شهدت إيران مؤخراً انتخابات رئاسية فاز فيها الرئيس الحالي حسن روحاني. في هذا الإطار، ومن أجل تسليط بعض الضوء على الانتخابات، وما يمكن أن تحمله لإيران ولايةٌ ثانية برئاسة روحاني، فضلاً عن التطورات السياسية التي أحاطت بالمرحلة السابقة للانتخابات، تحدّثت ديوان، في مطلع حزيران/يونيو الجاري، مع كريم ساجدبور، الباحث الأول في برنامج الشرق الأوسط. كذلك سجّل ساجدبور تدوينة صوتية أطول عن الانتخابات لمؤسسة كارنيغي، يمكن الاطلاع عليهاهنا.

مايكل يونغ: فاز حسن روحاني للتو بولاية رئاسية ثانية في إيران. كيف يمكن أن تختلف ولايته الثانية عن الأولى؟

كريم ساجدبور: كرّس روحاني ولايته الأولى للتوصّل إلى اتفاق نووي مع القوى الدولية من أجل تخفيف العقوبات عن بلاده. لهذه الغاية، كان الرئيس في حاجة إلى الدعم – أو على الأقل الموافقة – من المرشد الأعلى، علي خامنئي، والحرس الثوري. لذلك، تجنّب إثارة غضبهم، ولم يسعَ إلى الدفع باتجاه تعزيز الحريات السياسية والمدنية.

في الولاية الثانية، وإلى جانب العمل على تحسين الاقتصاد الإيراني المُتداعي، يتوقّع أنصار روحاني منه أن يكون أكثر صراحةً في دعمه للمجتمع الأهلي والتحرير السياسي، كما كان خلال الحملة التي خاضها من أجل إعادة انتخابه. أشكّ في حدوث ذلك لسببَين اثنين. أولاً، روحاني قادمٌ من المؤسسة الأمنية الإيرانية، وخلال العقود القليلة المنصرمة، في كل مرةٍ وقع فيها صدامٌ بين المجتمع الأهلي وبين جهاز النظام القمعي، كان يقف دائماً إلى جانب الأخير. ثانياً، إذا كان روحاني يسعى إلى أن يكون مرشحاً محتملاً لخلافة خامنئي في منصب المرشد الأعلى، سيحتاج إلى طمأنة كبار رجال الدين الإيرانيين والحرس الثوري بأنه لن يهدّد مصالحهم.

يونغ: خلال مرحلة الحملة الانتخابية، قال منتقدو النظام الإيراني إنه في حال فاز خصمه ابراهيم رئيسي في الانتخابات، من شأن ذلك أن يسلّط الضوء بصورة أفضل على التناقضات في هذا النظام. تستند هذه النظرة إلى الافتراض بأن روحاني هو إلى حد كبير ركن من أركان النظام، ولو كان يظهر بعباءة أكثر قبولاً على المستوى الدولي. ما رأيكم؟

ساجدبور: هناك ثلاثة أسئلة يتم التداول بها في موضوع روحاني: هل يريد حقاً التغيير؟ هل يمكنه حقاً تحقيق التغيير؟ وما نوع التغيير الذي يسعى إليه؟ أعتقد أن روحاني يريد فعلاً تحقيق الانفتاح الاقتصادي، وتخفيف القيود الاجتماعية، وتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة، على غرار المسار الذي سلكته الصين في أواخر سبعينيات القرن الماضي.

السؤال المطروح هو ما إذا كان روحاني سيتمكّن من تحقيق أي من هذه الأهداف خلال ولايته الثانية. تساورني شكوك أكبر في هذا المجال. طالما أن خامنئي هو المرشد الأعلى، لا أعتقد أنه يمكن تحقيق هذه الأهداف. يحاول روحاني، في نواحٍ معيّنة، التوفيق بين أمور يتعذّر التوفيق بينها، وذلك عبر محاولة استمالة الناخبين الإيرانيين الذين يريدون تغييراً واسع النطاق، إنما في الوقت نفسه طمأنة مؤسسة الجمهورية الإسلامية المتجّذرة التي تسعى جاهدة إلى ديمومة الوضع القائم.

يونغ: هل تعتبرون أن دعم خامنئي لرئيسي كان مجرد خطوة تكتيكية، وأنه كان مسروراً في أعماقه بفوز روحاني؟

ساجدبور: كان خامنئي ليستفيد في الحالتَين. لو فاز رئيسي، كان خامنئي ليحظى، لأول مرة، برئيس مطيع يشاركه نظرته إلى العالم ويلتزم بالمبادئ الثورية، مثل العداء تجاه الولايات المتحدة.

الميزة التي تحملها إعادة انتخاب روحاني هي أنها تجعل الولايات المتحدة تجد صعوبة أكبر بكثير في حشد تحالف دولي لعزل إيران سياسياً واقتصادياً. تعتبر روسيا والصين والهند وحتى عدد كبير من البلدان الأوروبية أن روحاني ووزير الخارجية الإيراني جواد ظريف رجلان عقلانيان يجب الانخراط معهما لاعزلهما.

يونغ: ما المغزى الذي يحمله منع محمود أحمدي نجاد من الترشّح للانتخابات؟

ساجدبور: في العام 2009، أثارت إعادة انتخاب أحمدي نجاد التي كانت موضع تشكيك، انقسامات غير مسبوقة في صفوف النخبة الحاكمة في طهران، وتسبّبت باندلاع أكبر انتفاضة شعبية في البلاد منذ العام 1979. شارك الملايين في الاحتجاجات، ولقي أكثر من مئة مصرعهم، وأصيب الآلاف بجروح، أو زُجّوا في السجون، وتعرّضوا إلى التعذيب. غير أن خامنئي اعتمد موقفاً مؤيّداً بشدّة لأحمدي نجاد، وردّد رجال دين متشدّدون، على غرار آية الله مصباح يزدي، عبارة شهيرة: "طاعة الرئيس هي من طاعة الله".

أمر لافت أن هذه القوى نفسها قرّرت، بعد ثماني سنوات، أن أحمدي نجاد غير مؤهّل حتى للترشُّح للرئاسة. بعد صدور قرار منعه من الترشح، لم تشهد البلاد عملياً أي رد فعل شعبي. أعتقد أن أحمدي نجاد كان بمثابة سيف في يد خامنئي يستطيع الاستغناء عنه. لقد استخدم هذا الأخير أحمدي نجاد بمثابة هراوة ضد خصومه في الخارج والداخل، وعلى رأسهم هاشمي رفسنجاني الذي كان خصماً له لفترة طويلة (والذي هزمه أحمدي نجاد في الانتخابات الرئاسية الإيرانية في العام 2005). وعندما بات واضحاً أنه لدى أحمدي نجاد طموحات شخصية أكبر، قام خامنئي والحرس الثوري بإضعافه إلى حد كبير.

يونغ: يتجه مجلس الشيوخ الأميركي قريباً نحو فرض عقوبات جديدة على إيران. ماذا سيكون تأثيرها على ضوء خطة العمل المشتركة الشاملة التي جرى التوصل إليها في العام 2015؟

ساجدبور: غالب الظن أن العقوبات الجديدة التي سيقرّها مجلس الشيوخ لن تمارس تأثيراً كبيراً. أظن أن السؤال الأكبر المطروح – بالنسبة إلى إدارة ترامب ومستقبل الاتفاق النووي – هو إذا كان سيُسمَح لشركة "بوينغ" ببيع طائرات إلى إيران، بحسب مندرجات الاتفاق النووي. يطرح هذا السؤال تحدياً بالنسبة إلى الرئيس دونالد ترامب لأنه يضع سياسته الداخلية في مواجهة سياسته الخارجية. فمن جهة، تستقطب صفقة الـ"بوينغ" الاستثمارات الخارجية، وتساهم في استحداث الوظائف في الولايات المتحدة، كما أنها ضرورية لمؤازرة الاتفاق النووي. ومن جهة أخرى، يعتبر أعضاء كبار في الكونغرس، منهم السناتور ماركو روبيو، أنه يجب منع الشركات الأميركية من بيع الطائرات إلى طهران "بانتظار أن يتوقف النظام الإيراني عن استخدام الطائرات التجارية لأغراض عسكرية غير مشروعة".

يونغ: يسود في الشرق الأوسط قلقٌ شديد من توسّع النفوذ الإيراني. هل تعتقدون أنه لدى إدارة ترامب خطة متماسكة لمنع حدوث ذلك؟

ساجدبور: لاتزال الإدارة الأميركية تعمل على مراجعة سياستها في الملف الإيراني، لكنني أعتقد أنه ستكون هناك بعض عوامل الاختلاف الملحوظة بالمقارنة مع سياسة باراك أوباما في هذا المجال. أولاً، على الأرجح أن السياسة الجديدة ستنطوي على مكوّن عسكري قوي، نظراً إلى أنه لدى العديد من مستشاري ترامب حول شؤون الشرق الأوسط وإيران خلفيات عسكرية. ثانياً، سيكون هناك تردّدٌ أقل في التصدّي لإيران، والذي كان مدفوعاً في السابق بالخشية من تهديد الاتفاق النووي (الذي يقول عنه ترامب إنه "كارثي"). ثالثاً، وكما لمسنا حتى الآن، سوف تستند السياسة الجديدة إلى روابط أوثق مع حلفاء واشنطن التقليديين في المنطقة، مثل إسرائيل والسعودية.

يبلغ التأثير الإيراني في الشرق الأوسط مستوياته الأكبر في الدول حيث هناك حكومات مركزية ضعيفة، وجيوش متصدّعة، ومجتمعات منقسمة – منها سورية واليمن والعراق ولبنان. لقد سعت طهران إلى ملء الفراغات السياسية التي تسبّبت بها حرب العراق في العام 2003 والانتفاضات العربية التي اندلعت في العام 2011. لكن، بغض النظر عن الاستراتيجية التي ستنتهجها إدارة ترامب، ليست هناك طرق سريعة أو سهلة لبسط النظام والاستقرار من جديد في المنطقة.

يونغ: كيف تقوِّمون تأثير السياسات الإيرانية في سورية؟ يبدو أن نظام الأسد يعتمد بصورة كاملة على روسيا وإيران، وربما كان أكثر اعتماداً على الثانية. وهذا يُعَدّ بالطبع انتصاراً كبيراً للنظام الإيراني، أليس كذلك؟

ساجدبور: من الواضح أن الدعم المالي والعسكري الإيراني – بما في ذلك نشر آلاف العناصر من الحرس الثوري وحزب الله وسواهم من المقاتلين الشيعة في سورية – حال دون انهيار نظام الأسد. يُعتبَر ذلك، في العام 2017، انتصاراً جيوسياسياً كبيراً لإيران، لكن بحلول سنة 2027، قد يُنظَر إليه بأنه كان نصراً باهظ الثمن.

أعتقد أن دعم النظام الإيراني للأسد سيكون وصمةً على صورة إيران في العقود المقبلة. لايزال الإيرانيون يتذكّرون الأضرار التي ألحقها صدام حسين ببلادهم قبل أكثر من ثلاثة عقود، بيد أن الدمار الذي أنزله الأسد وداعموه بسورية أكبر بكثير. فقد وصل عدد القتلى إلى خمسمئة ألف، ويزيد عدد النازحين داخلياً أو خارجياً عن 12 مليون نسمة، كما تعرَّض آلاف السوريين، وعدد كبير منهم نساء وأطفال، للاستهداف بواسطة الهجمات بالأسلحة الكيميائية.

يونغ: أصبح خامنئي متقدّماً في السن، مع العلم بأنه لايزال يُحكِم سيطرته على البلاد. ما توقّعاتكم بشأن السنوات الخمس المقبلة في إيران، مع تزايد احتمالات حدوث انتقال في السلطة؟

ساجدبور: يناهز خامنئي الثامنة والسبعين، وتبرز منذ أكثر من عقد تكهناتٌ حول صحته وخلافته. من الممكن أنه مريض في الوقت الراهن ولم يتبقَّ لديه الكثير من الوقت، لكن من المحتمل أيضاً أن يبقى في السلطة لعشر سنوات إضافية.

في حين أن خلافته غير قابلة للتوقّع البتة، وليس هناك من مرشّحين واضحين للعيان، المؤسستان اللتان يُرجَّح أن تؤدّيا دوراً في اختيار المرشد الأعلى المقبل – مجلس الخبراء والحرس الثوري – يقودهما أشخاصٌ اختارهم خامنئي بنفسه. لذلك، غالب الظن أن المرشد الأعلى العتيد لن يختلف كثيراً عن خامنئي في رؤيته الداخلية والخارجية على السواء.