على امتداد أكثر من عقد، انقسم الباحثون وصنّاع السياسات في تحليلهم للتيارات الإسلامية بين فئتَين اثنتَين يمكن تسميتهما بأنصار نظرية "كلهم متشابهون" وأنصار نظرية "كلهم متباينون".

يرى أنصار نظرية "كلهم متشابهون" عامةً في "الإسلام المتشدّد" تياراً واسعاً ومتماسكاً متجذّراً في الدين وليس في السياسة التقليدية. أما أنصار نظرية "كلهم متباينون" فيعتبرون أن ميدان السياسة الإسلامية ينقسم بين مجموعة واسعة من الأطياف الإيديولوجية والسياسية المتنافسة. لقد شكّل استبدال مايكل فلين في شباط/فبراير الماضي بهربرت رايموند مكماستر في منصب مستشار الأمن القومي للرئيس دونالد ترامب، تحوّلاً دراماتيكياً من طرف نقيض إلى آخر. كان فلين من أشدّ المناصرين لنظرية "كلهم متشابهون"، في حين أثبت مكماستر نفسه وارتقى الهرمية القيادية في العراق عبر تأييده لنظرية "كلهم متباينون".

ينظر أنصار نظرية "كلهم متشابهون" عامةً إلى "الإسلام المتشدّد" باعتباره كلّاً متماسكاً، مع تأدية مجموعات على غرار تنظيم القاعدة والإخوان المسلمين أدواراً مختلفة، لكنها في نهاية المطاف أقرب إلى التشابه منها إلى الاختلاف. يعتبر أنصار هذه النظرية أنه قد يكون هناك تباين في التكتيكات بين هذه المجموعات، غير أنها تتشارك في نهاية الأمر الأهداف نفسها في شؤون الدين والحضارة، وتسعى خلف الغاية الاستراتيجية العليا نفسها، ألا وهي إنشاء خلافة إسلامية. تقتضي اتّباع استراتيجية واضحة رؤيةَ المشهد الكامل للتحدي الإسلامي، بدءاً من الإرهابيين ومن المجموعات التي تبدو عليها مظاهر التسلّح بكل وضوح، ووصولاً إلى شبكات الدعم الإيديولوجي والمادّي التي تقف خلفهم، وإلى المواقف العامة واسعة النطاق التي تولّد أجواء مؤاتية. يتسبّب الإفراط في التركيز على التمايزات بين المجموعات في تشتيت الانتباه عما يعتبره أنصار نظرية "كلهم متشابهون" تحدّياً على مستوى الحضارة. في نظر هؤلاء، لاجدوى من السعي إلى تجنّب صدام الحضارات، لأن هذا الصدام قد وقع وقُضي الأمر.

دخل فلين، مستشار الأمن القومي الأول في إدارة ترامب، البيت الأبيض في صورة النصير الأبرز لنظرية "كلهم متشابهون". يشكّل كتابه "مجال الطيران" (The Field of Fight: How We Can Win the Global War Against Radical Islam and Its Allies) (الذي وضعه بالاشتراك مع مايكل لِدين) نموذجاً عن جمع التيارات الإسلامية والشعبوية المختلفة، بطريقة ساذجة ومن دون التمييز بين تيار وآخر، في صورة عدوٍّ كبير واحد وموحّد. كتب فلين أننا "نخوض حرباً عالمية ضد تيار حاشد ومتشدّد من الأشرار، معظمهم يستلهمون من إيديولوجيا توتاليتارية: الإسلام المتشدّد". الرابط الذي يجمع بين الجهاديين السنّة والثوّار الشيعة والأحزاب السياسية الإسلامية هو تبنّيهم المشترك لإيديولوجيا باتت تُختزَل فعلياً بالتوتاليتارية. وهكذا تشمل قائمة الأهداف التي حدّدها فلين "الجهات الدولتية وغير الدولتية الداعمة للإسلام العنفي وتساهم في تمكينه... والقتلة المتعصّبين الذين يتصرّفون باسم حضارة فاشلة".

هذه الفلسفة القائمة على وضع جميع التيارات في السلة نفسها هي التي دفعت فلين، شأنه في ذلك شأن مستشار ترامب الحالي سباستيان غوركان، إلى اعتبار أن الإشارة إلى العدو بعبارة "إسلام متشدّد" هو ضرورة استراتيجية من أجل "إلحاق الهزيمة بالجهاد"، لأنها تحدّد النطاق الكامل للتيار. وهذا قد يؤدّي على الأرجح إلى وضع مقاربة استراتيجية واسعة النطاق، وتحديد مجموعة كاملة من الخصوم، واقتراح سياسات محددة. يسعى أنصار نظرية "كلهم متشابهون" إلى استهداف جميع مستويات التشدد الإسلامي، إذ لايشنّون هجوماً على المتشددين العنفيين وحسب، بل أيضاً على شبكاتهم المحتملة للدعم الإيديولوجي والمادّي.

تحظى نظرية "كلهم متشابهون" باستحسان الأنظمة العربية التي تسعى إلى نزع الشرعية عن خصومها السياسيين غير العنفيين. ويسهل إيصالها إلى الرأي العام الذي بات موجَّهاً منذ أحداث 11 أيلول/سبتمبر نحو النظر إلى الإسلام بعين الريبة. وهذه المقاربة متينة أيضاً، لناحية أنه يمكن بسهولة تكييف الفئات التحليلية الواسعة جدّاً، لتتناسب مع كل التغييرات التي تحدث على الأرض تقريباً. لكن أنصار نظرية "كلهم متشابهون" مُخطِئون، ذلك أن أفكار الإسلاميين المتشدّدين وممارساتهم تتغيّر مع مرور الوقت ردّاً على الظروف السياسية، ولايمكن اختزالها بقراءة النصوص الكلاسيكية أو البيانات الإيديولوجية. لاينطق الإسلامويون باسم جميع المسلمين، ولايشبه الجهاديون إسلاميي جماعة الإخوان المسلمين، وبالتالي، فالتعامل معهم جميعاً على أنهم جزء من التيار نفسه يسفر عن تحليلات سيئة ونتائج عكسية على السواء.

أما أنصار نظرية "كلهم متباينون"، الذين عُرِضت مقاربتهم في كتاب "خطوط التصدّع في الجهاد العالمي: الشقوق التنظيمية والاستراتيجية والأيديولوجية" (Fault Lines in Global Jihad: Organizational, Strategic, and Ideological Fissures) الصادر في العام 2013، تحرير عساف مقدم وبريان فيشمان (والذي كانت لي مساهمة في أحد فصوله)، فيركّزون على الانقسامات الداخلية في صفوف المجموعات الإسلامية. الهدف، على المستوى التحليلي، هو وضع تقويمات دقيقة وعميقة ومفصّلة عن الاختلافات الإيديولوجية والتنظيمية والتكتيكية بين المجموعات التي تتشارك توجّهات إيديولوجية ذات تعريفات فضفاضة.

يسعى أصحاب هذه النظرية إلى استخدام تلك الاختلافات من أجل تحديد فرص للتعاون مع شركاء محتملين في مواجهة الأعداء المشتركين الأشد تطرفاً. ويتمثّل هدفهم في تهميش المتطرفين العنفيين، داحِضين ادّعاءهم بأنهم يتكلّمون باسم الإسلام، وذلك عبر تسليط الضوء على الهوّة التي تفصل بينهم وبين الغالبية الساحقة من المسلمين. إنها المقاربة التي ترى جماعة الإخوان المسلمين جزءاً من الحل في مواجهة التطرف العنفي، ما دامت تلتزم مبدأ اللاعنف وتبدو قادرة على التنافس على استقطاب ولاء المتطرفين العنفيين المُحتملين.

يُعدّ مكماستر من أنصار نظرية "كلهم متباينون". فما إن جرى تعيينه مستشاراً للأمن القومي حتى أعلن القطيعة مع سياسة فلين، مشيراً إلى أن استخدام عبارة "الإرهاب الإسلامي المتشدّد" لاينفع بشيء. إن رؤية مكماستر مُستقاة من خبرته في مكافحة التمرّد في العراق. فقد أدرك، شأنه في ذلك شأن الجنرال ديفيد بترايوس، أن الولايات المتحدة لاتواجه تنظيماً متراصّاً هناك ممثَّلاً بتنظيم القاعدة، بل نسيجاً معقّداً من الميليشيات المحلية، والقبائل، والبعثيين السابقين، والمتمرّدين الجهاديين القوميين العراقيين الذين يمكن التمييز بينهم وبين جهاديي القاعدة العالميين الذين كانوا قد اعتمدوا في تلك المرحلة اسم "الدولة الإسلامية". دعمَ برنامج "أبناء العراق" أولئك المتمردين الجهاديين القوميين المنتمين إلى "الصحوة" في مواجهة الدولة الإسلامية في العراق، وتكلّل الأمر بالنجاح لبعض الوقت. لاعجب في أن بترايوس اقترح مجدداً، في العام 2015، محاولة فصل "المجموعات التي يمكن أن تكون جزءاً من الحل" عن تنظيم القاعدة، ووضعها في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية ونظام بشار الأسد.

الميزة التي يتمتع بها أنصار نظرية "كلهم متباينون" أنهم محقون، بحسب ما تظهره التجربة العملية، بشأن الحجج الداخلية، والتمايزات، والمعارك بين المجموعات التي تتشارك توجّهاً إسلامياً واسعاً. تكمن مشكلتهم في أنه قد يكون من الصعب سياسياً ترويج والاستمرار في دعم سياسة تقوم على مؤازرة مجموعات تتبنّى قيماً غير ليبرالية باعتراف الأكثرية، وغالباً وجهات نظر سياسية تثير امتعاضاً شديداً.

فضلاً عن ذلك، ينبغي على أصحاب هذه النظرية أن يعمدوا باستمرار إلى إعادة النظر في تحليلاتهم رداً على الأحداث والمستجدّات، وهو ما لاينطبق على أنصار نظرية "كلهم متشابهون". فميزة هؤلاء – إذا أمكن تسميتها كذلك – أنهم نادراً ما يُضطرون إلى تعديل وجهات نظرهم، بما أنهم يعتبرون التشدُّد الإسلامي وحشاً ثابتاً لايتبدّل. أما أنصار نظرية "كلهم متباينون" فلايملكون هذه الميزة. لم يعد عدد كبير من الآراء العميقة والمفصّلة، التي تعود إلى حقبة ما قبل 2011، ينطبق اليوم بالطريقة نفسها، وليس السبب أن التحليل كان خاطئاً، بل أن الظروف على الأرض تغيّرت.

على سبيل المثال، من غير المنطقي أن يُنظَر اليوم إلى الإخوان المسلمين في مصر بأنهم يشكّلون حصناً ضد التطرّف. فقد تصدّع هذا التنظيم بفعل القمع الشديد الذي مارسته الدولة إبان الانقلاب العسكري في الثالث من تموز/يوليو 2013. ومع وفاة معظم قادتهم والآلاف من أعضائهم أو سجنهم أو نفيهم، خسر الإخوان حضورهم على الساحة العامة وبنيتهم التنظيمية التي كانت تشتهر بصلابتها. لم يعد التنظيم قادراً على طرح المشاركة السياسية الديمقراطية كبديل عن المواجهة المسلّحة، كما أنه فقدَ إمكانية التعبير بوضوح عن رفضه للعنف، وتراجعت إلى حد كبير قدرته على فرض سيطرته على أعضائه. لقد انضمت تيارات متفرّعة عن الإخوان وشبابٌ غاضبون من التنظيم، إلى حركة تمرّد متنامية، في حين نشهد الآن على اختلاط رسائل الإخوان التقليدية، من دون قيود، مع الإيديولوجيا السلفية الثورية. هذا ليس إثباتاً على أن التحليل السابق عن الإخوان كان خاطئاً، بل يقدّم براهين على أن السياسات المضلَّلة يمكن أن تولّد نبوءات خطيرة ذاتية التحقُّق. واقع الحال هو أن حرمان الإسلاميين من المشاركة السياسية واستخدام القمع الهمجي ضد الإسلاميين غير العنفيين قد لايتركان أمام المصمّمين على السعي خلف التغيير – أو الثأر – من خيار سوى سلوك مسارات عنفية.

يمكن أن نلتمس أمراً مشابهاً في تحليل التيارات الجهادية. ففي العام 2011، اعتبر عدد كبير من أنصار نظرية "كلهم متباينون" أن تنظيم القاعدة في حالة أفول بسبب تأثير الدمقرطة الذي تمارسه الانتفاضات العربية، وكذلك على خلفية مقتل بن لادن. أما اليوم فقد استعاد التنظيم زخمه. لقد نهض من جديد عبر استغلال العمليات الانتقالية العربية الفاشلة، والحروب بالوكالة في المنطقة، والتركيز الدولي على تنظيم الدولة الإسلامية. تجدر الإشارة هنا إلى أن فروعه تمتلك موطئ قدم راسخاً في المناطق اليمنية الخاضعة ظاهرياً إلى السيطرة السعودية والإماراتية، وقد حجزت لنفسها مكاناً أكثر رسوخاً من أي وقت مضى بين فلول التمرد السوري. وبحسب ما نستخلصه من الكلام الذي أدلى به زعيم القاعدة، أيمن الظواهري، هذا الأسبوع، سيكون التنظيم في موقع جيّد يخوّله استغلال إخفاق نموذج "بناء الدولة" عبر إعادة تأكيد نسخته الخاصة من الممارسة الجهادية.

قد يتعاطى أنصار نظرية "كلهم متشابهون" مع هذه التغييرات انطلاقاً من ذهنية "المقاس الواحد الذي يناسب الجميع". بيد أنه ستكون لأنصار نظرية "كلهم متباينون" نصائح تحليلية مفيدة حول هذه البيئة التي شهدت تحوّلاً جذرياً، وذلك من خلال أبحاث راهنة شديدة الخوض في التفاصيل، قد تُفضي إلى خلاصات مختلفة عن تلك التي تمّ التوصل إليها في الماضي القريب. تكشف الدراسات المنشورة عن التيارات الإسلامية، على غرار تلك المضمّنة في مجموعة "مشروع العلوم السياسية في الشرق الأوسط" الصادرة حديثاً، أن هذه التحديثات التحليلية لاتزال تُعطي نتائج قيّمة.

يشكّل تفضيل مكماستر لنظرية "كلهم متباينون" تحسّناً عميقاً بالمقارنة مع تأييد فلين لنظرية "كلهم متشابهون"، لكنه قد لايقود بالضرورة نحو سلوك الاتجاهات المتوقَّعة. فالناجحون في مكافحة حركات التمرّد هم عادةً من أنصار نظرية "كلهم متباينون"، إنما لايركّز جميع أنصار هذه النظرية في شكل أساسي على مكافحة التمرّد. يدرك مكماستر وسواه من المخضرمين، الذين كان لهم دور في "زيادة عديد القوات الأميركية" في العراق، أهمية تحديد الانقسامات داخل التيارات الإسلامية واستخدامها في مخططاتهم. بيد أن ذلك لايُترجَم بالضرورة إلى دعم لإشراك تلك التيارات في السياسات الديمقراطية أو في الحملات ضد قمعهم من قبل الحلفاء السلطويين. يجب أن تطال الأفكار التحليلية التي يوصلها مكماستر معه إلى البيت الأبيض، النطاق الكامل للسياسة الإسلامية، لا أن تطغى عليها الموجبات التي تفرضها مكافحة الإرهاب.