تبدو السياسة المصرية، منذ تموز/يوليو 2013، قابلة للتوقّع وإن بتجهُّم، فيما تعيد السلطوية تثبيت ركائزها بإحكام في البلاد، ولايتمّ تحدّيها إلا هامشياً، أو عن طريق الإرهاب والتمرّد. لقد اضمحلّ الجزء الأكبر من السياسة المُفعمة بالحيوية التي شهدتها بالبلاد في المرحلة التي أعقبت مباشرةً العام 2011. لابل حتى السنوات الأخيرة من عهد حسني مبارك تبدو أفضل بالمقارنة.

بيد أن التفاصيل لاتزال تعجّ ببعض المفاجآت، مع إظهار بعض مؤسسات الدولة مؤشرات محدودة عن نزعتها إلى المشاكسة وتعرُّضها أحياناً إلى هجمات حادّة – ليس من المعارضة إنما من مصادر موالية بشدّة للنظام. تجد المؤسسات القيادية في مصر – الرئاسة، والأجهزة الأمنية، والجيش – صعوبة في إدارة الدولة المصرية الآخذة في التمدّد – والتي هي "واسعة" بقدر ما هي عميقة كما أنها "مبلقَنة". لكن الدولة تتخذ مجموعة متنوعة من الخطوات لترهيب هذه المؤسسات ودفعها إلى الرضوخ والانصياع.

ربيع السيسي الصامت

هذا التطور مفاجئ جداً بالنسبة إلي، ليس لأنني بالغت في تقدير تماسك الدولة المصرية، بل لأنني اعتقدت أن الرئيس المصري الجديد، عبد الفتاح السيسي، قد يكون أكثر شبهاً بأسلافه، ويتعامل مع المشكلة بطريقة مختلفة عن مقاربته الراهنة. قبل تسلّم السيسي منصبه، كتبت تحليلاً مستنداً إلى حجج منطقية ووقائع تاريخية بعنوان "ربيع السيسي"، تضمّن بعض التكهنات الأوّلية بهذا الصدد – وقد تبيّن أنني كنت مخطئ تماماً.

لدى تسلّم الرؤساء السابقين في مصر سدة الرئاسة، كانوا يقطعون عامةً وعوداً بأنهم لن يمارسوا القمع بقدر أسلافهم، وكانوا يستخدمون فترة قصيرة من التحرير السياسي التكتيكي لاستهداف خصومهم في أجهزة الدولة. كان التساهل، وإلى جانب كونه سلاحاً لحمل المسؤولين على الإذعان، يساعد أيضاً الرؤساء الجدد على بناء قواعدهم الشعبية. وقد توقّعت أن يفعل السيسي الشيء نفسه. فالرئاسة التي فاز بها كانت مُؤسسة مستضعَفة. وكان مسؤولون مخضرمون يقودون مراكز النفوذ الأخرى في الدولة المصرية، والتي كان بعضها قد نجح في تحقيق استقلالية ذاتية أكبر. لم تُترجَم شعبية السيسي إلى أي أساس منظّم أو مستدام للدعم يستطيع استخدامه مؤازرةً لبرنامجه، عندما حسم أمره بشأن فحوى هذا البرنامج. وفي المرحلة التي أعقبت العام 2011، كانت الدولة المصرية معرَّضة حتى إلى خطر الرضوخ للحركة النقابية، التي لم تكن فروعها المتعددة تمثّل المؤسسات وحسب، إنما أيضاً قواعد ناخبة مهمة كانت كل واحدة منها تسعى خلف مصالحها الخاصة. قد يكون التحرير سبيلاً لتعزيز الرئاسة وجعل الدولة مع أولوياتها في المركب نفسه.

لكن الربيع لم يحدث. تحاول رئاسة السيسي تحقيق التماسك في جهاز الدولة المصرية، بيد أن الأدوات التي تستخدمها ليست متقَنة أو ليبرالية، ولاحتى على مستوى تكتيكي. بدلاً من ذلك، يلجأ النظام الجديد إلى ممارسة الضغوط بهدف الدفع نحو الإذعان، وكذلك إلى التهديد وسنّ القوانين من أجل كبح جماح مراكز النفوذ والحكم الذاتي في أجهزة الدولة. معظم ما يندرج في خانة السياسة في مصر اليوم عبارة عن مؤثّرات صوتية تُطلقها تلك الصراعات.
التجاهد للحديث بصوت واحد

خلال العام المنصرم، برزت تلك الجهود في شكل خاص في إطار المنافسات التي تخوضها النقابات المهنية والمؤسسة الدينية والقضاء. ما يبدو للوهلة الأولى أنه سجالات حول المنهاج الديني والتعيينات القضائية، هو في حقيقة الأمر أن الدولة المصرية تتكلّم مع نفسها. في هذا السياق، استخدمت الرئاسة والمؤسسة الأمنية أدوات عدّة كي لاتنحرف هذه النقاشات عن الخط المرسوم لها.

النقابات المهنية هيئاتٌ حائزة على تراخيص قانونية في مصر. هي ليست رسمياً جزءاً من جهاز الدولة، غير أن عدداً كبيراً من أعضائها ينتمي إلى هذا الجهاز، ويطرحون أنفسهم كمتحدثين باسم قطاعهم أمام الهيئات الرسمية. في حين أن هذه النقابات كانت تخضع إلى قبضة شديدة الإحكام في عهد الرئيس جمال عبد الناصر (من خلال العضوية الإلزامية في الحزب السياسي الأوحد في البلاد، في شكل عام)، تمكّن بعضها أحياناً من اتخاذ موقف أكثر استقلالية اعتباراً من سبعينيات القرن العشرين. وقد وجدت الحركات المعارِضة – ولاسيما الإسلاميين – موطئ قدم في تلك النقابات.

طُرِد الإسلاميون سريعاً من النقابات في مرحلة ما بعد 2013، غير أن بعضها ظلّ يُظهر بوادر مشاكسة. قبل عام، رعت نقابة الأطباء إضراباً على خلفية المزاعم عن سوء المعاملة من القوى الأمنية. لكن عندما حذا الصحافيون حذوها، كان الرد عليهم قاسياً. فقد جرى اعتقال بعض قياديي نقابة الصحافة، وصدرت قرارات اتهامية بحقهم (قضيتهم قيد الاستئناف حالياً). وهذا العام، انتزع مرشح موالٍ للنظام السيطرة على النقابة من الرئيس المنتهية ولايته الأكثر استقلالية، عبر الإيحاء بأن اعتماد موقف متعاوِن قد يصب أكثر في مصلحة الصحافيين. وأُنشِئت هيئات حكومية أخرى بإدارة شخصيات موالية من أجل إبقاء الإعلام تحت المراقبة الشديدة.

السلطة القضائية كانت في مرمى الاستهداف أيضاً. ظلّ القضاء، مع أنه يدعم في شكل عام الاتجاه الذي سلكته البلاد بعد العام 2013 – وعلى رغم تطهير القضاة ذوي الميول الإسلامية – يطرح مشكلة في بعض الأحيان. لقد ألحقت بعض المحاكم هزائم بالنظام. فقد أبطلت محكمة إدارية اتفاقاً دولياً مع السعودية؛ ونقضت المحكمة الدستورية العليا جزءاً من قانون عن التظاهرات؛ وأبطلت محاكم استئناف عادية عدداً من القرارات الاتهامية الصادرة عن محاكم تعنى بالنظر في قضايا "الإرهاب" (أقسام من النظام القضائي العادي مكلّفة محاكمة أعداد كبيرة من الأشخاص المتهمين في قضايا العنف السياسي). ويجري تهديد القضاة الآن بمشروع قانون من شأنه أن يمنح الرئيس سلطة استنسابية في إجراء بعض التعيينات القضائية الأساسية. إذن، تواجه الاستقلالية الذاتية التي اكتسبها القضاء في المنظومة السياسية المصرية، خطراً واضحاً. لقد رفع القضاة الصوت احتجاجاً على الملأ. لكن بغض النظر عن إقرار القانون بصيغته الراهنة أم عدم إقراره، وصلت الطلقة التحذيرية إلى مسامع المعنيين.

أُطلِقت رصاصة تحذيرية أخرى من أجل دفع المؤسسة الدينية إلى الرضوخ. فقد أوضحت قيادة الأزهر العليا، بعد حصولها على الاستقلالية الذاتية الكاملة قبل ستة أعوام، أنها لاتتلقّى تعليمات من القيادة السياسية في البلاد. وثمة اقتراح تشريعي مطروح الآن لتغيير هذا الأمر. يقترح نوّاب موالون للنظام تكليف عدد من المسؤولين في الدولة ومن الشخصيات العامة الذين يختارهم الرئيس المساعدة على الإشراف على الأزهر. وهكذا مجدداً، يبدو أن مشروع القانون يهدف إلى توجيه رسالة عن ضرورة الانصياع إلى النظام بقدر مايهدف إلى تحقيق تغيير بنيوي فوري.

من هو الأول بين متساوين؟

الأثر السلطوي لهذه الإجراءات واضح، لكن ماهو على المحك يتخطى درجة الاستقلالية الذاتية التي تتمتع بها هيئات الدولة. كما أن هناك صراعاً على السيطرة أيضاً، وقد لاتساهم انتصارات الرئاسة فيه على المدى القصير في تحقيق مصالح السيسي الطويلة الأمد. على الرغم من مختلف الوسائل التي تُستخدَم لإقناع الأقسام المتعددة في جهاز الدولة بالاصطفاف إلى جانب الرئيس، تتميّز مجموعتان من المؤسسات انطلاقاً من درجة احتفاظها باستقلاليتها الذاتية: القطاع العسكري وجهاز الأمن الداخلي. اللافت هو أنه لم يحصل تبديل كبير في قيادة هذه المؤسسات في عهد السيسي. وفي الواقع، استخدم أسلافه (ولاسيما أنور السادات) التحرير السياسي التكتيكي لجملة أسباب منها إرساء ما سُمّي "دولة المؤسسات" – حيث أمكن عزل جيوب التأثير الناصري والقواعد المؤسسية لأي خصوم محتملين في المؤسسة الأمنية والحزب السياسي الأوحد، أو إخراجها عنوةً في "ثورة تصحيحية". لكن بدلاً من أن يضع السيسي هذه المؤسسات تحت سيطرته، أو يرسي توازناً في موازاتها، أو يطرد قادتها، يبدو أنه يعوّل عليها ويتيح لها رسم معالم النظام والسياسة العامة.

ليس على القيادة المصرية العليا الشعور بالقلق، في الوقت الراهن، من خسارة انتخابات تنافسية، ولامن خسارة حُجج ما في المشهد العام مُفرط التسييس. بيد أن أحداث 2011 تركت لديها قلقاً عميقاً من حدوث انتفاضة شعبية أو انهيار النظام العام، والأمران ربما متساويان في نظر عدد كبير من القادة المنشغلين بالأمن. وفي هذه الأثناء، يبدو أداء السياسة العام للنظام الحالي، ولاسيما في الميدان الاقتصادي، متداعٍ. فعبر سقوط خيار "ربيع السيسي"، يعوّل الرئيس راهناً على مراكز نفوذ تتمتع باستقلال ذاتي. والآن، وبعدما استخدمها، عليه أن يقلق من أنها ستتخلّى عنه عندما تشعر بأنه يجرّها نحو الأسفل.