مروان المعشّر، نائب الرئيس لشؤون الدراسات في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، كان وزيراً للخارجية ونائباً لرئيس الوزراء في الأردن. مؤلف "نهج الاعتدال العربي" (The Arab Center: The Promise of Moderation) (مطبعة جامعة ييل، 2008)، و"الصحوة العربية الثانية: المعركة من أجل التعددية" (The Second Arab Awakening and the Battle for Pluralism) (مطبعة جامعة ييل، 2014). انطلاقاً من الخبرة التي يملكها المعشّر في شؤون الشرق الأوسط، تحدثت "ديوان" معه، في حزيران/يونيو الحالي، للإضاءة على الأوضاع الإقليمية على وقع الاضطرابات الكبرى، ولاسيما بعد الزيارة التي قام بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى المنطقة.

مايكل يونغ: في أيار/مايو الماضي، انطلق دونالد ترامب في رحلته الأولى إلى الخارج، وكانت له محطّة في الشرق الأوسط، حيث زار السعودية وإسرائيل والأراضي الفلسطينية. كيف تقوّمون الزيارة عموماً؟ وما تداعياتها العامة التي تكشّفت في الأسابيع اللاحقة؟

مروان المعشّر: استُقبِل الرئيس ترامب استقبال الأبطال في السعودية، بسبب موقفه المناهض لإيران ومايُسمّى الدولة الإسلامية، وعدم تركيزه على مسائل مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان. ترى السعودية ومصر والأردن في حصر الإدارة الجديدة تركيزها بموضوع الأمن، تباعداً مرحَّباً به عن موقف الرئيس السابق باراك أوباما الذي اعتُبر بمثابة استرضاء لطهران. لم تَرُق لهذه الدول أيضاً فكرة أن هيلاري كلينتون قد تعمد، في حال فوزها بالرئاسة، إلى التركيز على قضايا الإصلاح السياسي. لكن ترامب، بإطلالته على تحديات المنطقة من خلال ذهنية أمنية أساساً، ربما منح قادتها شعوراً مُخطئاً بالثقة، عبر السماح لهم بتجاهل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت في الأصل وراء اندلاع الانتفاضات العربية.

في مايتعلق بتداعيات الزيارة، يُنظَر في المنطقة إلى الخلاف السياسي الراهن مع قطر بأنه نتيجة مباشرة من نتائج الجولة التي قام بها الرئيس الأميركي. كان للكلام المناوئ لقطر الذي صدر في البداية عن ترامب دورٌ في هذا الإطار، غير أـن التركيز المتجدّد على الأمن، ربما يعني أن السعوديين وحلفاءهم يشعرون بأنهم يتمتعون بالتمكين اللازم لاتّخاذ تدابير أكثر جرأة ضد البلدان التي يُقال إنها تساعد المجموعات المتشدّدة، ومنها إيران وقطر.

يونغ: يقول بعض المراقبين إن زيارة ترامب إلى السعودية انطبعت بتبنّيه بصورة كاملة الرؤية السعودية للمنطقة، ولاسيما في مايختص بإيران. لكن في الوقت نفسه، لم يتراجع الرئيس الأميركي عن الاتفاق النووي مع هذه الأخيرة. ما الذي يشي به ذلك بشأن تحركات ترامب في المستقبل؟

المعشّر: لايزال السعوديون ينظرون إلى ترامب على أنه نقيض أوباما. يعني ذلك أنهم مستعدّون حتى الآن لتجاهل موقفه المناهض للمسلمين ودعمه لإسرائيل. وفي حين أن ترامب لم يتراجع عن الاتفاق النووي، ومن غير المتوقّع أن يفعل، يأمل السعوديون بأن يحافظ على موقفه الصارم المناوئ لإيران، ليس فقط في الملف النووي إنما أيضاً في مايتعلق بالتدخل الإيراني في شؤون المنطقة. لايزال ترامب يستمتع بشهر عسل مطوّل مع عدد كبير من الدول العربية، طالما أن مسائل أخرى يدور حولها خلافٌ واضح، لاتحتل الواجهة.

يونغ: تطبع الطموحات الإيرانية في المنطقة بختمها عدداً من النزاعات في الشرق الأوسط، فضلاً عن التطورات في العديد من البلدان الإقليمية. في رأيكم، هل يمكن أن تنجح إيران في جهودها التي تسعى من خلالها إلى أن تصبح قوة إقليمية كُبرى، أم أنه ثمة مبالغة في تقدير الإمكانات التي تتمتّع بها؟

المعشّر: الدور الذي تؤدّيه إيران في المنطقة هو في آن نتيجة لطموحاتها الإقليمية وللفراغ الذي ولّده ضعف النظام السياسي الإقليمي العربي. ليست صدفة أن القوى الإقليمية الثلاث الكبرى حالياً هي قوى غير عربية: إيران وتركيا وإسرائيل. وفي حين أنه لايمكن إنكار الطموحات الإيرانية في المنطقة، يجري أحياناً تضخيم الدور الإيراني في بلدان مثل البحرين واليمن. ينبغي على بلدان الخليج فعل الكثير على الصعيد الداخلي عبر معاملة الشيعة لديها على قدم المساواة، بدلاً من تحميل التدخّل الإيراني حصراً المسؤولية عن التحديات التي تواجهها هذه البلدان على الساحة الداخلية.

يونغ: تشكّل منطقة جنوب شرق سورية راهناً إحدى أبرز نقاط التوتر، مع وجود سباق ضمني بين الولايات المتحدة من جهة وإيران وروسيا من جهة ثانية من أجل السيطرة على الحدود مع العراق. مامدى خطورة ذلك، ومن وجهة نظر أردنية، ماهي العناصر التي تقف على المحك في مايختص بهوية الجهة التي ستسيطر في نهاية المطاف على الحدود السورية-العراقية؟

المعشّر: ترتدي السيطرة على الحدود السورية-العراقية أهمية بالغة للحؤول دون قيام تنظيم الدولة الإسلامية بنقل الأشخاص والأسلحة بحرية بين البلدَين. تلك الحدود قريبة جدّاً أيضاً من الأردن. لقد بذلت عمّان قصارى جهدها منذ انطلاقة الانتفاضة السورية كي لاتتواجد أي قوى متطرّفة، بمافي ذلك الدولة الإسلامية اعتباراً من العام 2014، على مقربة من حدودها. وفي الوقت نفسه، أعلنت بوضوح أنها لن تنشر أي قوات برّية أردنية داخل سورية، لكنها ستدافع عن حدودها بمايضمن عدم وجود أي قوى معادية في الجهة الأخرى.

يونغ: من الأولويات المعلَنة لدونالد ترامب، التوسّط من أجل التوصل إلى اتفاق بين إسرائيل والفلسطينيين. هل هي مجرّد نزعة دعائية، أم أن هناك مساراً ممكناً لبلوغ هذا الحل؟

المعشّر: القول أسهل بكثير من الفعل في هذه المسألة. التوسّط من أجل التوصل إلى اتفاق بين الفلسطينيين والإسرائيليين يقتضي بالضرورة ممارسة ضغوط جدّية على الحكومة الإسرائيلية، والرئيس ترامب ليس مستعداً ببساطة للقيام بذلك. لقد صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مراراً وتكراراً أنه غير مهتم بالتوصل إلى حل مقبول من الفلسطينيين يقوم على إنشاء دولتَين؛ حل يتم الاتفاق عليه بالاستناد إلى حدود ماقبل 1967، بما يتوافق مع مبادرة السلام العربية، على أن تكون القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطينية، ومع التوصل إلى حل مُتَّفق عليه لمشكلة اللاجئين. في غياب مثل هذه الضغوط، ستكون إعادة إطلاق عملية تفاوضية مسألةً شكلية في الجانب الأكبر منها، إنما من دون مضمون فعلي. لا أعتقد أن هناك راهناً مساراً يمكن أن يقود إلى مثل هذا الحل، وعند التمعّن في الوقائع السياسية والديموغرافية، لامفرّ من الاستنتاج بأن حل الدولتَين أصبح جثّة هامدة على الأرجح.

يونغ: في المسألة الفلسطينية، مؤسسة كارنيغي في صدد العمل راهناً على وضع ورقة بحثية عن الفلسطينيين، لمناسبة الذكرى الخمسين لحرب حزيران/يونيو 1967 بين العرب وإسرائيل. ماذا تقولون في هذا الإطار، وكيف تقرأون الأمور في السياق الراهن للديبلوماسية في الشرق الأوسط، على ضوء الاستعداد الأميركي لإعادة الانخراط في المنطقة؟

المعشّر: حتى الآن، لم يتعرّض نموذج أوسلو، الذي حكم المفاوضات العربية-الإسرائيلية منذ العام 1993، إلى تحدٍّ جدّي من المجتمع الدولي. بيد أن الوقائع على الأرض تشي بأن الوقت حان لإعادة النظر في هذا الإطار التفاوضي لمعرفة إذا كان لايزال ملائماً، وتحديد مدى مساهمة التطورات الميدانية في تغيير أسلوب التفكير. يستند التقرير الذي تعمل مؤسسة كارنيغي على وضعه، إلى آراء الفلسطينيين أنفسهم – في الضفة الغربية وغزة، والشتات، وإسرائيل - على اختلاف انتماءاتهم السياسية وفئاتهم العمرية.

تضيء نتائج التقرير على نقاط مهمة. إذ يبدو أن الجيل الفلسطيني الجديد فقدَ الأمل إلى حد كبير بإمكانية التوصّل إلى حل الدولتَين. يمكن أن نستشفّ تحوّلاً بارزاً من التركيز على شكل الحل (دولة فلسطينية) إلى التركيز على الحقوق، مدنية كانت أم سياسية، بغض النظر عن النتائج السياسية. وهذا يُفسّر الخطوات الراهنة لدعم حملة مقاطعة المنتجات الإسرائيلية من خلال حركة "مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها"، والإضراب عن الطعام الذي ينفّذه مؤخراً الأسرى الفلسطينيون، وفكرة سَوْق إسرائيل إلى المحكمة الجنائية الدولية، وغيرها من الإجراءات المماثلة. يبدو المجتمع الفلسطيني عازماً في الوقت الراهن على رفع كلفة الاحتلال.

في حين أـن هناك تبايناً كبيراً في الآراء حول النتيجة المفضّلة التي يُحبَّذ أن يتأتّى عنها الصراع الفلسطيني، يقترح الفلسطينيون العديد من البدائل الأخرى، مثل إقامة دولة ثنائية القومية، أو دولة ذات سيادة مشتركة، وما إلى هنالك. كل هذه التحولات تلقى تجاهلاً من المجتمع الدولي، الذي أبدى حتى الآن مقاومة شديدة لمختلف الأفكار الجديدة، على الرغم من الوقائع على الأرض. سوف يحاول تقرير كارنيغي تحديث طريقة تفكيرنا في هذه المسألة، وذلك استناداً إلى التطورات التي طرأت منذ أوسلو.

يونغ: يبدو أن الحوار تجدَّدَ بين واشنطن وموسكو حول الملف السوري، في أعقاب الهجوم الكيميائي في خان شيخون في نيسان/أبريل الماضي. هل ستحصل روسيا على تفويض جديد من الأميركيين لإنجاز عملية سياسية ما في سورية، تماماً كما حصلت على تفويض من إدارة أوباما إبّان الهجوم الكيميائي في الغوطة الشرقية في العام 2013؟

المعشّر: على الرغم من الخطاب اللغوي، لم يشهد الموقف الأميركي من المسألة السورية تغييراً فعلياً. تبقى سورية ذات أهمية استراتيجية ضئيلة بالنسبة إلى الولايات المتحدة، ويبدو ترامب، شأنه في ذلك شأن أوباما قبله، راضياً عن السماح لروسيا بتسلّم زمام الأمور. غير أن الولايات المتحدة وروسيا وبلداناً أخرى، مثل السعودية وتركيا والأردن، مهتمة بإطلاق عملية سياسية تبدأ ببقاء نظام الأسد في إطار ترتيب لتقاسم السلطة مع المعارضة، إنما تنتهي برحيل بشار الأسد. يُبدي الروس الآن حرصاً شديداً على وضع استراتيجية خروج، بما يضمن لهم عدم البقاء في سورية إلى ما لانهاية، وعدم تكرار الكارثة الأفغانية.

هنا أيضاً، القول أسهل من الفعل في مايتعلق بتحقيق ذلك الهدف. فالعناصر المطلوبة للشروع في مثل هذه العملية لم تتوافر بعد. لدى إيران حسابات مختلفة، وتبدو متمسّكة بشخص الأسد. ليست هناك شخصيات معارِضة واضحة المعالم للحلول مكان الأسد، وتخشى الولايات المتحدة وروسيا والسعودية وتركيا والأردن التسبّب بفراغ قد تستغلّه التنظيمات المتطرفة. يعني ذلك كله أن الأزمة السورية لم تنتهِ فصولاً بعد، وأنها ستلازمنا أقلّه في الأعوام القليلة المقبلة.

يونغ: العام الماضي، نشرت مؤسسة كارنيغي تقريراً أساسياً بعنوان "انكسارات عربية: مواطنون، دول، وعقود اجتماعية"، تطرّقَ إلى حالة العالم العربي. رسم التقرير مشهداً قاتماً إلى حد ما عن الوضع العربي. مع وصول إدارة جديدة إلى واشنطن، هل تعتبرون أنه يمكن إعادة النظر في أجزاء معينة من التقرير وصياغتها بطريقة مختلفة؟

المعشّر: لايعتمد التقرير فعلياً على أي تبدّل في الإدارة الأميركية. إنه يعرض ببساطة الحقيقة البديهية، ولو كان يتم تجاهلها لمآرب معيّنة. هذه الحقيقة هي أن التحديات التي تواجهها المنطقة تنبثق كلّها من أزمة حكم على مختلف الجبهات – السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولذلك تقتضي أي محاولة لمعالجة الصعوبات التي تتخبّط فيها المنطقة، اعتماد مقاربة شاملة، وطرح سياسات سياسية واقتصادية واجتماعية جديدة أكثر إشراكاً وتعدّدية. كي تنجح الإدارة الأميركية الجديدة، أو بلدان المنطقة، في معركتها ضد تنظيم الدولة الإسلامية، عليها أن تدرك أن المعركة يجب أن تشتمل على كل العناصر الآنفة الذكر، وألا تقتصر فقط على الأمن. هذه هي الرسالة الأساسية التي يتضمّنها التقرير، والتي صدرت عن قادة فكر من مختلف أنحاء العالم العربي. لكنها لم تلقَ، حتى الآن، آذاناً صاغية.