في 23 أيار/مايو، وفيما كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يقف بمحاذاة الرئيس الفلسطيني محمود عباس في بيت لحم، أكّد من جديد اهتمامه بالإنجاز الأكثر مراوغةً بين كل الإنجازات الدبلوماسية– التوصّل إلى تسوية للنزاع الإسرائيلي-الفلسطيني عن طريق التفاوض. قال ترامب: "أنا ملتزم بمحاولة التوصّل إلى اتفاق سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وأنوي فعل كل مايلزم لمساعدتهم على تحقيق هذا الهدف".

حتى الآن، لم يتم إعطاء تفاصيل عن مبادرة ترامب، وتحديداً حول هيكلية المفاوضات المحتملة، أو الدور الذي ستؤدّيه الولايات المتحدة أو أطراف ثالثة أخرى، أو حول ما إذا كانت إدارة ترامب ستضع شروطاً مرجعية. لكن يبدو على الأرجح أنه مامِن تفاصيل أصلاً. فقد صرّح ترامب في شباط/فبراير الماضي، خلال مؤتمر صحافي في واشنطن مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قائلاً: "أنظر إلى دولتَين ودولة واحدة، ويعجبني مايعجب الفريقَين من بينهما... يمكنني التعايش مع أي من الأمرَين".

تُسجَّل بعض المعطيات التي تصب في مصلحة إدارة ترامب. فالاستقبال شديد الحفاوة الذي حظي به في إسرائيل، والذي يتناقض بشدّة مع مشاعر الريبة التي كانت تراود عدداً كبيراً من الإسرائيليين بشأن باراك أوباما، قد يجعل من الصعب على نتنياهو مقاومة الضغوط التي تمارسها واشنطن لتقديم تنازلات. ويمكن أن يضخّ الالتقاء الاستراتيجي بين إسرائيل والسعودية، الموحّدتَين في معارضتهما لإيران، نبضاً جديداً في مقاربة إقليمية تمنح الدول العربية حصة في العملية، من خلال مبادرة السلام العربية للعام 2002، التي عمدت جامعة الدول العربية إلى تجديدها في آذار/مارس الماضي. جدير بالملاحظة هنا أن جايسون غرينبلات، المبعوث الأميركي لشؤون المفاوضات الدولية، الذي يُعتبر مُقرّباً موثوقاً من ترامب، كان عموماً موضع إطراء انطلاقاً من المشاورات التمهيدية التي أجراها مع الطرفَين، على الرغم من أن ذلك أدّى، كما أفيد، إلى ظهور بعض مشاعر القلق لدى اليمين المتطرّف الإسرائيلي.

لدى المؤسسة الفلسطينية في رام الله أسبابها الخاصة للشعور بالحبور. فقد تبيّن أن أسوأ مخاوفها – قيام إدارة ترامب بـنقل السفارة الأميركية إلى القدس، وتقديم دعم علني أو ضمني لتوسيع المستوطنات الإسرائيلية – لا أساس لها. كما شعر القادة الفلسطينيون بالحماسة مع تلقّي عباس دعوة مبكرة لزيارة واشنطن، وردّ الزيارة من جانب ترامب الذي توجّه إلى بيت لحم الأسبوع الماضي خلال جولته الأولى خارج الولايات المتحدة. وهكذا، وبعد المخاوف التي راودت الفلسطينيين إبّان الانتخابات الأميركية وخشيتهم من عدم اكتراث واشنطن بهم، منح كلام ترامب المُتكرر عن مفاوضات السلام، رام الله أملاً بأن الفلسطينيين سيؤخَذون في الاعتبار في الحسابات السياسية للبيت الأبيض. وبغض النظر عن رأي الفلسطينيين، في مجالسهم الخاصة، حول احتمال إطلاق ترامب مبادرة في هذا الإطار، يوفّر ذلك اندفاعةً ضرورية جداً للسلطة الفلسطينية المحاصَرة ومنظمة التحرير الفلسطينية، اللتين تتخبطان لإثبات وجودهما منذ انهيار المبادرة الدبلوماسية التي قام بها وزير الخارجية السابق جون كيري في نيسان/أبريل 2014.

سوف يجد المستشارون السياسيون الفلسطينيون، شأنهم في ذلك شأن نظرائهم الإسرائيليين والأميركيين، أموراً كثيرة تُفرِحهم في صور الزيارة التي قام بها ترامب إلى الأراضي المقدّسة والتي استمرت يومَين. إلا أن هناك أسباباً للتشكيك في آفاق تحقيق تقدّم مجدٍ، بدءاً من سجل المفاوضات السابقة وتركيبة حكومة نتنياهو، مروراً بالفضائح السياسية المستفحِلة التي يواجهها البيت الأبيض، وصولاً إلى غياب الاهتمام نسبياً لدى الدول العربية في خضم الأزمات الإقليمية المتعاقبة.

يُضاف إلى ذلك التحديات العميقة التي تواجهها الحركة الوطنية الفلسطينية– وهو موضوع تقرير سيصدر قريباً عن مؤسسة كارنيغي-. هذا التقرير، الذي يستند إلى أبحاث ميدانية واستطلاع شمل 58 قيادياً فلسطينياً في مجالات متعددة، ويضم تعليقات مسهَبة لكتّاب فلسطينيين، يخلص إلى أن الوطنية الفلسطينية تقف عند مفترق طرق خطير، بعد مرور خمسين عاماً على الحرب العربية-الإسرائيلية التي اندلعت في حزيران/يونيو 1967 وأسفرت عن سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية وقطاع غزة.

فيما يُنظَر إلى المسارات التي تقود إلى الدولة الفلسطينية بأنها تصبح أقل قابلية للحياة بصورة مطّردة– يعتبر ثلاثة أخماس المُستطلعة آراؤهم أن حل الدولتَين لم يعد قابلاً للتطبيق– يبدو أن المسار الحالي في الضفة الغربية وغزة على السواء سيقود على الأرجح إلى استمرار الاحتلال، وتوسُّع المستوطنات، وتزايد الانقسامات الداخلية. بيد أن البديل الاستراتيجي– بدءاً من المقاومة الشعبية (أو حتى العنفية) وصولاً إلى تبنّي خيار الدولة الواحدة– يقتضي تصعيد المواجهة ضد إسرائيل بطرق من شأنها زيادة الضغوط الاقتصادية-الاجتماعية على الشعب الفلسطيني، من دون أن يكون النجاح مضموناً.

مما لاشك فيه أن الفلسطينيين يعتقدون بغالبيتهم الساحقة أن النشاط الاستيطاني الإسرائيلي وطبيعة الاحتلال في ذاته هما العائقان الأكبر أمام حل الدولتَين. وقد لفت اختصاصي فلسطيني في العلوم الاجتماعية، في مقابلة أجريت معه في إطار التقرير المذكور، قوله: "يقضي توسيع المستوطنات عملياً على أي [آفاق] مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية".

غير أن أبحاثنا تشير إلى أن الفلسطينيين غير راضين بالدرجة نفسها تقريباً عن قيادتهم. فقد اعتبر نحو اثنَين من أصل كل ثلاثة أشخاص من المُستطلعة آراؤهم، أن معالجة شكل من أشكال الانقسامات السياسية أو الاجتماعية الداخلية هي من التحديات الأكثر إلحاحاً في المجتمع الفلسطيني. وانتقدوا بشدّة الفساد والمحسوبيات في القيادة الفلسطينية، ولاسيما في الضفة الغربية، إنما أيضاً في غزة، وغياب التمثيل والمداخل إلى مفاتيح السياسة.

مع إلغاء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بصورة متكررة منذ العام 2006، اشتكى عدد كبير من المُشاركين في الاستطلاع من أن معظم المؤسسات الوطنية الفلسطينية لم تعد تملك صفة تمثيلية وباتت تعاني من الركود، ومن أنها غائبة في بعض الأحيان. في هذا السياق، قال محلل سياسي فلسطيني مقيم في عمان: "لا أعتقد أن هناك راهناً حركة فلسطينية تمثّل الشعب الفلسطيني كما يجب، وقادرة على خوض نضال فعّال من أجل تقرير المصير".

تَظهر بعض مؤشرات الديناميكية على المستوى المحلي. فقد ساهمت النقابات والمجموعات الطالبية وممثّلو المجتمع المدني في خلق روابط بين القادة والناخبين، وأتاحت لبعض القادة الشباب، الذين جرى إقصاؤهم من السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح، دخول النظام السياسي. ووسط الاهتمام الكبير الذي يُتوقَّع أن تحظى به مقاربة ترامب للعلاقات الإسرائيلية-الفلسطينية في الأسابيع والأشهر المقبلة، لا بدّ من التساؤل عما إذا كان بإمكان جيل جديد من القادة الفلسطينيين الذين يستعدّون لتسلّم مقاليد السلطة، بثّ حياة جديدة في حركتهم الوطنية.