مهند صبري صحافي وكاتب مصري عاش في القاهرة إلى 2015، قبل أن يغادر إلى منفى اختياري، إثر مواجهته تهديدات متعاظمة. في 2011 رُشّح إلى النهائيات لنيل جائزة "ليفينغستون" للصحافة الدولية (Livingston Award for International Reporting)، وإلى جائرة "إيمي" (Emmy) كمشارك ضمن فريق "بي بي أس فرونتلاين" (PBS Frontline) الذي أنتج الشريط الوثائقي "مصر في أزمة" (Egypt in Crisis) في أيلول/سبتمبر 2013. صبري مُطلع تحديداً على التطورات في شبه جزيرة سيناء حيث تقاتل، منذ سنوات، الحكومة المصرية تمرّداً ضخماً؛ وهو صاحب كتاب "Sinai: Egypt’s Linchpin, Gaza’s Lifeline, and Israel’s Nightmare" (سيناء: عماد مصر، حياة غزة، كابوس إسرائيل) (2015)، الذي سرعان ما مُنع في مصر بعد صدوره.

أجرت "ديوان" مقابلة مع صبري في نهاية نيسان/أبريل لمناقشة الأحداث في سيناء.

مايكل يونغ: التغطية الإعلامية للحملة العسكرية للحكومة المصرية في سيناء كانت ضعيفة. لكن هذه الحملة تطوّر كبير لا يُستخف به. هل يسعكم أن تشرحوا بشكل موجز واقع الأمور هناك، وما هي فرص النظام في الحسم والفوز؟

مهند صبري: واقع الأمور في سيناء هو نفسه السبب الرئيس في التعتيم الإعلامي والمعلوماتي الذي تفرضه مؤسسات الدولة. فالحملة الأمنية في سيناء، منذ بداياتها الأولى، أديرت بشكل خاطئ، وشابتها انتهاكات حادة لحقوق الإنسان ضدّ مدنيين أبرياء. تشمل الانتهاكات هذه اعتقالات غير مشروعة لمئات الأشخاص، والتعذيب، وأحياناً قتل مدنيين، سواء بواسطة نيران عشوائية أو باستخدام القوة العسكرية بشكل غير منضبط. تشمل الانتهاكات كذلك حوادث القتل خارج اطار القانونمثل تلك التي ظهرت في فيديو مُسّرب مؤخراً وكَثُر الكلام عنه.

نجاحات هذه الحملة في السنوات الأربع الأخيرة كانت محدودة جداً، وهي أبعد ماتكون عن مزاعم الناطقين باسم القيادة العسكرية المصرية. وهذا سبب آخر من أسباب عدم رفع الدولة حظر دخول الإعلام والصحافة إلى شبه جزيرة سيناء، إضافةً إلى المراقبين المحليين والدوليين. فالدولة لاترغب في أن يقف أحدهم على حملتها التي تفتقر إلى الكفاءة، وعلى إخفاق الجيش في بعض الأحيان في جمع المعلومات واستخدامها استخداماً فعالاً بالاضافة الى اخفاقه في حماية قواته وأيضاً المدنيين.

يقتضي نجاح الحملة المصرية العسكرية في سيناء، إقرار النظام المصري أولاً بأن معظم سياساته الأمنية المستخدمة في السنوات الأخيرة كانت غير فعّالة. من دون تغيير الرؤية لانستطيع توقّع أي تقدّم.

بالتوازي مع تعديل أو إصلاح سياسات ما يسمى بالحرب على الإرهاب في سيناء، يتعيّن على السلطات المصرية وقف انتهاكات حقوق الإنسان والكفّ عن إلحاق أضرار فادحة بالمدنيين. فهذه الانتهاكات ساعدت على انتشار دعايات التجنيد التي تقوم بها المجموعات الراديكالية والإرهابية، وقلبت عدداً من سكان سيناء ضد الدولة.

يونغ: برز مؤخراً فيديو، سبق أن ذكرتَه، يُظهر جنوداً مصريين يعدمون سجناء عزلاً في سيناء. هل لديك معلومات عما جرى؟

صبري: باختصار، هؤلاء السجناء العزل، الذين قُدموا على أنهم إرهابيون، أعدمهم عناصر في الجيش المصري يرافقهم مخبرون محليون. وقد حاول الجيش التلاعب بالحادث ليظهره على أنه نجاح في المعركة على الإرهاب. وللأسف، مثل هذا الحادث ليس جديداً، ولم يُصدم أحد به في سيناء. لأن ثمة عشرات الحالات المماثلة التي وُثّقت أو رُفعت تقارير عنها منذ العام 2014، بعد أشهر قليلة من بدء الحملة العسكرية. أنا شخصياً وثّقتُ وأعددتُ تقريراً عن عملية قتل مراهقَينْ اعتقلا عوضا عن والدهما في حملة عسكرية على قرية المقاطعة، جنوب الشيخ زويد. علاوةً على ذلك، ظهر الفيديو الأخير هذا بعد ثلاثة أشهر من صدور بيان عن وزارة الداخلية يُعلن مقتل عشرة إرهابيين، تبيّن أن ستة منهم مدنيون عاديون اعتقلوا قبل أسابيع من ظهورهم في فيديو ادّعى تحقيق نصر جديد زائف في حملة سيناء.

تكشف مثل هذه الحوادث والفيديوهات والصور، حجم الانتهاكات الجنائية التي يرتكبها أفراد الأمن والجيش المصريين في سيناء، ومقدار الحصانة التي يتمتعون بها في المنطقة. إلى ذلك، تُظهر هذه الحوادث بجلاء تام تعذّر التحقق من مزاعم النجاحات على لسان الدولة، وهي في أحوال كثيرة، ليست غير قصص مفبركة تتستر على الإخفاق الراهن والمتواصل في إلحاق الهزيمة بالإرهاب وحماية حياة المدنيين.

يونغ: مؤخراً، فرّ مئات الأقباط من العريش، غداة قتل متشدّدين مرتبطين بتنظيم الدولة الإسلامية أقباطاً. يوحي مثل هذا النزوح الجماعي أن الدولة لاتُمسك فعلاً بمقاليد الأمور في مركز رئيس كالعريش. هل في إمكانكم وصف الحال هناك؟

صبري: في الأشهر الأخيرة، غيّرت مجموعة الدولة الإسلامية في سيناء، وهي تُعرف بـولاية سيناء، وجهتها استراتيجياً، وركّزت على العمليات داخل العريش، ونجحت في شنّ عشرات الهجمات منذ كانون الثاني/يناير. بعض هذه الهجمات يبعد أمتاراً قليلة وحسب عن مركز القيادة الإقليمية العسكرية وعن مقرات الاستخبارات ومديرية الأمن في قلب ما تعتبر أكثر المدن امناً المنطقة. وقد سلّطت سلسلة الاغتيالات التي استهدفت الأقباط المسيحيين الضوء على حرية الحركة التي يتمتّع بها تنظيم الدولة الإسلامية وعلى مدى قدراته، وغياب المعوقات أمامه حين يقوم بجمع المعلومات، ورصد الأهداف، وتجنيد العناصر، وتنفيذ هجماته بنجاح. وقبل قتل الأقباط، تم توظيف هذه القدرات في مدينة العريش كلها، وكان التنظيم قادراً على رصد واغتيال عشرات رجال الشرطة السريين.

هذا النمط من العمليات، على مدى أشهر، هو مؤشر واضح على عجز الجيش والشرطة عن السيطرة وضبط الأمن في عاصمة شمال سيناء، تماما كم هم عاجزون عن حماية عدد كبير من القرى وضواحي المناطق جنوبي الشيخ زويد ورفح. لكن ما يفاقم تشويه سمعة هذه الحملة ضعيفة التغطية إعلامياً هو قلّة اهتمام الدولة وسلطاتها بسلامة المدنيين الذين يسقطون خلال العمليات.

يونغ: من هم العمود الفقري للتمرد في سيناء؟

صبري: يشتمل تنظيم الدولة الإسلامية على مصريين من محافظتي سيناء ووادي النيل. قادة التنظيم ومخططوه الاستراتيجيون هم من قبائل سيناء البدوية المحلية. هذا ما كانت عليه الحال في السابق، قبل مبايعة الدولة الإسلامية، حين تعاونت المجموعة المسلحة السابقة في المنطقة، أنصار بيت المقدس، مع الجهاديين الفلسطينيين على شنّ هجمات عابرة للحدود ضد إسرائيل في 2011 و2012.

لكن، بغض النظر عن أصول عناصرها، فإن قدرة المجموعة على الصمود طوال أعوام في وجه الجيش المصري، هو مايجعلها استثنائية. إضافة إلى ذلك، استمالت الحملات الإعلانية واسعة النطاق ضباطاً سابقين في القوات الخاصة إليها (الدولة الإسلامية)، وأفضى ذلك إلى أكبر الهجمات في 2013 و2014. وتستمر هذه الحملات في استقطاب أفراد من محافظات على بعد مئات الكيلومترات عن سيناء.

يونغ: لماذا عجز الجيش المصري، على رغم تفوقه في العديد والعتاد، عن هزيمة التمرد؟ لا بل تشير المؤشرات كلها إلىأن نفوذ الدولة الإسلامية يتمدّد ويتوسّعفي الواقع.

صبري: إذا كان ثمة شيء مؤكّد في العقود الثلاثة الماضية من الحرب على المجموعات الإرهابية في مناطق مختلفة من العالم العالم ، فهو عجز القوات العسكرية التقليدية عن هزيمة منظمات إرهابية، مهما كان عدد الجنود والدبابات المستخدمة. ومع الأسف، تحسِب الحكومة المصرية، إلى اليوم، أن هذه الاستراتيجية ستؤتي أُكلها في سيناء، وتصر على ذلك، على الرغم من أنها، بدون شك، غير مجدية.

مايجمع بين معظم كبرى الهجمات الإرهابية منذ 2012، سواء في سيناء أو في أنحاء مصر الأخرى، هو الافتقار الحاد إلى عمل استخباري فعّال، والإخفاق في الاستفادة من المعلومات حين تتوفر للجيش المصري وجهاز الاستخبارات. محاولة الدولة الإسلامية السيطرة على الشيخ زويد في تموز/يوليو 2015، هي أبرز نموذج على كيفية نجاح أكثر من مئة إرهابي مسلحين بأسلحة خفيفة ومتفجرات، في إقصاء الجيش عن المدينة، ما أجبر الدولة على اللجوء إلى القوات الجوية لقصف مدينة من 60 ألف نسمة.

وعلاوةً على أن إعداد الإرهابيين للهجوم لم يُرصد طوال أسابيع، طرح هذا الحادث سؤال جديد: كيف ستكون النتيجة لو كانت هناك قوات مكافحة إرهاب فعّالة وجيدة التدريب تتولّى أمن الشيخ زويد عن طريق جمع المعلومات واستخدامها وشن عمليات سرية متواصلة لمكافحة نشاط الإرهابيين الذي لا يتوقف، بدلاً من الاعتماد على قوات عسكرية تقليدية تقيّدها سلسلة القيادة البيروقراطية، وتفتقر إلى التدريب، وتتمركز في مواقع ومعسكرات ثابتة فتشكّل هدفاً سهلاً للإرهابيين.

يونغ: ما واقع الحال في رفح، وهي، كذلك، مركز مهم في سيناء؟

صبري: الجزء الأكبر من المدينة دُمِّر قبل عامين، بعد ان زعم نظام السيسي أن القضاء على الإرهابيين الآتين عبر الأنفاق من غزة، ضروري وجوهري. ولم يبق من مدينة رفح التاريخية كما نعرفها غير ثلاث أحياء، وسكانها يتساءلون عن مصيرهم. وشأنها شأن الشيخ زويد، قُطِعتْ الكهرباء والمياه عن رفح طوال اسابيع متواصلة، وتكاد البنية التحتية أن تكون مدمرة كلياً. وهذا أيضا يلقي بشكوك كثيرة على استراتيجية الجيش في سيناء. لم ينتهِ محو معظم رفح عن الخريطة وترحيل سكانها وإنزال المعاناة بهم إلى شيء يُذكر، ولم يسهم في تقدّم القتال ضد الإرهاب.

أما أنفاق المهربين تحت الحدود مع قطاع غزة، فعجلة عملها لم تتوقف، ولو أن أعدادها أو وتيرة عملها انخفضت عما كانت في الماضي. ولاتزال الحدود (بين مصر وغزة) غير مؤمّنة، على رغم تبديد ملايين الدولارات على مشاريع طموحة لإغراق الأنفاق بمياه البحر.

يونغ: ما طبيعة التعاون المصري- الإسرائيلي ضد التمرّد في سيناء؟

صبري: بلغ مستوى التعاون بين البلدين مستوى غير مسبوق في 2014، وهو يتواصل إلى يومنا هذا. وتنظر السلطات الإسرائيلية بعين الرضى والسرور إلى السريّة التي تحيط بمثل هذا التعاون، بالقدر نفسه الذي تتمتع به مصر بفرض تعتيم إعلامي في سيناء.

يونغ: هل تتحوّل سيناء إلى نسخة مصرية في القرن الحادي والعشرين من حرب اليمن بين 1962-1967، أم أن أوجه الشبه أكبر بينها وبين الصراع ضد الجماعة الإسلامية في مطلع التسعينيات؟

صبري: لا هذا ولا ذاك. فموجة الإرهاب التي بدأت في مصر مع صعود أنصار بيت المقدس في 2012- وهي متواصلة إلى اليوم- غير مسبوقة في تاريخ البلاد. أكثر هجمات الجماعة الإسلامية والجهاد الإسلامي تطوّراً في التسعينيات، لم ترقَ إلى مستوى معظم هجمات أنصار بيت المقدس والدولة الإسلامية.

مايجري في سيناء مختلف تمام الاختلاف عن اليمن. ففي سيناء لايدور نزاع قَبَلي، ولايعاني الجيش المصري من انقسامات كتلك التي نراها في الجيش اليمني. وبالرغم من ذلك، أتساءل: هل تتّجه سيناء إلى حرب قَبَلية نتيجة استخدام الجيش للمُخبرين المحليين؟ في حالات كثيرة يرتكب هؤلاء جرائم ضد أبرياء من من القبائل، شبيهة بتلك التي ظهرت في الفيديو الأخير. وما لم توجد حلول لمثل هذه المسائل، سيندلع نزاع قَبَلي، أو، على أقل تقدير ستتوسّع عمليات القتل بين القبائل وتتوالى لأعوام قادمة.

أكثر الأوجه المُقلقة فيما يخص مستقبل سيناء، هو مقدار الغضب المتراكم ضد السلطات بسبب القمع الدموي منذ 2013. وإذا مابقيت الأمور معلّقة من غير حل، سيسعى كثير من الناس في سيناء إلى الانتقام، سواء بشكل مستقل أم تحت مظلة منظمة إرهابية مثل الدولة الإسلامية.