تشهد منطقة الريف المغربية، ولاسيما مدينة الحسيمة، مظاهرات متواصلة منذ تشرين الأول/أكتوبر2016، تصاعدت حدّتها في الأيام الأخيرة. أجرت مدوّنة "ديوان" مقابلة مع إنتصار فقير، خبيرة شؤون المغرب ومحرّرة "صدى" في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، للإضاءة على الأحداث الراهنة في منطقة الريف. كانت فقير خصّت "ديوان" مقالاً العام الفائت بعنوان "بوعزيزي جديد؟" تناولت فيه الأحداث التي شهدتها الحسيمة.

مايكل يونغ: ما خلفية الاضطرابات التي تعمّ منطقة الريف شمالي المغرب؟

إنتصار فقير: انطلقت شرارة الاحتجاجات المتواصلة في تشرين الأول/أكتوبر 2016، كردّة فعل على مصرع بائع السمك الشاب محسن فكري طحناً بين فكَّي آلة طحن النفايات، وهو يحاول استعادة أسماكه التي صادرتها الشرطة ورمتها. وما لبث أن غدا مصرع فكري رمزاً قويّاً وتجسيداً لحالة الازدراء والإهمال والحرمان التي يشعر العديد من سكان الريف بأنهم ضحاياها. ظلّت جذوة المظاهرات مشتعلة على مدى ثمانية أشهر تقريباً وإن بوتائر متباينة، يتأجّج لهيبها حيناً ويخفت حيناً آخر. لكن وتيرتها تصاعدت حدّتها (شهدت المنطقة الاحتجاجات الكبرى شهريّاً، والاحتجاجات الأصغر أسبوعياً، أو مرتين في الأسبوع، أو عند الضرورة) - بدءاً من أوائل نيسان/أبريل الماضي تحديداً، حيث بات يُطلَق عليها بشكلٍ متزايد اسم حراك الريف، مايشي بتنامي زخمها وأهميتها. وقد اعتُبرت المظاهرات التي شهدتها المنطقة في عطلة نهاية الأسبوع منذ أسبوعين الأكبر حتى الآن، وأسفرت عن صدامات مع الشرطة واعتقالات جماعية.

مع أن المظاهرات رمت في البداية إلى تحقيق العدالة لمحسن فكري، إلا أنها سُرعان ماركّزت على المطالبة بمعالجة مختلف التحديات الاقتصادية والاجتماعية والإدارية التي تعاني منها منطقة الريف. فواقع الحال أن التنمية في المغرب غير متوازنة، وأن مناطق واسعة من البلاد تعاني من نقصٍ في الخدمات، ناهيك عن أن الكثير من المغاربة يرزحون تحت وطأة الفقر المُدقع وتعوزهم الموارد الأساسية، مثل مياه الشرب والرعاية الصحية والتعليم والفرص الاقتصادية. يُضاف إلى ذلك أن تاريخ منطقة الريف محفوفٌ بالخلافات. فمنطقة الحسيمة كانت مقرّ جمهورية الريف التي لم تعمّر طويلاً (بين عامَي 1921-1926) والتي انبثقت من رحم الثورة ضد الاستعمار. وفي أواخر الخمسينيات، أي خلال السنوات الأولى من استقلال المغرب، جرّد ولي العهد حسن آنذاك حملة دموية لقمع المعارضة في الريف، سقطت المنطقة في أعقابها طي الإهمال. كذلك، عجزت المساعي العديدة التي بُذلت لإنعاش الريف عن تلبية الحاجات الأساسية لهذه المنطقة.

يونغ: كيف تعاملت الحكومة مع المظاهرات؟

فقير: تباينت جهود الحكومة في استجابتها للحراك الاحتجاجي. فقد انهمك المسؤولون، بُعيد مصرع فكري، في تهدئة بركان الغضب الشعبي عبر فتح التحقيق في الحادثة فوراً ومحاسبة المسؤولين (المباشرين) عنها. ومؤخراً، تحدّث مسؤولون حكوميون عن الحاجة إلى معالجة الأسباب الكامنة خلف هذا الغضب الشعبي، ولاسيما من خلال طرح برامج جديدة تُعنى بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية - وهذا أمرٌ يشعر العديد من سكان الريف بأنهم حُرِموا منه. لكن هذه الخطوات الإيجابية الأولية لم تكن كافية للتخفيف من حدّة التوتّر. وما ألقى بظلاله على هذه الخطوات أيضاً أن الحكومة بذلت جهوداً منتظمة لتصوير المتظاهرين على أنهم يعملون لحساب "قوى خارجية" أو أن لديهم "توجهات انفصالية".

لاتزال الحسيمة ترزح تحت قبضة أمنية حكومية مشدّدة، كما أن أجهزة الأمن تدخّلت أحياناً لتفريق المتظاهرين بالقوة، إذ وردت تقارير مفادها أن عناصر الشرطة أطلقوا رصاصات مطاطية وغازات مسيلة للدموع على المتظاهرين. وفي أعقاب مظاهرات 25 أيار/مايو، اعتقلت قوى الأمن حوالى 40 متظاهراً (أُطلق سراح 15 منهم حتى الآن)، من ضمنهم ناصر الزفزافي. كذلك تحدّثت تقارير في الصحافة المحلية عن أن المتظاهرين ربما تعرّضوا إلى التعذيب. وأشارت وسائل إعلامية محلية موالية للحكومة إلى أن الزفزافي، الشاب الذي سطع نجمه خلال الأشهر الأخيرة واستحوذ على اهتمام الدولة، يدّعي قيادته للحراك. وقد أثار اعتقاله موجة إدانات واسعة، كذلك شهدت مدن أخرى مظاهرات واعتصامات متضامنة معه – لم تقتصر على شمال المغرب وحسب، بل شملت أيضاً الرباط والدار البيضاء ومراكش ومدناً أخرى. تمّ اعتقال الزفزافي بسبب "تهديده الأمن القومي" بعد مقاطعته إمام مسجد أثناء إلقائه خطبة الجمعة، ودعواته إلى الانضمام إلى الاحتجاجات. ومن المؤكد أن القمع العنيف الذي تمارسه وزارة الداخلية على نحو مطّرد، واعتقال الزفزافي بتهم مبالغ فيها، والبيانات التي تصف المتظاهرين "بالعملاء" أو "الانفصاليين" أو "المحرّضين"، ستؤجّج مشاعر الغضب والتهميش المشروعة.

اعتُبر رئيس الوزراء سعد الدين العثماني وباقي أعضاء الحكومة عاجزين إلى حدّ كبير عن تنفيس التوتّرات. وقد سلّط الكثيرون في المغرب الضوء على عدم وجود شخصية وطنية قادرة على التدخُّل لتهدئة الوضع، وسماع مطالب المتظاهرين، والوعد بإيجاد حلول ذات صدقية. وكانت الأحزاب والشخصيات السياسية حذرة من الانجرار إلى ما تعتبره وضعاً متفجراً، خاصةً وأن وزارة الداخلية والحكومة تعملان جاهدتيْن من أجل إيجاد حلّ للأزمة المتفاقمة. وكان الياس العمري، رئيس حزب الأصالة والمعاصرة والمتحدِّر من الريف، قد دعا إلى الحوار للتخفيف من حدّة التوترات، وهي دعوة نُظر إليها على أنها خدعة، بما أنه هو نفسه جزء من جهاز الدولة الذي يُعتبر مصدر حنق المتظاهرين.

في الآونة الأخيرة، دعت فروع محلية لثلاثة أحزاب رئيسة وزارة الداخلية إلى مزيد من ضبط النفس وإلى الإفراج عن الزفزافي وغيره من المتظاهرين. في هذا السياق، التقى وفد حكومي مع قادة التظاهرات المحليين في 22 أيار/مايو، مقدّماً إليهم عدداً من مبادرات التنمية المحلية تناهز قيمتها مليار دولار، لكن هذه المحاولة لم تخفف فوراً من وطأة الاحتجاجات. كما جرى التخطيط لمبادرات أخرى من بينها إعلان وزير الإسكان نبيل بن عبدالله في 25 أيار/مايو أنه سيتم، بموجب تعليمات الملك، بناء 5000 وحدة سكنية في المنطقة لتلبية النقص في المساكن، وفقاً لما ذكرته وكالة الأنباء الرسمية.

لابدّ من الإشارة هنا إلى أن الملك محمد السادس لم يتحدّث مباشرةً عن المظاهرات، باستثناء القول إنه أوعز إلى المسؤولين بطرح مختلف المبادرات، اتّساقاً مع محاولاته للنأي بالنفس عما يجري. وبرزت مطالبات عبر الفايسبوك دعت الملك إلى التدخُّل شخصياً لتهدئة الوضع. وعلى الرغم من أن هذه الدعوات تُظهر صورة الملك كمخلّص، إلا أنها تبالغ في تقدير نفوذه في الريف، التي يعجّ تاريخها بالنزاعات وبمشاعر التهميش المتجذّر.

يونغ: إلى أين من هنا، وماذا يعني ذلك بالنسبة إلى استقرار المغرب؟ وهل يمكن أن يؤثر على شرعية الملك؟

فقير: ربما يتعيّن على الحكومة، من أجل إخماد جذوة الغضب في هذه المرحلة، أن تتقدم بخطط أكثر تحديداً وأهمية مما فعلته حتى الآن. وفي حين أن الاحتجاجات تبدو شائعة إلى حد ما في المغرب- سواء كانت تنظّمها مجموعات مصالح مختلفة ذات مطالب محددة (على غرار الاتحادات والنقابات) أو احتجاجات شعبية أكثر عمومية- إلا أنها تتواصل الآن منذ فترة مديدة، ولاتنفكّ تتنامى من حيث العدد والأهمية، فيما تلجأ الحكومة إلى القمع.

سيعتمد مستقبل هذه الاحتجاجات وميلها إلى مزيد من التفاقم إلى حد كبير على كيفية تعامل الحكومة معها. حتى الآن، لم تفشل الجهود المبذولة لإيجاد طريقة التعامل الصحيحة وحسب، بل يبدو أيضاً أنها زادت الطين بلّة. من الممكن أن تتردد أصداء خيبات الأمل في الريف في جميع أنحاء البلاد، وهذا بدأ يحدث بالفعل. لكن، إذا أقرّت الحكومة بالحرمان والإهمال في المنطقة وتصدّت لهما، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر، حادث مقتل فكري، فمن غير المرجّح أن يتوسع نطاق الاحتجاجات.

على الرغم من أن الوضع في المغرب لازال مستقراً وأن الملك لازال صانع القرار الرئيس، تشي هذه الاحتجاجات برغبة شعبية أكبر في تحميله مسؤولية الأوضاع في البلاد. وتبقى الاحتجاجات السبيل الوحيد المُتبقي في غياب هياكل الحوكمة التي يمكن أن تعالِج بشكل فعّال مصادر قلق المواطنين واحتياجاتهم. وبما أن المحتجّين لايطالبون بإطاحة النظام الملكي، إلا أن الكثيرين يرغبون على نحو متزايد في أن تكون الحكومة (والملكية التي تديرها) موضع مُساءلة عن وضع البلاد. والخطوات التي يتخذها الملك، مستخدماً شرعيته وقاعدته الشعبية، ستحدّد مستقبل الاحتجاجات والمغرب ككل.