خضر خضور باحث غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت. أجرى خضور، الذي يحمل الجنسية السورية، قدراً كبيراً من الأبحاث عن النزاع في سورية، وغالباً ما يتطرق في تحليلاته إلى مسائل تقع خارج حدود التغطية التقليدية في البلاد. صدرت له مؤخراً دراسة عن التطورات في إقليم الجزيرة في شمال شرق سورية، تحت عنوان "كيف تضع المشاغل الأمنية المناطقية قيوداً فريدة من نوعها أمام الحكم في شمال شرق سورية". يساهم أيضاً بانتظام في مدوّنة ديوان، حيث نُشِر له منذ فترة وجيزة مقال بعنوان "أنا، الأعظم" عن قيام النظام السوري بنقل بعض الصلاحيات في مجال إعادة الإعمار، إنما ليعود في شكل أساسي ويحتفظ بها لنفسه. وقد وافق خضور على التحدث مع" ديوان" حول دراسة أخرى صدرت مؤخراً عن الوقائع القبلية ودينامياكياتها المتغيرة في شرق سورية.

مايكل يونغ: ما المحاججة الأساسية في ورقتكم البحثية الأخيرة الصادرة عن كارنيغي، "توقعات من الشرق: الديناميكيات المتغيرة في المناطق القبلية السورية"، التي وضعتموها بالاشتراك مع كيفن مازور؟

خضر خضور: يشكّل شرق سورية معقلاً للقبائل العربية في البلاد. لطالما كان للقبيلة دور سياسي مهم في سورية، حيث تساعد على إدارة تلك الأراضي في شرق البلاد. لكن منذ نهاية القرن التاسع عشر، ارتبط هذا الدور بشكل مباشر ودائم بسلطة مركزية، ما يحدّ من قدرة أبناء القبائل على رسم مصيرهم بأنفسهم. مع اندلاع الانتفاضة السورية في العام 2011، تقلّصت بصورة أكبر قدرة القبائل على تعبئة أبنائها سياسياً – سواءً لمصلحة النظام أم ضده – أو على حمايتهم من التيارات المتشددة على غرار تنظيم القاعدة.

حافظت معظم القبائل على هيكليتها على امتداد القرون، مايعني أن هرمية العائلات في القبيلة ظلّت كما هي، واستمرت عائلة المشيخة – التي يتم اختيار قادة القبيلة منها – في أداء دورٍ في تزعُّم القبيلة. ومكثت القبائل أيضاً في المناطق التي سكنتها تاريخياً. بيد أن الدور السياسي للقبيلة شهد تحولاً جوهرياً، والسبب الأهم هو توطّد العلاقات بين القبائل والسلطة المركزية. فمنذ زمن الرئيس الراحل حافظ الأسد حتى يومنا هذا، سمحت القبائل للنظام باختراق صفوفها بهدف تعبئتها سياسياً تحقيقاً لمآربه الخاصة.

يونغ: ثمة اعتقاد مخطيء بأن الأفرقاء الخارجيين يستطيعون التوصل إلى تفاهم مع القبائل عبر إبرام اتفاق مع زعمائها. تقولون إن ذلك غير صحيح. لماذا؟

خضور: نعم، يشكّل زعماء القبائل، أو المشايخ، جزءاً أساسياً في البنية القبلية، ولاتزال لهذا الأمر أهمية رمزية ومادية بالنسبة إلى القبيلة. بيد أن القبائل لاتقوم على المشايخ الأفراد، إنما على الإرث التاريخي لعائلة المشيخة. والمقصود بذلك أنه لايقدّم جميع أعضاء القبيلة الدعم بالضرورة للشيخ، حتى لو كانت للمشايخ مجموعات من أبناء القبيلة تمدّهم بالدعم.

ظاهرة "أنصار الشيخ" كانت موجودة قبل الانتفاضة السورية، لكنها اكتسبت أهمية بعد اندلاعها. إنها تجرّد الشيخ من قدرته على القيادة لأنها تمنح الأفراد الآخرين في عائلة المشيخة القدرة على حشد الأنصار حولهم، ما يجعل من السهل على الأفرقاء السياسيين الخارجيين اختراق القبيلة عبر إشراك أعضاء مختلفين في عائلة المشيخة، يدّعون أنهم يمثّلون القبيلة سياسياً، في مشاريعهم السياسية. في الواقع، لا يستطيع أي شيخ أن يمثّل قبيلته كاملة، بل يمثّل فقط بعض أعضاء القبيلة.

يونغ: لماذا تمكّنت المجموعات الإسلامية المتشددة، مثل جبهة النصرة والدولة الإسلامية، من تحقيق غزوات مهمة في المناطق القبلية في شرق سورية؟

خضور: تمكّنت المجموعات المتشددة من التوسّع واحتلال مناطق قبلية لجملة من الأسباب. قد يبدو ذلك منافياً للحس السليم، لكن السبب الأول هو تدنّي مستوى التديّن في المناطق التي تقطنها القبائل، ما يعني أن هذه الأخيرة لم تتمكّن من رص صفوفها في مواجهة المجموعات المتشددة. يمكننا أن نقارن ذلك بالحملة التي شنّتها فصائل ضد الدولة الإسلامية في حلب في مطلع العام 2014. للتديُّن في حلب تاريخ طويل ومجموعة من القواعد، لذلك كان من الأسهل على المجتمع المحلي التعبئة ضد الدولة الإسلامية. واقع الحال هو أن أيديولوجيا الدولة الإسلامية لم تنجح في المناطق السورية التي كان لديها تقليدٌ عريق من التديّن قبل العام 2011. في الوقت نفسه، يؤدّي الدين دوراً هامشياً في الحياة الاجتماعية في المناطق المأهولة من القبائل، ولذلك لم تكن هناك مقاومة متضافرة في مواجهة أيديولوجيا الدولة الإسلامية – والسبب الأساسي هو الجهل في الشؤون الدينية وضعف السلطات الدينية.

العامل الثاني هو أن المجموعات المتشددة دخلت المناطق المأهولة من القبائل بعدما كانت تلك المناطق قد انقسمت على نفسها بسبب النزاعات بين الفصائل المختلفة على الموارد الطبيعية، مثل النفط، وبعد ظهور قادة جدد أكثر شباباً تمرّدوا على الجيل الأكبر سناً من زعماء القبائل. أدّت هذه الصراعات داخل القبائل – والتي وقعت قبل وصول الدولة الإسلامية – إلى إنهاك المجتمعات المحلية، فاعتبر البعض أن تنظيم الدولة الإسلامية يساهم في تحقيق الاستقرار.

العامل الثالث الذي يصبّ في مصلحة المجموعات الإسلامية المتشددة تمثَّل في تحوّل القبيلة نحو الانتماء المحلي، وفي الطابع المحلي للنزاع السوري. ففيما أصبح العنف سمة أكثر انتشاراً في الانتفاضة، انقطع عدد كبير من المجتمعات المحلية في شرق سورية، بصورة مطردة، عن أفراد القبيلة الذين يعيشون في مناطق أخرى في البلاد، وتنظّموا للدفاع عن بلداتهم أو أحيائهم، ما أدّى إلى ظهور ما يمكن تسميته النزعة القبلية من دون قبائل. كان الأفراد يخضعون للتعبئة بالاستناد إلى خلفيتهم كأعضاء في قبيلة، إنما على أيدي الأفرقاء المحليين وليس المشايخ في أعلى الهرمية القبلية التقليدية الذين كانوا يتصرّفون باسم القبيلة الأوسع ويمثّلون مصالحها.

العامل المهم الأخير هو أن عدداً كبيراً من قياديي التنظيمات الجهادية ينتمون هم أنفسهم إلى خلفيات قبلية. نلمس ذلك في التوصيفات المناطقية أو القبلية التي تُضاف إلى أسمائهم أو ألقابهم – مثلاً القحطاني، العدناني، أبو بكر البغدادي القريشي. وهذا يمنحهم قيمة إضافية بالنسبة إلى بعض أفراد القبيلة، فيولّد انطباعاً بأن التنظيمات المتشددة "عربٌ مثلنا" – يُستخدَم مصطلح "عرب" هنا بالمعنى التاريخي في إشارة إلى أنهم يتحدّرون في الأصل من شبه الجزيرة العربية.

يونغ: متابعةً للسؤال السابق، تحدّثت تقارير عن أن قياديي الدولة الإسلامية فرّوا من الرقة ويتّجهون إلى محافظة دير الزور التي تركّزون عليها في ورقتكم البحثية. انطلاقاً من معرفتكم بالعلاقات القبلية في هذه المنطقة، ما الذي يمكن أن يدفع الدولة الإسلامية إلى الاهتمام بالسيطرة على دير الزور، وكيف تتوقعون أن يكون مستقبل التنظيم هناك إذا ثبتت صحة هذه التقارير؟

خضور: اكتسبت الرقة أهمية رمزية بوصفها عاصمة الدولة الإسلامية في سورية. غير أن دير الزور هي المدينة الأهم في شرق سورية، كونها المركز الإداري والاقتصادي للمنطقة منذ العام 1870. إذا أجرينا مقارنة بين الرقة ودير الزور، ليست للرقة الأهمية الاستراتيجية نفسها بالنسبة إلى الدولة الإسلامية. في العام 2014، أعلنت الدولة الإسلامية، في خطوة شهيرة، إلغاء الحدود السورية-العراقية وإنشاء ولاية الفرات التي تتألف من القائم في الجزء الغربي من محافظة الأنبار في العراق والبوكمال في محافظة دير الزور الشرقية.

لكنْ أمام الدولة الإسلامية طريقٌ شاق من أجل تحقيق اختراقات في دير الزور. إذا خسرت الدولة الإسلامية المناطق التي تسيطر عليها في دير الزور، ماذا يبقى من التنظيم؟ لقد كانت هناك صعوبة في السيطرة على المدينة والمنطقة المحيطة بها خلال الانتفاضة. في صيف 2014، خاضت الدولة الإسلامية وجبهة النصرة معركة مكلفة وضارية من أجل السيطرة على دير الزور. لكن حتى في ذلك الوقت، لم تحقق الدولة الإسلامية نصراً كاملاً. لا يزال النظام السوري يحتفظ حتى يومنا هذا بحضور في جزء من مدينة دير الزور، كما في مطارها العسكري. لقد عمد النظام إلى توظيف موارد كبيرة للاحتفاظ بموطئ القدم هذا، ونشر قوات من الحرس الجمهوري وسواه من وحدات النخبة هناك لأنه يدرك الأهمية الاستراتيجية لدير الزور.

يونغ: أخيراً، ماذا يحمل المستقبل للقبائل في شرق سورية؟

خضور: رغم كل الإشارات والتوصيفات التي تُطلِق على الجزء الغربي من سورية ذات الكثافة السكانية الأعلى تسمية "سورية المفيدة"، الجزء الشرقي من البلاد هو "سورية المفيدة" بمعنى آخر أكثر حَرْفية. فكل من يفرض سيطرته على شرق البلاد يحقق مكاسب كبيرة. هكذا كان الحال لفترة طويلة، وسيبقى كذلك في المستقبل. تضم المنطقة موارد كبرى في قطاعَي النفط والغاز. وتبقى المصدر الأساسي للمحاصيل الزراعية في سورية. كما أنها تقع على الحدود مع العراق، مع ما يزخر به من طاقات اقتصادية ويحمل من مخاطر أمنية.

في ما يتعلق بالقبائل، لاتستطيع الهيكليات القبلية تعبئة أبناء القبائل بأعداد كبيرة. فالقبائل بحاجة إلى دعم خارجي لتحقيق ذلك، بيد أن هذا الدعم يترافق دائماً مع شروط وقيود. للأفرقاء الذين يساعدون في التعبئة القبلية، سواءً كانوا سلطة مركزية أو مجموعات متشددة، أجنداتهم الخاصة. ويتسبّب استخدامهم للقبائل بمثابة أدوات بإحداث شرخ بين زعماء القبائل وأبنائها عبر جعل العلاقات بينهم أكثر اعتماداً على المعاملات الخدماتية، مع قيام بعض زعماء القبائل بأداء دور الوسطاء في تقديم الخدمات إلى أبناء القبيلة بالنيابة عن أفرقاء خارجيين.

اليوم، نرى أيضاً قبائل من دون قيادة فعلية، مع تشارُك الأفراد هوية قبلية ما إنما من دون هيكلية قيادية موحّدة وشرعية، ما يؤمّن أرضاً خصبة تتيح للأفرقاء السياسيين الخارجيين الذهاب أبعد في استخدامهم للقبائل تحقيقاً لمآربهم الخاصة. بما أن القبائل متورطة في العلاقات مع السلطة المركزية منذ القرن التاسع عشر، لن يتم وضع حد للتلاعب بشرق سورية على أيدي أفرقاء خارجيين إلا عند تسوية الأوضاع على مستوى السلطة المركزية، في سياق تسوية أوسع نطاقاً للنزاع السوري