الإسلامية في المنطقة المحيطة. قد يبدو اندفاع نظام الأسد جنوبي الباب، باتجاه الثورة، جزءا من "سباق" على الرقة، لكن، في كل الأحوال، استمرار تحركه سيساعد أيضاً على إضعاف قدرة الدولة الإسلامية على وقف التقدم المُسند أميركياً باتجاه الرقة.

في حدود ماقد يترتب على الأحداث في حلب الشمالية، خلال الأسابيع المقبلة، لا أستبعد احتمال أن تنفّذ تركيا هجمات إشغال على مواقع قوات سورية الديمقراطية في المنطقة، سواء حول منبج أو أماكن أخرى. تركيا تواصل تدريب مقاتلي المعارضة لشنّ هجوم مخطط له عبر الحدود، على منطقة تل أبيض التي تسيطر عليها قوات سورية الديمقراطية، مامن شأنه أن يُضْعف، على نحو بالغ، قدرة الأميركيين على الاعتماد على جهوزية قوات سورية الديمقراطية للهجوم على الرقة. هذه إحدى الأوراق القليلة التي خلفتها وراءها تركيا، وإن كانت هذه الورقة مثار خلاف عميق، ويمكن أن تُلحق مزيداً من الضرر بسمعة تركيا في دوائر صنّاع السياسات الأميركية.

وبافتراض أن هذا كله، أو مجرد جزء منه، سيحدث، ستواصل العلاقات الأميركية – التركية تدهورها، وسياسات التحوّط التركية، التي ظهرت في الآونة الأخيرة في سورية. وهذا قد يُفضي إلى إحاطة مرحلة التثبيت، ضدّ الدولة الإسلامية، بأوضاع أكثر اضطراباً. ربما تكون المعارضة السورية المسلّحة تلقت ضربة قاسية بخسارتها حلب في كانون الأول/ديسمبر 2016، لكنها تبقى حركة قوامها 80 ألف إلى 100 ألف رجل مسلحين تسليحاً كثيفاً ويشعرون بمرارة عميقة. لن يجتاح أحد دمشق في المستقبل المنظور، لكن تلك الحقيقة على الأرض سوف تطرح العديد من المعوقات المُربكة في الشهور المقبلة، من دون أن يكون لذلك علاقة بالصراع المسلّح على الرقة.

يونغ: في شمال غرب سورية، في محافظة إدلب، نرى جبهة فتح الشام وقد شكّلت ائتلافاً مع جماعات أخرى لتأسيس هيئة تحرير الشام. وكرد فعل على محادثات الأستانة، ولخوفها من أن تضرب الفصائل المسلحة الأخرى حولها سياج عزلة، هاجمت فتح الشام تلك الجماعات. فما هو الموقف اليوم في إدلب، وهل تتفق مع ما يذهب إليه البعض من أن هذه هي بداية النهاية لجبهة فتح الشام؟

ليستر: لا تزال إدلب تحاول استعادة هدوءها بعد الأحداث الأخيرة. ولايبدو لي البتة أن هذه هي بداية النهاية لجبهة فتح الشام، أو لهيئة تحرير الشام، أو لمشروع القاعدة في سورية، وإن كنت أجزم بأننا في مرحلة انتقالية تشهد تحدياً لطبيعتها ولمسار استراتيجية اللعبة المطوّلة التي تتبعها. النتيجة الأكثر أهمية، من الناحية الاستراتيجية، التي تترتب على ما نشهد تجسده منذ كانون الثاني/يناير في إدلب، تتمثّل بما أحب أن أدعوه "الفرز الكبير"، حيث ترغم الشروطُ والتحولاتُ اللاعبين على أن يختاروا، بوضوح أكبر، بين الانحياز إلى الأخضر الثوري أو الأسود الجهادي. وقد ظهرت بعض منافع استراتيجية التفاعل الاجتماعي والتغلغل، التي اتبعتها جبهة النصرة، التي صارت جبهة فتح الشام، بقبول جماعات مثل نور الدين الزنكي ومايقارب 1000 عنصر من متشددي أحرار الشام بالانخراط تحت لواء هيئة تحرير الشام. لكن ذلك كشف أيضاً عن جوانب سلبية، إذ أن ما لايقل عن 90 في المئة من أحرار الشام– الحليف العسكري القديم والقيّم الذي لطالما كان عوناً لجبهة النصرة، وبعد ذلك لجبهة فتح الشام– رفضوا، على نحو متكرر وأحياناً عنيف، الانضواء تحت المظلة الجهادية. ربما يعود ذلك إلى تفاصيل صغيرة ليست بذات الأهمية بالنسبة إلى الجمهور العام، لكن ماترتب على الرفض هو، حتى الآن، بالغ الأهمية.

من ذلك أنه يفنّد الخرافة التي تقول إن جبهة النصرة ضمنت ولاء جميع مكونات المعارضة السورية. بدلاً من ذلك، يعني هذا ضمناً، أن الأهمية العسكرية للجماعة الجهادية لايمكن أن تترجم إلا إلى قدر محدود من الوحدة البنيوية الأعرض. وقضية "توحيد الصفوف" هذه تقع في بؤرة اهتمام جبهة النصرة، منذ فترة طويلة. لا بل في الحقيقة، هي تمثّل واحدة من الأولويات الوجودية الأكثر أهمية بالنسبة إلى الجماعة، منذ تأسيسها في تشرين الأول/أكتوبر 2011. ويبدو أن جبهة النصرة، وهي تطرح نفسها باعتبارها "جبهة إسناد" ومنظمة عمل جهادي، مستعدة للبرهنة على "براغماتية مضبوطة" بهدف تعزيز قضية الثورة السورية، حققت مالم يحققه، من قَبْل، أي من المنظمات المرتبطة بتنظيم القاعدة: أي قبولاً من قطاع عريض ومتنوّع من القوى الثورية المحلية.

قرار جبهة النصرة بتغيير اسمها ليصبح جبهة فتح الشام في تموز/يوليو 2016 كان مبرره الواضح داخلياً أنه قرار ضروري لضمان ترجمة هذا القبول إلى وحدة فصائلية حقيقية: توحيد حقيقي للصفوف في سورية. وقد أثار تغيير الاسم جدلاً عنيفاً بين قيادات النصرة، مع رفض ما لايقل عن نصف أعضاء مجلس شورى الجماعة تولّي مناصب داخل جبهة فتح الشام، وقت إنشائها. وقد أعلن العديد من كبار القادة هؤلاء انفصالهم علناً عن التنظيم، بعد ذلك بفترة قصيرة، خشية أن يكون في إعلان قطع العلاقات "الخارجية" التي ربطتهم بالقاعدة تنازلاً للسوريين، من شأنه بدء الانزلاق باتجاه تجاوزات دينية وتقويض المشروع الجهادي النقي لجبهة النصرة. كانت هذه مقامرة أبو محمد الجولاني. فهو أكد لمجلس شوراه وللقيادة الدولية للقاعدة أن تغيير الاسم من شأنه أن يضمن توحيد الصفوف في سورية والمضي باتجاه تحوّل الجبهة إلى حركة جماهيرية يمكن لها عندئذ تمهيد الطريق باتجاه إقامة إمارة إسلامية في شمال غرب سورية.

فشلت مقامرة الجولاني. لكنها لم تفشل مرة واحدة، بل ثلاث مرات. إذ تبيّن من مفاوضات متتالية لتوحيد الصفوف أن غالبية الجماعات السورية المُعارضة بقيت غير مستعدة للتوحّد مع جماعة لاتزال تُعد، دولياً، جزءاً من القاعدة، ولم يطرأ على سلوكها على الأرض، على الرغم من تغييرها اسمها، أي تحوّل ملموس. رفضت قيادة أحرار الشام، أهم محور في هذه التفاوضات، مشروع الوحدة الذي هيمنت عليه جبهة فتح الشام. وأطلق ذلك سلسلة تراشقات وتراشقات مضادة باتهامات حول حقيقة ولاء كلٍّ من الجماعتين، فاتهمت جبهة فتح الشام أحرار الشام بأنها دمية تركية، معنية بالحفاظ على مصادر دعمها أكثر مما هي معنية بإنجاز الوحدة؛ في حين اتهمت أحرار الشام جبهة فتح الشام بالترويع والتهديد المناقضين لصورتها المعلنة. ثم اتهم كثيرون داخل جبهة فتح الشام أحرار الشام بنقل معلومات استخباراتية أفضت إلى مقتل شخصيات قيادية من القاعدة في إدلب.

يونغ: أين موقع تركيا من هذا كله؟

ليستر: لتركيا أهمية فائقة هنا. فالمعارضة السورية المسلّحة في شمال سورية تبقى أساساً وعلى نحو وجودي، مُعتمدة على الإسناد التركي، على الرغم من التحوّل في أولوياتها إزاء الصراع الأوسع. جبهة فتح الشام اتخذت موقفاً بالغ العنف ضد عملية درع الفرات التركية وضد استعداد جماعات المعارضة للمساهمة بها. ظهرت الخلافات إلى العلن بين أحرار الشام وجبهة فتح الشام حول هذه المسألة، فوجّهت جبهة فتح الشام سرّاً تهديدات بمهاجمة وتصفية أي جماعة معارضة ترسل مزيداً من السلاح أو المقاتلين إلى منطقة عمل درع الفرات. ومنذ ذلك الحين وهي تواصل تهديداتها.
ثم جاءت محادثات أستانة التي أيّدتها المعارضة بكاملها، وحضرها ممثلو غالبية الفصائل المعارضة. زعمت جبهة فتح الشام أن وراء محادثات أستانة هدف واحد هو التنسيق لما يشبه "الصحوة"، كانعطافة ضد حضور جبهة فتح الشام في إدلب. وعلى الرغم من أن هذا الاتهام يقوم على أساس واهٍ، فأنا على علم بأن مناقشات مكثّفة بين الاستخبارات التركية والمعارضة السورية (وبينها أحرار الشام) تدور منذ آب/أغسطس 2016 حول الضمانات وأشكال المساندة التي، نظرياً، قد تطلبها المعارضة لعزل جبهة فتح الشام وجعلها أكثر انكشافاً أمام الضربات الجوية. ولذا لدى جبهة فتح الشام، على نحو ما، الأسباب التي تدعو إلى القلق الذي برّرت به هجماتها الإجهاضية ضد جماعات المعارضة في كانون الثاني/يناير 2017.

في ضوء كل هذه المعطيات، يمكننا القول، ونحن مطمئنون، إن جبهة فتح الشام اجتازت خطّاً كانت ترفض اجتيازه في مامضى. فجماعات هي حقاً شعبية وذات صدقية ثورية، مثل جيش المجاهدين، وتجمع فاستقم كما أمرت، بل وحتى صقور الشام، وجيش الإسلام، وجدت نفسها هدفاً لهجمات من جماعة جهادية، لطالما زعمت أنها منحازة إلى الثورة. وليست مصادفة أن السوريين المعارضين دأبوا على تسمية الجماعة الجديدة التي شكلتها جبهة فتح الشام، وأعني بذلك هيئة تحرير الشام، "هتش" للإيحاء بتشابه مع "داعش"، الاسم المُختصر للدولة الإسلامية. فهل أتوقع حرباً تشنّها فصائل المعارضة كافة ضد هيئة تحرير الشام، في وقت قريب؟ لا. لكنني أيضا لا أرى مزيداً من توحد القوى، ليس في الظروف الراهنة، على الأقل.

فرغت هيئة تحرير الشام، لتوّها، من قرابة أسبوع من الهجمات على مرافق ومواقع أحرار الشام في إدلب، وهي هجمات يبدو أن الدافع وراءها رغبة مباشرة في التحكّم بمصادر الكهرباء والسطو على مخازن أسلحة الجماعة. وإذا نظرنا إلى الأمر من زاوية أوسع، سنتبين أن الهجمات استمرار لمحاولات جبهة فتح الشام، وبالتالي هيئة تحرير الشام، لفرض اندماج أوسع تحت تهديد السلاح: "سنواصل إلحاق المزيد والمزيد من الإضعاف لكم حتى توافقوا على الانضمام إلى مشروعنا، وبهذه الكيفية فقط تحافظون على صدقيتكم وتأثيركم". ليس هناك، بعد، مايشير إلى أن أساليب قهرية كهذه تفعل فعلها، لكن الجميع سيظلون شاخصين بأبصارهم إلى ما ستبادر إليه تركيا، كي يتبيّن لهم ما قد يحدث تالياً في إدلب. فتركيا تضغط بشدة للحؤول دون توحّد جماعات هيئة تحرير الشام، وهي دعت الجماعات أيضاً إلى إعادة نشر سلاحها الثقيل، لتخرج به من إدلب إلى منطقة درع الفرات عبر جنوب تركيا. وهيئة تحرير الشام حالت دون انصياع أحرار الشام وجيش الإسلام للقيام بذلك، مُستخدمةً في ذلك وسائل بينها القوة العسكرية.

يونغ: لك كتاب بعنوان "الجهاد السوري: القاعدة، الدولة الإسلامية، وتطورات الانتفاضة" (The Syrian Jihad: Al-Qaeda, the Islamic State and the Evolution of an Insurgency). فهل تتوقّع أن ينظر الجهاديون، في المستقبل، إلى الصراع الذي خاضوه في سورية باعتباره نجاحاً، كنجاحهم في أفغانستان، أم سيبدو لهم ذلك فشلاً بعد مكاسب أولية؟

ليستر: هذا سؤال شاق! وللأمانة، يصعب للغاية التوصّل إلى إجابة حاسمة له، لكن سورية أمّنت للجهاديين المتجاوزين للقومية أفضل الفرص التي أتيحت لهم على الإطلاق، لإنشاء مناطق لها أهميتها، من ناحية السيطرة الإقليمية، والإسناد الشعبي، ولأن يكونوا تهديداً حقيقياً للغرب، انطلاقاً من أرض قريبة منه. الدولة الإسلامية والقاعدة تبنتا استراتيجيتين مختلفتين اختلافاً بيّناً للوصول إلى هذه الأهداف، وأحسب أن ماشهدناه هو أن المقاربة التي يعوزها الصبر، والتي تبنتها الدولة الإسلامية، وتلك الصبورة والطويلة المدى التي تبنتها القاعدة، تنطويان كلتاهما على عوائد ونقائص.

تتباهى الدولة الإسلامية والحركات التي ستخلفها، من دون شك، بما يرونه تأسيساً ناجحاً لـ"خلافة" هي الوحيدة التي لم تقف فقط عند حد السيطرة – لبعض الوقت – على نطاق إقليمي متّصل يغطي مناطق في بلدين اثنين، بل وتمدّدت كونياً أيضاً، وبمعدل سرعة غير مسبوق. وحتى ونحن نشهد، خلال تبادلنا أطراف الحديث، تراجع هذا المشروع الملموس لإنشاء دولة، إلا أن الخلافة ذاتها سوف تبقى مفهوماً انغرس عميقاً في عقول أولئك الذين ربطوا أنفسهم بقضية الدولة الإسلامية ورؤيتها. وفي مايخصّهم، فإن "الكفار" هم من انتزعوا منهم إقليم الخلافة، والنضال لاستعادة هذا الإقليم استمرار لسعيهم الجهادي. وبالتالي، تعبير "الخلافة الافتراضية" هو، على نحو ما، بالغ الدقة في نقله تصوّراً معيناً، يتصل بأن أعضاء تنظيم الدولة الإسلامية وأنصاره، في مختلف أنحاء العالم، سوف يواصلون العودة إلى أي شكل متاح للخلافة، حتى يعاد تأسيس المشروع الإقليمي.

على رغم الصراعات التي خاضتها القاعدة، لتحقق مكانتها كحركة جماهيرية، إلا أنها قادت في نهاية المطاف مشروعاً ناجحاً، نجاحاً مرموقاً ومُقلقاً، في سورية، وهو بقي في كل الأحوال متقدّماً على سياسات المجتمع الدولي، بخطوة أو أكثر، في مايتصل بالأزمة في سورية وبمعارضة مايرتكبه النظام. القاعدة، كما رأيناها قيد العمل في سورية، تختلف عن تلك التي كنا نرقبها في أماكن مثل اليمن، ومالي، وغير ذلك. وحتى وقت قريب، على الأقل، أظهرت مستوى من الحصافة التي تجاوزت بها حركة الولايات المتحدة، وحركة المعارضة السورية، وإلى حد ما تركيا. وهذا تطور مقلق للغاية. فالقاعدة تنظيم يتعلّم ولابد أنه تعلّم دروساً بالغة الجدوى في سورية. وفوق ذلك، يمكن القول بأنها الجماعة المسلحة الأشد بأساً في شمال غرب سورية اليوم؛ جماعة ليست قادرة فقط على التأثير على ديناميكيات الصراع بين مكونات المعارضة كافة، بل وقادرة أيضاً على احتواء الفعل الدولي.

وأخيراً، يتيعين أن أذكر هنا أنه، عدا هيئة تحرير الشام، للقاعدة أيضاً خلايا "لُب القاعدة" المستقلّة والسريّة، إلى حد بعيد، في شمال غرب سورية. وهذا التيار بإخلاصه الفاقع لجدول الأعمال الكوني للقاعدة، شديد الخطورة وكان يقوده، حتى وقت قريب، نائب زعيم القاعدة، أبو الخير المصري. كما كان يشمل أيضاً ما لايقل عن عشرة من أهم القادة المخضرمين الذين ساعد انتقالهم إلى سورية منذ أواخر العام 2012، على إبراز الأهمية التي أولتها القاعدة لأنشطتها في هذه البلاد. وهذا لذاته، وفي ذاته، منح القاعدة فرصة لإعادة بناء كادر قيادي نشط ومتمكّن استراتيجياً، مماثل لذلك الذي كان لديها في أفغانستان قبل الحادي عشر من أيلول/سبتمبر. وما لم يقع أي تدخل برّي رئيسي في إدلب، يبدو هذا الواقع الخطير على حدود أوروبا مؤهلاً للبقاء في المستقبل المنظور.

يونغ: مركز نشاطك هو واشنطن. فهل ترى من موقعك سياسةً أميركيةً متسقةً ما، إزاء سورية، في الوقت الراهن؟

ليستر: ليس هناك الآن ما أستطيع أن أتبيّنه الآن. لكن يبدو أن البيت الأبيض يركّز إلى حد بعيد على القضايا الداخلية، وفي حدود اهتمامه بسورية فتركيزه ينصب على الدولة الإسلامية والرقة، وخلاف ذلك لايكاد يوجد شيء آخر. العمل الذي قامت به وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، تحت البند 50، بفحص ومساندة المعارضة السورية المعتدلة جرى تجميده، ويبدو أن الخارجية الأميركية لاتملك إلا سلطة محدودة للغاية في عهد الرئيس دونالد ترامب، في الوقت الراهن على الأقل. من هذه الناحية، إنه أمر بالغ الدلالة أن يتم توسيع صلاحيات المبعوث الخاص لسورية مايكل راتني، لتشمل ليس فقط المسألة السورية برمتها، بل أيضاً مسألة إسرائيل – فلسطين، والأردن، ولبنان. بالنسبة لي، هذا يشير إلى أن المسألة السورية الأوسع لاترقى إلى أن تكون أولوية عند هذه الإدارة. ربما كان لدي ما أشكو منه، بخصوص الكيفية التي تعاطت بها إدارة أوباما مع المشكلة السورية، لكنهم على الأقل تطرقوا إليها بطريقة أقرب إلى التكامل. المقاربة التي تعتمد التعاطي مع الإرهاب فقط هي مقاربة ساذجة وخطيرة تماما.

يونغ: وأنت تتابع هذا الصراع الهائل، طوال السنوات الخمس الماضية، ما الذي يتبقى في وعيك؟ ما هي الرسائل التي سوف تبقى محتفظاً بها؟

ليستر: على مستوى السياسات، بات واضحاً للغاية أن الولايات المتحدة ودول أوروبا يعانون من بطء مثير للقلق في استجابتهم لأزمات تتطوّر بوتائر سريعة. رد فعلنا المتراخي إلى حد محبط يعني أن خصومنا ومنافسينا الجيوسياسيين يواصلون توظيف غياب الاستقرار لتحقيق مكاسب، ولإضعاف نفوذنا وتعطيل مصالحنا. كان يتعين أن يكون واضحاً تماماً أن ترك الوضع في سورية يتفاقم، من شأنه إفساح المجال أمام حركات جهادية رئيسة. كان تاريخ القاعدة والدولة الإسلامية في سورية معروفاً جيداً، وجرى توثيقه بالتفصيل: تكوّنت البنية التحتية، على نطاق واسع، بتسهيلات من نظام الأسد، إبّان الحرب في العراق. وعندما نزل المعارضون السوريون إلى الشوارع في آذار/مارس 2011 كانت تلك الشبكات ترقب لحظة العودة إلى النشاط، وكان تاريخ الأسد الشخصي في استخدام الجهاديين كأدوات لسياساته الخارحية معروفا بالقدر نفسه، لكن ماجرى اتخاذه من إجراءات فعّالة لإجهاض ذلك أو لمنعه من التحوّل إلى مشكلة كان قليلاً للغاية. بدلاً من ذلك، يكون أفضل وصف للمقاربة الأميركية من المشكلة السورية، من آذار/مارس 2011 حتى أواخر 2012، بأنها كانت "تأكل الفشار في السينما"، كما قال لي أحد السوريين، ذات مرة.

كانت ثمة فرص واضحة لتقوم الولايات المتحدة بدور قيادي، في منتصف العام 2011، بضبط الانتفاضة ووضع حدود لتناميها واتساعها، على الأقل. كنا نعلم أنه يجري خلق الجماعات المسلحة بوتائر سريعة، بل وكان لدينا ضباط استخبارات على الحدود التركية يراقبون أولى تدفقات السلاح والمال إلى الداخل السوري. لكن لم تكن هناك أبداً سياسة مركزية جرى تفعيلها لتجنب الفوضى التي تلت ذلك، عندما تدفق المال والسلاح من قطر، وتركيا، والسعودية، وكل دولة من هذه الدول الثلاث كانت تتطلع إلى مساندة الوكيل الأفضل. كان يمكن تلافي ذلك، لكننا تلكأنا. وعندما أدركنا، في أواخر العام 2012، أن الأمر يستدعي أن يكون المجهود مركزياً، كان الوقت قد فات. لا أقول إننا لوفعلنا ذلك لحُلت كل المشكلات التي نواجهها اليوم. وفي الحقيقة، أنا أكاد أكون متيقناً بأن ذلك لم يكن ليحدث. لكني مقتنع، شخصياً، بأننا لو اتّبعنا سياسة أقوى منذ البداية، لأصبحت لدينا فرصة أفضل لتجنب أسوأ ما واجهناه في السنوات الأخيرة.

الولايات المتحدة خسرت أيضا جانباً كبيراً من صدقيتها في المنطقة. وفي حين أني أفهم، بالفعل، ما يذهب إليه دعاة السياسات الواقعية من أن "الصدقية" لا قيمة لها، يقلقني أنه، في المدى المتوسط إلى البعيد، سوف نلتفت إلى الوراء وندرك أن الطريق زلقة. ويتعلق هذا الأمر، في جانب منه، بالتخرصات، ولكن بشكل عام، وحتى إن لم يكن وارداً أن تفقد الولايات المتحدة نفوذاً هائلاً أو احتراماً واسعاً، بسبب فعلٍ واحدٍ محدّد، فإن سلسلةً من الأفعال (أو من حالات الامتناع عن الفعل) التي يمكن النظر إليها، على نطاق واسع، باعتبارها أمثلة متلاحقة على الضعف، يترتب عليها، قطعاً، التأثير على قدرة الولايات المتحدة على توجيه الشؤون الدولية وعلى جعل حلفائها يتصرفون وفقاً لمصالحها.

المثال الأوضح هنا، بالطبع، هو [ما قاله الرئيس السابق باراك أوباما، عن] الخط الأحمر الذي يحيط باستخدامات الأسلحة الكيماوية، وإن كانت هناك أمثلة أخرى كثيرة تتصل بسورية. وأخشى أن يكون أولئك الذين يزعمون أن صفقة الأسلحة الكيماوية التي تقدمت بها روسيا وصدّق عليها الرئيس باراك أوباما هي "انتصار"انبثق من الهجوم الكيماوي على الغوطة، مجرد مخادعين مفضوحين. لم تُفلح الصفقة بأي حال في ردع جهوزية الأسد لارتكاب جرائم حرب، كما أظهر بشكل فاقع الهجوم على خان شيخون هذا الأسبوع. وعلى أي حال، الدوائر الحكومية في الولايات المتحدة وأوروبا تعلم علم اليقين أن النظام السوري احتفظ سراً بجزء صغير من ترسانة أسلحته النووية، وواصل بالطبع لفترة طويلة من الزمن استخدام غاز الكلورين، كما أُطلقت يده لمتابعة القصف العشوائي، وعمليات الحصار، وتعذيب شعبه. فلو كان هذا انتصاراً لتعيّن علينا أن نشعر بقلق شديد، حول قدرة صنّاع القرار لدينا على إدراك الواقع وحول توجهاتهم الأخلاقية.

على مستوى آخر، أصبح واضحاً تماماً كيف أن الإرهاب لايزال يمارس تأثيرات غير متناظرة بالمرة على جداول أعمال السياسات الخارجية. حتى أنه بالنسبة إلى كثير من صنّاع السياسات من ذوي النوايا الطيبة – وما أكثرهم – فإن المدى الذي يمكن أن يمضي إليه تطور استراتيجية شاملة حقاً، حول أوضاع مثل تلك التي في سورية، يبقى دائماً تحدياً حقيقياً. ويبدو أن الإرهاب سيتقدم دائماً على غيره من القضايا، حتى عندما يكون واضحاً تماماً أن هذا الإرهاب هو نفسه عرض من أعراض أزمة تبقى أسبابها الجذرية متروكة من دون علاج. وفي الحالة السورية، يبدو أننا نسينا، تماماً، عمق تورط نظام الأسد وجهاز استخباراته العسكرية في الترتيب لبروز القاعدة في العراق ولعمليات الدولة الإسلامية في العراق ضد القوات الأميركية، بين العام 2003 والعام 2010. ولا أكون مبالغاً إذا ماقلت إن عشرات، إن لم يكن مئات، من الجنود الأميركيين كان من المرجح أن يكونوا على قيد الحياة اليوم، لولا التواطؤ الشائن بين الأسد وأسلاف الدولة الإسلامية في العراق. على الرغم من ذلك، نسمع اليوم بعض صنّاع السياسات في واشنطن وهم يلمحون إلى أن الأسد لم يكن، أبداً، عدوّاً لنا! وأنه قد يكون أنسب شريك يمكننا العثور عليه، في مكافحة الإرهاب!

أخيراً، ويبقى هنا واحداً من أهم الدروس التي تعلمتها في السنوات الخمس الأخيرة، أو ما يقارب ذلك، وهي: في حالات الصراع، ليس هناك أفضل من الحوار والتواصل وجهاً لوجه، لتحدي الفرضيات وإسقاط الموانع. شاركت في عملية مهمة لحوار سوري– سوري، بإسناد دولي متعدّد الأطراف، بين أواخر العام 2013 وأيلول/سبتمبر 2016. وتبيّن لي، المرة تلو المرة، الأثر الذي يترتب على وضع الناس المنتمين إلى "جهات" متعارضة في غرفة واحدة، في فضاءات محايدة، ومع وسطاء محايدين، ليتحادثوا حول قضايا ذات اهتمام مشترك. رأيت قادة من المعارضة السلفية السورية المسلّحة يجلسون بجوار شيوخ علويين، وبجوار النخبة التجارية المسيحية، وبجوار ناشطات سياسيات، وبجوار القيادات القبلية في البلاد، وكل من يمكن أن تجده وسط هؤلاء. وعلى الرغم من جرعة لامفر منها من التّنَفُّج، فإن أناسا ينتمون إلى أطراف متعاكسة تماماً، على طيف المشهد، وجدوا أرضية مشتركة، في سرعة جديرة بالاهتمام. وفي بيئات محايدة كهذه، تراجع حجم كثير من الأمور التي اختلف حولها أولئك الأشخاص، ليصبح أقل مما كانوا يظنونه في البداية، وأظهر الجميع، رسمياً، الاستعداد للحلول الوسط وللتوصل إلى تفاهمات متبادلة. أصبح السوريون سوريين معاً، وبقي في النهاية شعور مشترك بالهوية الوطنية.

بالطبع، الانتقال بحوار كهذا من مسار التفاوض بين ممثلي النظام وممثلي المعارضة (المسار 1.5) إلى المسار 1، يعمّق الطابع السياسي لكل مسألة بسيطة ويجعل الحلول الوسط أكثر صعوبة. لكن في الوقت الذي تتكرر فيه كلمة "تقسيم"، بوتائر متصاعدة، تبقى هذه الخبرات في صدارة الانتباه لدي، وأنا أُفكر بطبيعة مستقبل سورية.