بعدما اتخذ النزاع في سورية منعطفاً أساسياً، على ما يبدو، في أواخر العام 2016، مع سقوط حلب في قبضة نظام الأسد وحلفائه، يتم إيلاء اهتمام أكبر للترتيبات المحتملة بعد الحرب في البلاد. في هذا الإطار، ومن أجل مناقشة ظروف المساعدات الاقتصادية بعد الحرب، شارك يزيد صايغ، الزميل الكبير في مؤسسة كارنيغي، وميشال دوكلوس، السفير الفرنسي لدى سورية بين العامَين 2006 و2009، في الحوار أدناه لتبادل الآراء ووجهات النظر، على مشارف المؤتمر الذي يُعقَد برعاية الأمم المتحدة تحت عنوان "دعم مستقبل سورية والمنطقة"، في بروكسل في الرابع والخامس من نيسان/أبريل الجاري، ومؤتمر كارنيغي تحت عنوان "المسار السوري والتحديات المطروحة على الولايات المتحدة"، الذي سينعقد في واشنطن في السادس من نيسان/أبريل الجاري.

ميشال دوكلوس: عندما نتحدث عن المساعدات الاقتصادية التي يقدّمها الاتحاد الأوروبي للتخفيف من وطأة الأزمة السورية، يُطرَح السؤال حول ما إذا كان يمكن استخدام هذه المساعدات بمثابة أداة للمساهمة في التوصل إلى حل سياسي في سورية. قد يكون الجواب نعم، إنما بشرط واحد يبدو واضحاً للعيان: لا ينبغي الشروع في تنفيذ برامج بسط الاستقرار، وفي شكل خاص برامج إعادة الإعمار، إلا بعد قيام بشار الأسد ونظامه بتسليم الحكم إلى سلطات انتقالية جامعة. وإلا تذهب الأموال إلى جيوب عائلة الأسد، وتُستخدَم بصورة أساسية في الإبقاء على سلطة نظامٍ يتحمّل مسؤولية دمار البلاد.

قد يسأل البعض: أليس هذا هو الثمن الذي يجب تسديده من أجل الحصول على النذر اليسير من الاستقرار؟ من الصعب دعم مثل هذا الموقف من منظار فرنسي، لأنه من الواضح أن النظام لن يغيّر أساليبه في الحكم. سيستمر القمع بما يؤدّي إلى التحريض على التمرد وتغذية الإرهاب. لا يمكن إرساء الاستقرار فيما الأسد لا يزال قابعاً في السلطة – لا سيما بعد ستة أعوام من النزاع الشديد الدموية.

تتأتّى المشكلة من أننا سنجد أنفسنا على الأرجح في وضع ملتبس، مع اتفاق منقوص في سورية يمهّد الطريق أمام مرحلة انتقالية زائفة ووهمية. من المؤكّد أنه سيكون هناك ميلٌ، لا سيما لدى الأوروبيين، إلى منح النظام في دمشق وداعميه منفعة الشك.

إذا كانت السلطات الفرنسية تُبدي شكوكاً على وجه الخصوص، فالسبب هو أنها تعلّمت الدرس. لقد مدّت يدها مرتَين إلى بشار الأسد، الأولى في عهد الرئيس جاك شيراك في مطلع القرن الحادي والعشرين والثانية في عهد الرئيس نيكولا ساركوزي في 2008-2011، وقد خدعها في المرتَين. لا يمكن على الإطلاق النظر إلى النظام السوري بأنه شريك موثوق. من دون انتقال حقيقي، لا يمكن تمويل إعادة إعمار البلاد، لأنه في الواقع لا يمكن أن تكون هناك إعادة إعمار حقيقية.

يزيد صايغ: من غير المرجّح أن ينتهي النزاع السوري بتسويةٍ رسمية يتم التوصل إليها عن طريق التفاوض وتُفضي إلى تقاسم فعلي للسلطة أو انتقال ذي مصداقية. نتيجةً لذلك، ستبقى القرارات المتعلقة بتقديم المساعدات من أجل إعادة بناء الاقتصاد أو حجبها، مثار خلاف سياسي لفترة طويلة. علاوةً على ذلك، يجب التمييز بين العقوبات على المسؤولين السوريين والأجهزة السورية المتّهمين بارتكاب جرائم حرب، والتعاملات التجارية والسوقية مع سورية التي لا تخضع للعقوبات، والمساعدات من أجل إعادة الإعمار. يجب الإبقاء على العقوبات المذكورة، وتسهيل التعاملات التجارية والسوقية. أما التحدي الحقيقي فيتمثّل في النقطة الثالثة، أي المساعدات من أجل إعادة الإعمار.

علينا أن نطرح السؤال، ما هي الأهداف والافتراضات التي يجب أن يستند إليها قرار أوروبي عن سورية؟ على سبيل المثال، عندما فُرِضَت في البداية عقوبات رسمية وإجراءات أخرى، مثل القيود على العمليات المصرفية، كان هناك اعتقادٌ بأن ذلك قد يدفع طبقة رجال الأعمال في سورية إلى معارضة نظام الأسد في العلن. غير أن "نقطة التحول" التي كثر الحديث عنها والتبجّح بها لم تتحقق قط. لجأ الاتحاد الأوروبي إلى العقوبات لأنها تقدِّم على الدوام تقريباً أداة أسهل و"أرخص" في شكل عام في السياسة الخارجية، مع تجنُّب التدخلات الأشد حزماً، والأعلى كلفة بالتأكيد، التي كانت لتمارس تأثيراً في الواقع. يراوح الاتحاد الأوروبي مكانه، بطريقة منافية للمنطق، منذ عقود، ويعتمد الأسلوب نفسه تماماً في السياق الفلسطيني-الإسرائيلي، إنما معكوساً، وذلك عبر تقديم الدعم المادي لـ"عملية سلام" محتضِرة بدلاً من القيام بالعملية القيصرية السياسية المطلوبة من أجل التوصل إلى حل، الأمر الذي يقتضي الابتعاد عن السياسات الأميركية والإسرائيلية. وكما في فلسطين، لقد ولّت منذ زمن طويل اللحظة المؤاتية عندما كان بإمكان تصرّف حاسم إحداث فارق أساسي في سورية (في 2012 و2013)، بيد أن أداة السياسة المالية لا تزال نافذة المفعول، وتحلّ مكان السياسة الفعلية.

مع احتدام السجال حول المساعدات من أجل إعادة الإعمار، ينبغي على المشاركين أن يجروا تقييماً لما يمكن أن تؤول إليه الديناميات الاجتماعية والسياسية في سورية في المستقبل المنظور، وللتأثير (الإيجابي أو السلبي) الذي يمكن أن تمارسه عليها التدفقات المالية الخارجية. في الاقتصادات حيث النقص في الموارد هو العنوان العريض – كما كان حال العراق في ظل العقوبات بين العامَين 1990 و2003، أو البلدان التي كانت تطبّق في ما مضى سياسات اقتصادية مستوحاة من النموذج السوفياتي – تتحقّق مصلحة النظام الحاكم عبر زيادة تبعية المجتمع له وجعله أكثر اعتماداً عليه من أجل الوصول إلى الموارد الشحيحة والأسواق المكبَّلة. لكن العكس قد لا يكون صحيحاً، أي إن السماح بوصول المساعدات وتدفقات الأسواق إلى سورية من دون أي قيود، لن يؤدّي بالضرورة إلى التقليل من تبعية الأفرقاء الاجتماعيين المحليين للنظام وإلى تمكينهم سياسياً. بالفعل، يُظهر الانتقال الديمقراطي الجهيض في مصر بعد العام 2011 كيف أن الطبقات الوسطى التي تعاني من التبعية للنظام، وطبقة رجال الأعمال الطفيلية فشلت، حتى في اقتصاد يعتمد إلى حد كبير على السوق الحرة، في تشكيل معارضة سياسية حيوية في مواجهة نظام سلطوي.

أخيراً، لن تكون مساهمة الاتحاد الأوروبي المالية المحتملة كافية أبداً لإرساء توازن في مقابل العوامل الأخرى كافة التي سوف تؤثّر أيضاً في المنحى الذي سيسلكه الاقتصاد والسياسة في سورية بعد النزاع، حتى لو حصل انتقال حقيقي. لكن على ضوء الأزمة الوجودية الصاعدة التي يتخبّط فيها الاتحاد الأوروبي والمتاعب التي تعاني منها منطقة اليورو، لن يكون للاتحاد نفوذٌ كافٍ بغية انتزاع إصلاحات قانونية أو إدارية أو سوقية مُجدية من الحكومة السورية في مقابل تقديم المساعدات إليها من أجل إعادة الإعمار. البلاد مقبلة على نهاية غير حاسمة للحرب واقتصاد شديد الضبابية. إذا أراد الاتحاد الأوروبي التدخّل، يجدر به على الأقل أن يكون أكثر وضوحاً حول أهدافه الحقيقية وافتراضاته الأساسية.

ميشال دوكلوس: بالفعل، لا يملك الأوروبيون أوراقاً كثيرة كي يلعبوها – رغم أنه لا ينبغي المبالغة في الحديث عن ضعف الاتحاد الأوروبي، وفي شكل خاص منطقة اليورو. من المهم أن يلعب الأوروبيون أوراقهم في الوقت المناسب وبحكمة. بغية توضيح النقاش حول النفوذ الاقتصادي المحتمل، بإمكان الأوروبيين أن يفكّروا أولاً في اعتماد خطوط حمراء، مثل عدم تمويل بقاء نظام الأسد في السلطة، كما ذكرت آنفاً. أيضاً، وبصورة عامة، يمكن أن ينظر الاتحاد الأوروبي في عدم إرسال أموال أو مساعدات إلى أي جهةٍ لا تقدّم ضمانات كافية ومُرضية بأنها متحررة من الفساد. لكن الاتحاد الأوروبي لا يريد أيضاً أن يجد نفسه في وضعٍ مشابه لما يحدث في فلسطين – أي أن يُضطَرّ إلى المبادرة دورياً إلى تمويل إعادة إعمار البنى التحتية التي تسعى أطراف أخرى، بصورة دورية، إلى تدميرها. يُقال إن المساعدات من أجل إعادة الإعمار هي حافز لبسط الاستقرار، لكن الحقيقة هي أن العكس صحيح أيضاً، وبدرجة أكبر: يجب أن يُنظَر إلى الاستقرار النسبي بأنه شرط مسبق أساسي لتقديم المساعدات من أجل إعادة الإعمار.

في هذا السياق، ليست المسألة المطروحة محاولة الحصول على شيء ما من النظام، فهذا الأخير لا يمكنه أن يكون شريكاً موثوقاً. بل إن المطلوب هو الانخراط في نقاشات مع داعمي النظام. يبدو لي أن الصحافي ديفيد غاردنر عبّر خير تعبير عن المقاربة التي تنتهجها هذه المجموعة، وفي شكل خاص تلك التي يعتمدها الروس، عندما كتب: "ندمّر البلاد، فتدفعون أنتم ثمن [إعمارها]، لكننا نتبنى نحن وأصدقاؤنا الفضل لأنفسنا".

غالب الظن أنه سيأتي يوم يُضطرّ فيه الروس، وحتى الإيرانيون، إلى التعاطي مع المسألة بطريقة مختلفة. في الانتظار، يمكن القيام بأمرَين اثنين. أولاً، يجب الانخراط في حوار أكثر جدّية وتضافراً مع الأفرقاء الخارجيين والقوى الإقليمية حول المقوّمات التي من شأنها أن تفضي إلى تسوية سياسية مُرضية في سورية. هذا لا يتعارض مع إجراء مفاوضات بين الأفرقاء السوريين. يجب إدراج المساعدات الأوروبية المحتملة لإعادة الإعمار في إطار رزمة شاملة، شرط عدم وضعها حيز التنفيذ قبل أن تتسلّم الحكم سلطات انتقالية جديدة وموثوقة.

ثانياً، يمكن استخدام المال الأوروبي لزيادة المساعدات إلى اللاجئين السوريين الذين اضطُرّوا إلى مغادرة بلادهم ولديهم مروحة واسعة من الاحتياجات. ويجب أن تساهم هذه الأموال أيضاً في تسهيل بسط الاستقرار في المناطق التي جرى تحريرها من قبضة الدولة الإسلامية، نظراً إلى أنها لن تكون خاضعة للنظام.

يزيد صايغ: وسط الالتباسات الكثيرة حول ما سيؤول إليه النزاع السوري والمحادثات السياسية في الأشهر المقبلة، ثمة أمرٌ واضح: ظهرت إعادة بناء الاقتصاد بمثابة مسألة خلافية جديدة وشديدة التقلبات.

أشار الباحث في مؤسسة كارنيغي، خضر خضور، مؤخراً عبر هذه المدونة إلى أن نظام الأسد سيتعامل مع عجز مؤسسات الدولة المأزومة مادّياً عن تأمين الخدمات الاجتماعية وتلبية الاحتياجات الاقتصادية، ليس عبر السعي إلى احتواء جميع المنظمات غير الحكومية التي ملأت الثغرة والسيطرة عليها، إنما عبر دمجها في شبكاته الخاصة. ينبغي على الأفرقاء الخارجيين الراغبين في تجنّب إنعاش النظام من جديد عبر توجيه مساعداتهم إلى الأغراض الإنسانية والإنمائية، أن يكونوا أشدّ حزماً من الأمم المتحدة في رفضهم التعامل مع "المنظمات غير الحكومية الممسوكة من الحكومة" التي أنشأها النظام من أجل الاستحواذ على تلك المساعدات.

من العراقيل المحتملة الأخرى في هذا السياق أن الحكومتَين الأردنية واللبنانية سوف تسعيان إلى ترحيل اللاجئين السوريين (والدخول في ما تأملان بأن تكون عملية إعادة إعمار مربحة في سورية) بأسرع وقت ممكن. عندئذٍ يصبح من الأصعب على الاتحاد الأوروبي وباقي المانحين الدوليين توظيف مساعداتهم المخصصة لإعادة الإعمار من أجل تحقيق المقاربات التشميلية التي سعوا إلى تنفيذها في هذين البلدَين في ما يتعلق بتنظيم عمل اللاجئين السوريين وتسجيل الشركات، مع العلم بأن هذه المقاربات لم تحقق بعد الأداء المطلوب.

في حال كان ذلك ممكناً، من المنطقي حكماً تطوير أرضية مشتركة مع روسيا (وحتى إيران، بطريقة ما) من أجل تعزيز فعالية إعادة بناء الاقتصاد واحتواء الجهود التي يبذلها النظام من أجل الاستحواذ على جميع المساعدات القادمة إلى البلاد. ففي مختلف الأحوال، من دون مساهمة كبيرة من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ومجلس التعاون الخليجي، تواجه روسيا وإيران آفاقاً غير سارّة تتمثل في اضطرارهما إلى دعم نظام متهاوٍ إلى أجل غير مسمّى. يكمن التحدي إذاً في تحديد المجالات أو المسائل حيث بإمكان الروس الانخراط بطريقة بنّاءة – مثلاً عبر توجيه المساعدات الإنسانية والخاصة بإعادة الإعمار نحو محافظة إدلب، حيث لا تزال المعارضة صامدة، وقد دعمت روسيا هذه الفكرة في السابق.

إعادة الإعمار المموَّلة بواسطة المساعدات الدولية هي بمثابة سمكة منزلقة تُفلِت سريعاً من اليد في أفضل الأحوال. ففي غياب ضوابط وضمانات صارمة وراسخة، لن تؤدّي المساعدات الخارجية سوى إلى استفحال المحسوبيات الاقتصادية، والفساد، وإلى مزيد من التجويف لمؤسسات الدولة. كما أنه لا يمكن استخدام الوعد بالمساعدات الدولية من أجل انتزاع انتقال سياسي فعلي أو إصلاحات حقيقية من النظام، ولا ينبغي تسويق المساعدات على هذا الأساس. مثالياً، يمكن أن تساهم الأدوات المالية والاقتصادية في الحفاظ على المعارضة السلمية، أو توليد ظروف تتيح إحياءها من جديد، عبر تعزيز الحكم الذاتي للمجتمعات المحلية أو رجال الأعمال غير المحسوبين على النظام. غير أن هذه العملية ستكون طويلة وتدريجية وقابلة للتراجع.