في الثالث من نيسان/أبريل، عيّنت الحكومة التونسية رسمياً موعداً لإجراء أول انتخابات بلدية ديمقراطية في البلاد. فقد وافق المسؤولون، بعد العديد من التأجيلات، على تنظيم الانتخابات في 17 كانون الأول/ديسمبر 2017، الذي يصادف الذكرى السابعة لإقدام محمد بوعزيزي على إحراق نفسه في حادثة شكّلت الشرارة، بالمعنى الحرفي للكلمة، لانطلاقة الانتفاضات العربية. بيد أن قرار ربط موعد الانتخابات بواقعة ترتدي مثل هذه الأهمية السياسية والعاطفية، ربما يؤدّي إلى رفع التوقعات كثيراً. كي تتكلل الانتخابات بالنجاح، ينبغي على الحكومة التونسية والمانحين الدوليين العمل على تدبّر أمر المزاج العام قبل الانتخابات وبعدها.

آمال كبيرة، ربما مُبالغ فيها

تلقي الحكومة التونسية بقدر هائل من الضغوط على كاهل الانتخابات البلدية لمعالجة اللامساواة بين المناطق التي تعاني منها تونس على امتداد فترة طويلة من تاريخها – والتي كانت من المحرّكات الأساسية لانتفاضة 2010-2011. والهدف من هذه اللامركزية هو تزويد الأفرقاء المحليين، من ذوي المعرفة العميقة بحاجات بلدياتهم، بالأدوات اللازمة لتلبية تلك الاحتياجات، ومنح المواطنين التونسيين اتصالاً مباشراً مع صنّاع القرارات. وفي المناطق الداخلية المهمَلة على وجه الخصوص، سوف يُتوقَّع من المسؤولين المحليين الذين سيفوزون في الانتخابات تأمين الموارد المناسبة من أجل تصحيح أوجه التفاوت الاقتصادي المستمرة منذ وقت طويل، ومعالجة المظالم الاجتماعية التي يرزح سكّان تلك المناطق تحت وطأتها منذ عقود من الزمن.

فضلاً عن ذلك، تعوّل الحكومة التونسية على الانتخابات لاستقطاب الشباب الذين يبتعدون بصورة مطّردة عن السياسة الرسمية. وتأمل الحكومة الوطنية، من خلال الحملات الترويجية والبرامج التي تستهدف الشباب، أن تُقبِل أعداد كبيرة من التونسيين الشباب على الاقتراع والترشّح.

كما ترتدي عملية تطبيق اللامركزية رمزية شديدة. إذ ينظر كثرٌ إلى الانتخابات البلدية بأنها المرحلة الأخيرة من الانتقال الديمقراطي التونسي، ومن هنا قرار تنظيمها في ذكرى الخطوة التي أقدم عليها بوعزيزي. لكن، وعلى الرغم من وجود أمور كثيرة على المحك، ثمة احتمالٌ قوي بأن تفشل عملية اللامركزية في تحقيق أهدافها، وذلك لأربعة أسباب.

أولاً، كي تُجرى الانتخابات، يتعيّن على الحكومة إنجاز عدد من المهام الأساسية في فترة قصيرة: الموافقة على مدوّنة خاصة بالسلطات المحلية تُحدّد الهيكلية القانونية التي تنظّم دور المسؤولين المحليين؛ وحل البعثات الخاصة التي تنوب عن الحكومة في البلديات منذ العام 2011؛ ووضع اللمسات الأخيرة على الدوائر الانتخابية. في حال أخفقت الحكومة في تحقيق هذه المهام الثلاث في الوقت المحدد، وأقدمت على إرجاء الانتخابات مجدداً، وسيُثير ذلك إحباطاً في أوساط الرأي العام التونسي الذي بدأ صبره ينفد من قادته المنتخَبين.

ثانياً، من المستبعد أن تُحدث نتائج الانتخابات تغييراً دراماتيكياً في المشهد السياسي في تونس، حيث يمحض 12 في المئة فقط من الأشخاص ثقة كبيرة أو متوسطة للأحزاب السياسية. صحيحٌ أن أحزاباً جديدة تُبصر النور، أبرزها حزب "غير إيديولوجي" بقيادة رئيس الوزراء السابق مهدي جمعة، إلا أنها تساهم في تعزيز التصدّع في المشهد السياسي بدلاً من تقليصه. وثمة خشية في أوساط بعض التونسيين من أن تتسبّب الانتخابات المحلية بمزيد من الإثراء والتمكين للأسر والأشخاص الذين يتمتعون بالنفوذ.

ثالثاً، قد لايشارك التونسيون ببساطة في الانتخابات. فقد أظهر استطلاع أجراه مؤخراً المعهد الديمقراطي الوطني الأميركي، أن عدداً كبيراً من التونسيين ليس على علم بحدوث الانتخابات. كما أنه ليس لتونس سجل حافل في مجال مشاركة الناخبين. فعلى المستوى الوطني، تشهد نسبة الاقتراع تراجعاً، وذكر 69 في المئة من التونسيين أنهم اقترعوا في الانتخابات البرلمانية في العام 2011، وتراجعت هذه النسبة إلى 57 في المئة فقط في العام 2014. وكانت تلك النسبة أدنى إلى حد كبير لدى الفئات العمرية لمن هم في الـ29 من العمر وما دون – 55 في المئة و44 في المئة على التوالي. وبما أن عدداً كبيراً من التونسيين خاب أملهم كثيراً بسبب إخفاق حكومة ما بعد الثورة في تحقيق أهدافها، ولاسيما في الميدان الاقتصادي، لاينبغي توقُّع نسبة اقتراع مرتفعة.

ورابعاً، حتى لو نُفِّذت عملية تطبيق اللامركزية بطريقة فعّالة ومنصفة، فهي لن تؤتي ثمارها قبل انقضاء سنوات طويلة. وغالب الظن أن المشكلة ستكون أسوأ في المناطق الداخلية والمحرومة تقليدياً، والتي ترى في اللامركزية عصاً سحرية لمعالجة التحديات الاقتصادية الكثيرة التي تواجهها تلك المناطق.

تثقيف الناخبين أساسي

للتحوّط من هذه التحديات، من الضروري أن تنخرط الحكومة والمجتمع الأهلي والمانحون الدوليون في حملة متعددة المستويات لتثقيف الناخبين اعتباراً من اليوم. ويجب أن يكون هدف الحملة الأول الاهتمام بمسألة التوقّعات. ويأمل المسؤولون في الحكومة التونسية، وكذلك الرأي العام، بأن تسهّل اللامركزية على المواطنين التعبير عن آرائهم ورفع طلباتهم إلى المسؤولين المُنتخَبين. قد يكون ذلك خطوة سليمة، لكن يجدر بالتونسيين أن يفهموا أن التغيير يستغرق وقتاً، على المستوى المحلي أيضاً. وحتى لو كان بإمكان المجلس المحلية تأمين الأموال الضرورية لتحسين البنى التحتية أو تطوير إطار العمل المؤسسي من أجل الاستجابة للقواعد الناخبة، فإن تأثير اللامركزية لن يكون البتة فورياً.

الهدف الثاني هو تشجيع مشاركة الشباب في مختلف مراحل الانتخابات، والأهم في الترشّح. فالشباب الذين يفقترون عادةً إلى الخبرة، يواجهون عوائق أقل بكثير في الترشح على المستوى المحلي بالمقارنة مع المستوى الوطني. فضلاً عن ذلك، قد يجد الشباب المتحمّسون لتولي مناصب قيادية، أن السياسة المحلية تلبّي تطلعاتهم أكثر من دخول البرلمان. وفي مقابلة أجريتها مع وزير الشباب والرياضة التونسي الصيف الفائت، بدا واضحاً من كلامه أن الحكومة تعوّل على الانتخابات البلدية لاستقطاب الشباب من جديد إلى السياسة النظامية. في الوقت نفسه، شكّك الشباب خلال الصيف المنصرم في قدرة الانتخابات على إحداث تأثير كبير في حياتهم، وعبّر كثرٌ عن عدم رغبتهم في المشاركة فيها.

تخصص تونس كوتا محدودة للشباب من أجل تأمين مستوى معين من التمثيل الشبابي في القوائم الانتخابية. والأهم أنه يُفرَض على الأحزاب السياسية ضم شباب ذوي تأثير – الأفضل والألمع - إلى صفوفهم، كي يشعر هؤلاء بالتماهي مع الحكم المحلي.

يبتعد التونسيون من مختلف الأعمار، بصورة مطردة، عن السياسة، وأحد الأسباب هو امتعاضهم من الحكومة التي فشلت في الوفاء بوعود الانتفاضة. وتتيح الانتخابات البلدية فرصة لربط التونسيين بصورة أفضل بهرمية السلطة، لكن ينبغي على المسؤولين الحذر من الإفراط في الترويج للانتخابات أو تصويرها بأنها خاتمة أحداث 2010-2011. فرفع المعايير إلى هذه الدرجة قد يؤدّي إلى تعاظم الاستياء من المنظومة السياسية، فيما نجاح الانتقال الديمقراطي في تونس يقتضي مشاركة شعبية أكبر لا أقل.