خلال الشهر الماضي، تمحور النقاش في مصر حول مبادرة تشريعية الهدف منها إعادة تنظيم الطريقة التي تُدار بها المؤسسة الدينية في البلاد.

للوهلة الأولى، بدا أن الهدف من المبادرة هو وضع القيادة العليا في الأزهر، وهي المؤسسة البحثية والتربوية الرسمية مترامية الأطراف التي تسيطر على المجال الديني في مصر، تحت إشراف رئاسي أكبر، في ما يُشبه إلى حد كبير ماحصل مع المناصب القضائية العليا الشهر الفائت. بيد أن المجهود كان أكثر جسارة في الواقع، ولم تكن الغاية منه إحداث تغيير في أعلى الهرمية في الأزهر وحسب، إنما أيضاً التدخُّل عميقاً في سير عمله.

جسارة المجهود كانت السبب في إخفاقه، أقلّه في الوقت الراهن. فقد نجح الأزهر في حشد أنصاره، محيطاً نفسه بمزيج من السلطة الدينية والإباء المصري، ومقدِّماً نفسه في صورة مؤسسة تتعرض إلى هجوم غير مبرّر. فأعطى ذلك مثالاً يزداد ندرةً عن فريق سياسي مصري يعبّئ قاعدته الناخبة دفاعاً عنه. إلا أن هناك مؤشّرات بأنه كان للمجهود الآيل إلى إعادة هيكلة الأزهر، ولو وُضِع مؤقتاً على الرف، تأثيرات حقيقية. فالقيادة الدينية في مصر باتت تسير بخطى أكثر تروّياً، كما حقّقت القيادة السياسية نجاحاً أكبر في استغلال بعض الانقسامات في القطاع الديني.

سباق سياسي يعود إلى عقود مضت

يعود التنافس السياسي لإدارة الأزهر إلى عقود خلت. فالأزهر الذي يضم جامعة وشبكة من المدارس الابتدائية والثانوية منتشرة في مختلف أنحاء البلاد، ومؤسسات بحثية وهيئات تصدر الفتاوى، يُحدّد الطريقة التي يتم بها تدريس الإسلام في مصر. وتَعتبر المؤسسة أيضاً أنها من الأصوات البارزة التي تمثّل الإسلام السنّي في العالم. تدور بعض المؤسسات الإسلامية في مصر خارج فلكها. فوزارة الأوقاف تشرف على المساجد والأوقاف الدينية، وتشكّل جزءاً من السلطة التنفيذية. ودار الإفتاء، المسؤولة عن إصدار الفتاوى لهيئات الدولة، مؤسسة مستقلة على الرغم من أن الأزهر هو من يتولّى حالياً تعيين رئيسها. بيد أن هيبة الأزهر أكبر، ليس فقط بسبب مكانته الدولية إنما أيضاً لتمتّعه ببعض الاستقلال الذاتي عن باقي مؤسسات الدولة.

ذلك الاستقلال الذاتي، الذي لم يكن قطّ غير محدود، تقلّص في الستينيات مع سعي الرئاسة السلطوية في مصر إلى فرض سيطرة أكبر على الأزهر. لكن في كانون الثاني/يناير 2012، أصدر الحكّام العسكريون في المجلس الأعلى للقوات المسلحة – الذي كان يتمتع آنذاك بسلطة رئاسية بعد إطاحة حسني مبارك في العام السابق – بصورة مفاجئة قانوناً جديداً بموجب مرسوم نصّ على إعادة إنشاء هيئة كبار العلماء التي حُلَّت في الستينيات، على أن يكون دورها الإشراف على مؤسسة الأزهر. وقد قام الإمام الأكبر شيخ الأزهر الحالي، الشيخ أحمد الطيب، بتعيين الأعضاء الأوائل في الهيئة، وبعدها أصبحت المواقع الشاغرة تُملأ من داخل الهيئة نفسها. كذلك أوكِل إلى هيئة كبار العلماء تعيين الإمام الأكبر ورئيس دار الإفتاء، اللذين كان يُعيّنهما الرئيس المصري في السابق. وبموجب تعديلات 2012، احتفظ الإمام الأكبر بسلطة اختيار رئيس جامعة الأزهر، أو توخّياً للدقة، كان يقوم بإرسال الأسماء التي يختارها إلى الرئيس المصري الذي يمتلك سلطة تعيين شكلية وحسب.

بدت دوافع الجيش واضحة للعيان. كانت جماعة الإخوان المسلمين وحلفاؤها يتّجهون نحو تحقيق أكثرية برلمانية، وهذا ماحدث بعد ساعات من صدور المرسوم، فأُطلِقت يد الأزهر لمنع التيار الإسلامي من إعادة قولبة المؤسسة على صورته. وهكذا وجد الإخوان أنفسهم في موقف مربك اضطُرّوا معه إلى التنديد بإصلاح لطالما طالبوا به – ولم يفلحوا في مسعاهم هذا، فقد احتفظ إسلام الدولة (الممثَّل بمؤسسة الأزهر) باستقلاليته إلى حين طرد الإسلاميين من السلطة. قام الإمام الأكبر بسلسلة من التعيينات الأولية في هيئة كبار العلماء، ما أسفر عن ملء أكثر من نصف المقاعد. لكنه أبدى لاحقاً تروّياً شديداً في التعيينات، إلى درجة أن الأعضاء كانوا يموتون بوتيرة أسرع من استبدالهم. غير أن الهيئة، وعلى الرغم من عدم اكتمال عضويتها، أتاحت للإمام الأكبر أن يحيط نفسه بالحكمة الجماعية للفقهاء المتبحّرين عند الضرورة.

إذن، عندما تسلّم الرئيس عبد الفتاح السيسي منصبه في العام 2014، وجد نفسه يواجه الأسيجة نفسها التي بنيت حول الدين من أجل إبعاد سلفه المُلتحي. وقد سعى إلى اختراقها – أولاً عبر إلقاء محاضرة على مسامع قادة الأزهر حول مسائل المنهاج الدراسي، ثم عبر مخاطبتهم بلهجة استعلائية عن قانون الطلاق.

يقودنا ذلك إلى التفسير الأفضل للسياق الذي خرج منه الاقتراح التشريعي الأخير. تقنياً، أُطلِق مشروع القانون بناءً على مبادرة محمد أبو حامد، وهو من داعمي السيسي في مجلس النواب المصري. بهذا المعنى، يعكس مشروع القانون نزعةً جديدة في المنظومة التشريعية المصرية، حيث تُقدَّم المقترحات السلطوية والمثيرة للجدل بأنها صادرة عن مجلس النواب وليس عن الرئاسة والأجهزة الأمنية (وهما على الأرجح الفريقان الفعليان خلف إطلاقها). وهكذا، تبقى بصمات النظام بعيدة عن التشريعات، ويمكن أيضاً بهذه الطريقة تجنّب حدوث تدخّل كبير من جانب الوزارات المعنية والحكومة وسواها من الأجهزة التابعة للدولة. يُذكَر في هذا الصدد أن التغييرات الأخيرة في تنظيم القضاء – التي منحت الرئيس المصري سلطة استنسابية على التعيينات القضائية في المناصب الكبرى – أُقِرَّت على عجل عبر استخدام آلية مماثلة تفتقر إلى الشفافية. وفي وقت سابق، أعاد مجلس النواب أيضاً صياغة قانون حول المنظمات غير الحكومية، وسادت تكهّنات على نطاق واسع بأن الأجهزة الأمنية هي التي كانت توجّه دفة البرلمان في هذا الإطار.

ماذا كان ليحصل لو أُقرّ مشروع القانون؟

قد تكون الآلية التشريعية في مصر شديدة التعقيد، غير أن نص القانون حول الأزهر كان واضحاً جداً. التغييرات التي حظيت بالاهتمام الأكبر في مشروع القانون كانت تلك التي من شأنها أن تطال مباشرةً الإمام الأكبر. كان القانون ليفرض تحديد مدّة ولايته باثنَي عشر عاماً. كما أنه اقترح آلية يتم من خلالها تشكيل لجنة تتولى فتح تحقيق حول الإمام الأكبر في حال اتّهامه بسوء السلوك، وأرسى مساراً يمكن اتّباعه لعزله من منصبه. وعمد أيضاً إلى توسيع آلية اختياره. فبحسب مشروع القانون، لايتم اختياره فقط من قبل أعضاء هيئة كبار العلماء، إنما أيضاً من أعضاء مجمع البحوث الإسلامية التابع لمؤسسة الأزهر. أخيراً، ووفقاً لمشروع القانون أيضاً، لن تستمر هيئة كبار العلماء في إعادة إنتاج نفسها، كما أن عضويتها لن تبقى مقتصرة على الفقهاء الدينيين. بل ستضم أيضاً بعض الأعضاء من ذوي الخبرة العلمانية (مثل الخبرة في علم النفس) وكذلك أفراداً تسمّيهم الوزارات والمجالس المصرية.

كان من شأن التشريع الجديد أن يجري تغييرات أيضاً في دور وتركيبة المجلس الأعلى للأزهر المسؤول في شكل أساسي عن الشؤون الإدارية، ليضم إلى جانب المسؤولين الدينيين وممثّلي الوزارات المعنية المتعددة، خمسة أفراد يعيّنهم الرئيس. يُشار إلى أن مسؤولية المجلس الأعلى الأساسية، بموجب تعديلات 2012، هي تحديد موازنة الأزهر. كان من شأن مشروع القانون للعام 2017 توسيع هذا الدور، عبر تكليف المجلس إرساء إطار إسلامي يستند إليه لنشر تعاليمه الدينية. نتيجةً لذلك، كان المجلس الأعلى ليتحمّل مسؤولية إصلاح الخطاب الديني وفقاً لما كان السيسي يضغط من أجل تحقيقه.

كان مشروع القانون ليتوغّل أيضاً بصورة أعمق في هيكلية المؤسسة. تملك جامعة الأزهر، في الوقت الراهن، مجموعة من الكليات، الدينية وغير الدينية، التي تنسّق مع وزارة التربية والتعليم، لكنها تتمتع أيضاً باستقلالية ذاتية، كما أنها تخضع إلى المساءلة أمام رئيس يعيّنه الإمام الأكبر. بيد أن مشروع القانون ينص على فصل كليتَي الآداب والعلوم عن جامعة الأزهر، وإنشاء جامعة جديدة تحت اسم جامعة الإمام محمد عبده للدراسات الدولية. كان الهدف من هذا التقسيم إدراج جميع الكليات غير الدينية التابعة للأزهر ضمن اختصاص المجلس الأعلى للجامعات ووزارة التعليم العالي. وفي حين أن الأزهر يستقطب راهناً طلابه من خرّيجي المدارس الثانوية التي يديرها بنفسه، كانت الجامعة الجديدة المنصوص عليها في مشروع القانون ستستقبل أيضاً طلاباً ليست لديهم خلفيات دينية.

حقّق الأزهر نجاحاً أكبر من السلطة القضائية في مقاومة هذه التغييرات. ففي حين أن القضاء – الذي أصيب بالهلع إلى حد كبير بسبب التغييرات التي فُرِضَت عليه – مؤسسة نافذة، إلا أن الامتداد الاجتماعي للأزهر أوسع نطاقاً بأشواط. فهو يمتلك أكثر من تسعة آلاف مدرسة في مختلف أنحاء البلاد، تضمّ مايزيد عن مليونَي طالب، وخرّيجوه موزَّعون في مؤسسات الدولة. وبإمكان الإمام الأكبر أن يوجّه دعوة إلى الشبكات الصوفية والإقليمية لدعم الأزهر. وحتى مَن هم خارج الفلك المباشر للمؤسسة، ينظرون إليها باعتبارها رمزاً وطنياً، مايرسّخ النظرة القومية إلى قيادة مصر للمسلمين السنّة. وهكذا، أطلق الاقتراح التشريعي مايمكن اعتباره حملة ضغوط على مشروع القانون.

فور طرح مشروع القانون على مجلس النواب، طلب العديد من النواب من رئيس المجلس، علي عبد العال، رفضه على أساس أنه ينتهك الدستور. لقد أفضت علاقات الأزهر القوية مع النواب وأهميته الاستراتيجية في مصر، إلى رد فعل مناوئ من مجلس النواب، ما أدّى فعلياً إلى سقوط مشروع القانون قبل مناقشته. انتقد محمد أبو حامد رد الفعل هذا، وتمسّك بدعمه لمشروع القانون، زاعماً أن النواب الذين عارضوه لم تتسنَّ لهم الفرصة لقراءته، وأنهم غير مُنصفين في حكمهم عليه. ونفى الكلام عن أنه يتصرف بالنيابة عن الرئاسة، مشيراً إلى أن هذه المقولة المخطئة أدّت إلى نفور الداعمين المحتملين لمشروع القانون، عبر افتعال صراع على النفوذ بين المؤسسات لا وجود له في رأيه.

سلّط رد فعل مجلس النواب الضوء على قوة الأزهر كمؤسسة، وأظهر قدرة هذا الأخير على الاستمرار في التصدّي للضغوط من الرئاسة. أعلن عدد كبير من النواب الذين رفضوا مشروع القانون، ولاءهم للإمام الأكبر، واعتبروا أن التشريع تجاوزَ خطاً معيناً عبر فرض حدود على مدّة ولايته، وإنشاء آلية تقصٍّ وتحقيق يمكن أن تؤدّي إلى عزله من منصبه. واقع الحال هو أن النواب الذين دعموا في البداية مشروع القانون، عادوا فسحبوا لاحقاً هذا الدعم على ضوء ردود الفعل، زاعمين أنهم لم يتنبّهوا إلى أنه يستهدف الإمام بهذه الحدّة.

بيد أن كبار المسؤولين في الأزهر أدركوا أنه من شأن ارتكاب هفوة سياسية أن يحمل مخاطر جمّة في هذا التوقيت. وهكذا، عندما لمّح رئيس جامعة الأزهر في تصريح له، إلى أن أحد أبرز منتقدي المؤسسة هو كافر، أقدم الإمام الأكبر في الحال على إقالته من منصبه. وقد بدأ خطاب المسؤولين في الأزهر حول إصلاح المنهاج التعليمي و"تجديد الخطاب الديني"، وهي قضية مبهمة رفع السيسي لواءها، يُظهر تجاوباً أكبر بعض الشيء، على الرغم من استيائهم من تدخُّل الرئيس في مسألة دينية. وعندما سُمِع فقيه ديني بارز معروف بمقاربته الليّنة عموماً، يتلفّظ بكلام عبر شاشة التلفزيون بدا منه أنه يشجب الديانة المسيحية، بادرت وزارة الأوقاف سريعاً إلى منعه من إلقاء الخطب. يُشار إلى أن هذا الفقيه كان من المنافسين لتسلّم منصب وزير الأوقاف، ولعل هذا هو السبب وراء السرعة التي اتُّخِذ بها القرار.

تفتح هذه الخصومات ثغرات تتيح للسلطة التنفيذية ممارسة المحسوبيات وتأليب الفصائل بعضها على بعض (بالفعل، يزعم أبو حامد، النائب الذي كان وراء اقتراح مشروع القانون، أنه تشاور مع شخصيات دينية رفيعة غالباً ما تُصنَّف في خانة خصوم الإمام الأكبر ومنتقديه). ربما انكفأ عنوةً الهجوم الأمامي الشديد على الاستقلال الذاتي لمؤسسة الأزهر، لكن ما دامت هذه المؤسسة تحتفظ بصوتها المستقل، قد تجد نفسها في مواجهة مزيج من حروب الخنادق والغوار.