اعتبرت وسائل الإعلام عموماً أن مقتل 49 مسيحياً قبطياً في التاسع من نيسان/أبريل في تفجيرَين انتحاريين في طنطة والإسكندرية، شكّل انتكاسة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بعدما أمضى أسبوعاً مظفَّراً خلال زيارته إلى الولايات المتحدة. لكن في حين سطّرت الهجمات الإرهابية نهاية مأسوية للزيارة، كان الوقت الذي أمضاه السيسي في واشنطن أشد صعوبة إلى حد كبير مما أوحت به التقارير.

كانت لدى وسائل الإعلام المصرية والغربية سرديات مُسبقة وثابتة عن زيارة السيسي إلى العاصمة الأميركية بين الثاني والسادس من نيسان/أبريل. إذ هي قارنت بين المعاملة التي لقيها السيسي من الرئيس دونالد ترامب – الذي قال إن الرئيس المصري يقوم بـ"عمل مدهش في خضم وضع في غاية الصعوبة" – وتلك التي لقيها من الرئيس السابق باراك أوباما. وهكذا اعتبرت وسائل الإعلام المصرية الموالية للحكومة زيارة السيسي محطة كلّلت بالنصر، أُمطِر خلالها بالتكريم، وقُطِعت له وعود بتعزيز الولايات المتحدة مساعداتها لبلاده وزيادة تعاونها معها. أما في نظر الجزء الأكبر من الإعلام الأميركي، فالزيارة كرّست تخلّي إدارة ترامب عن أجندة إدارة أوباما التي يُفترَض أنها كانت موجّهة نحو حقوق الإنسان.

تنطوي السرديتان على قدر من الحقيقة، إلا أن أياً منهما لم يكن دقيقاً إلى درجة كبيرة. وفي كلا الحالتيْن، تمّ تغييب الرواية الأساسية الكامنة في خلفية المشهد: تسنّت للسيسي فرصة التقاط الصور التذكارية، لكنه غادر واشنطن خالي الوفاض من أي التزامات بتقديم المساعدات إلى بلاده. علاوةً على ذلك، أثار المحاوِرون الآخرون، غير ترامب، الذين التقاهم السيسي – وبعضهم يتمتعون بنفوذ كبير في مجال المساعدات الخارجية – مسائل تتعلّق بحقوق الإنسان أمام عدسات الكاميرات وبعيداً عنها على حدّ سواء. وكأن ذلك لم يكن كافياً، أدّى الوضع السوري المتأزم إلى وضع السيسي أمام معضلة جعلته في حيرة من أمره حول ما إذا كان يجدر به التقرّب أكثر من الولايات المتحدة أو من روسيا في سياسته الخارجية.

كان الرئيس المصري يتطلّع أصلاً إلى طلب ما هو أكثر بكثير من صورة تذكارية. كان يسعى، من جملة أمور أخرى، إلى الحصول على تطمينات عن تعزيز المساعدات العسكرية والاقتصادية الثنائية، وإعادة العمل بآلية تمويل التدفقات النقدية، وهو ترتيب خاص تُفيد منه إسرائيل دون سواها ويُجيز إبرام عقود مسبقة ممتدة لسنوات عدة من أجل الحصول على أسلحة دفاعية أميركية. كما أراد أيضاً أن تقوم الولايات المتحدة بتصنيف الإخوان المسلمين في خانة التنظيمات الإرهابية، لكن وسائل إعلام أميركية ألمحت قبل وصول السيسي إلى أن إدارة ترامب غضّت النظر حالياً عن مثل هذا التصنيف بعدما حذّر المحللون في الحكومة الأميركية من أن هذا الإجراء قد يسقط في المحاكم.

أما بالنسبة إلى المساعدات العسكرية والاقتصادية، فالتلميح الأقوى إلى أن إدارة ترامب لم تقدّم أي تعهدات محددة للسيسي صدر عن مسؤول أميركي لم يُكشَف عن هويته: "سوف يخيب ظنّه لأنه يريد مزيداً من المساعدات. ولن يحصل عليها". أضاف المسؤول أنه ليس واضحاً بعد، إذا كانت مصر ستبقى بمنأى عن خفض مساعداتها الخارجية في إطار الخطة التي وضعتها إدارة ترامب لتقليص إجمالي موازنة وزارة الخارجية بنسبة 28.7 في المئة.

بالفعل، ليس واضحاً بعد ما المقاربة التي سينتهجها ترامب وإدارته في مجال المساعدات الخارجية (المساعدات إلى الدول الأخرى غير إسرائيل)، والتي ستشكّل جزءاً صغيراً في لعبة شطرنج موسّعة بين الإدارة والكونغرس خلال الأشهر المقبلة. وفي خطوة لافتة، يبدو أن إدارة ترامب شجّعت في الآونة الأخيرة تقارباً سعودياً مع مصر (وكذلك مع العراق). فقد أعلن المسؤولون السعوديون في 16 آذار/مارس الماضي، بعد يومَين فقط من اجتماع ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع ترامب حول مأدبة غداء في البيت الأبيض، أنهم سيستأنفون إرسال شحنات النفط القيّمة شهرياً إلى مصر، والتي كان قد تم تعليقها بعد سلسلة من حالات سوء التفاهم بين السيسي وداعميه السعوديين. لعل ترامب شعر بعد ذلك بأنه فعل ما يكفي من أجل السيسي، انطلاقاً من شعور عبّر عنه الرئيس مغرّداً في 18 آب/أغسطس 2013: "فلتهتم البلدان العربية بمصر – فهي لديها الكثير لتكسبه وتملك أموالاً وافرة. حان الوقت كي تتوقف الولايات المتحدة عن التصرف بغباء. لا دولارات".

في نهاية المطاف، من غير المرجّح أن يعمد ترامب إلى قطع كل المساعدات الأميركية إلى مصر. فالجزء الأكبر من تلك المساعدات يُنفَق فعلياً لتسديد الأموال إلى مصانع دفاعية في الولايات المتحدة توظّف آلاف الأميركيين. لكن بغض النظر عن القرار الذي سيتخذه ترامب بشأن المساعدات، سيحتاج إلى التعاون من جانب الكونغرس الأميركي بهذا الصدد. وهنا سيرتطم السيسي بخيبة أمل بسبب سجل بلاده في مجال حقوق الإنسان.

استقبل مجلس الشيوخ الأميركي السيسي بـقرارٍ اقترحه عدد من الشيوخ الأميركيين من ذوي المسؤوليات في مجال الشؤون الخارجية، ويتطرّق إلى بعض المؤشرات التي تثير مخاوف بشأن حقوق الإنسان في مصر، منها الاستخدام المفرط للقوة، وتردّي أوضاع السجون، وحالات الاختفاء القسري. وخلال زيارة السيسي إلى واشنطن، ألقى السيناتور ماركو روبيو خطاباً لاذعاً في مجلس الشيوخ عدّد فيه انتهاكات حقوق الإنسان، وأرفقه بصورة للمواطنة الأميركية آية حجازي المعتقلة في السجون المصرية. كذلك وجّه العديد من الشيوخ رسالة إلى ترامب لمطالبته بإثارة قضية حجازي مع السيسي.

كان لقاء الرئيس المصري مع الشيخَين ليندسي غراهام وجون ماكين خلال زيارته وجيزاً، وانتهى على غير عادة من دون التقاط الصور أو الإدلاء بتصريحات. فقد أعرب الشيخان (يرأس غراهام لجنة المخصصات فيما يرأس ماكين لجنة القوات المسلحة، واللجنتان تؤدّيان دوراً أساسياً في تأمين المساعدات العسكرية) مراراً وتكراراً عن قلقهما من الحملة التي يشنّها السيسي ضد المنظمات المصرية والأميركية غير الحكومية، وتعهّدا بفرض شروط على المساعدات التي ستُقدَّم إلى مصر في المستقبل.

مع مغادرة السيسي واشنطن في السادس من نيسان/أبريل، أثارت الهجمات التي شنّتها الولايات المتحدة على قاعدة جوية سورية إبان الهجوم بالأسلحة الكيميائية على بلدة خان شيخون، معضلات رهيبة بالنسبة إلى الرئيس المصري: هل يجدر به دعم ترامب، صديقه المفضّل الجديد، أم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي بنى معه روابط وثيقة؟ هل ينبغي عليه الاصطفاف إلى جانب السعوديين، الذين استأنفوا للتو إرسال النفط إلى مصر، أم إلى جانب الرئيس السوري بشار الأسد الذي يُبدي السيسي تعاطفاً واضحاً نحوه؟

حاولت الحكومة المصرية، في ردود فعلها الأولية، التحوّط في موقفها عبر إدانة "الاستقطاب" في الأمم المتحدة حول الملف السوري. بيد أن وضع رِجل في البور وأخرى في الفلاحة سيزداد صعوبة، وقد يصبح مستحيلاً في حال استمرار النزاع، ولاسيما أن مصر تمتلك حالياً مقعداً في مجلس الأمن الدولي.

خلاصة القول، زيارة السيسي إلى واشنطن منحته اندفاعة في العلاقات العامة، لكنها لم تكن نزهة سهلة. وقد تتغيّر النظرة المصرية إلى الزيارة، وإلى العلاقة مع ترامب، في حال اتّضح أن السيسي لن يحصل على الأرجح على مزيد من المساعدات – لا بل قد يحصل على مساعدات أقل – من الإدارة الجديدة بالمقارنة مع إدارة أوباما. إذا نُظِر إلى السيسي في الداخل بأنه غير قادر على تأمين مزيد من المساعدات من الولايات المتحدة، فقد يؤثّر ذلك في درجة الدعم التي يتمتع بها في أوساط قاعدته الشعبية الأهم – الجيش – خلال العام المقبل، فيما يستعد لخوض الانتخابات الرئاسية من جديد في العام 2018.