بروس ريدل زميل أول في معهد بروكينغز في واشنطن ومدير مشروع استخبارات بروكينغز. هو أيضاً زميل أول في مركز بروكينغز لسياسة الشرق الأوسط. في  العام 2006، تقاعد ريدل، الذي نشأ وترعرع في بيروت، من وكالة الاستخبارات المركزية (سي. آي. أيه) بعد ثلاثين عاماً من العمل فيها. كان مستشاراً أول لأربعة رؤساء أميركيين لشؤون جنوب آسيا والشرق الأوسط ضمن فريق مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض. التقته "ديوان" في منتصف حزيران/يونيو الجاري للحديث عن العلاقات الأميركية مع دول الخليج، ولاسيما السعودية، وكذلك مع أفغانستان وباكستان.

مايكل يونغ: اعتبرتم في مقال نشره معهد بروكينغز مؤخراً أن العقود الدفاعية بقيمة 110 مليارات دولار التي قيل أن الرئيس دونالد ترامب توصل إلى اتفاق بشأنها مع السعودية، هي في الواقع "أخبار ملفّقة". هلا تتوسّعون في شرح هذه النقطة، ولماذا لم يتقصَّ سوى عدد قليل جداً من الأشخاص عن صحة هذه الاتفاقات الدفاعية المزعومة، خاصة وأنها اعتُبِرت عامل نجاح أساسياً في زيارة ترامب إلى السعودية؟

بروس ريدل: ينظر الجزء الأكبر من العالم، على امتداد أجيال، إلى مكتب الرئيس بأنه المؤسسة الأكثر نفوذاً في الولايات المتحدة. وعندما يعلن هذا المكتب أن الرئيس عقد اتفاقات مع السعودية بقيمة 110 مليارات دولار في مجال مبيعات الأسلحة، تميل وسائل الإعلام والرأي العام إلى الاعتبار بأن هذه البيانات تعبّر عن الحقيقة. إذن، لدى ترامب عقوداً من الثقة بالتاريخ الرئاسي إلى جانبه. فالجميع يفترضون أنه يقول الحقيقة.

لكنها أخبار ملفّقة. انقضت أسابيع ولم يبادر البيت الأبيض والبنتاغون بعد إلى عرض عقود مبيعات الأسلحة المزعومة على الملأ. من المفترض أن يكونوا الآن في صدد مناقشة منظومات الأسلحة المشمولة في الصفقة. ويجب رفع إشعارات إلى مجلس الشيوخ للحصول على موافقته على المبيعات. كان يجب أن تشكّل الصفقة نقطة محورية في البيان المشترك الصادر عن المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأميركية في ختام قمة الرياض. غير أن شيئاً من هذا كله لم يحدث.

لقد طُرِح على التصويت في مجلس الشيوخ اتفاقٌ متواضع لتزويد سلاح الجو الملكي السعودي بمزيد من الذخائر، من أجل مواصلة القصف السعودي لليمن. في 13 حزيران/يونيو الجاري، أقرّ مجلس الشيوخ بفارق ضئيل في الأصوات الصفقة التي تبلغ قيمتها 500 مليون دولار، مع تصويت 47 سناتوراً ضد عملية البيع، معلّلين ذلك بالمعارضة للحرب التي تقودها السعودية في اليمن. وفي هذا التصويت الاعتراضي يتخطى بعشرين صوتاً إضافياً نتيجة التصويت الأخير في مجلس الشيوخ الأميركي على اتفاق لتسليح السعودية العام الماضي، مايُظهر أن الزخم يتحوّل ضد السعوديين. غير أن الاتفاق الأخير يعود في الواقع إلى عهد إدارة أوباما. أما في عهد ترامب فهناك رسائل اهتمام متبادلة حول أنواع أخرى من الأسلحة، منها أربع فرقاطات وبعض المروحيات، إنما لم يتم إبرام عقود نهائية.

لطالما طالب الإسرائيليون واشنطن بتعويضات مقابل أي عمليات كبرى لبيع الأسلحة إلى السعوديين. وعندما باع أوباما المملكة أسلحة بقيمة 60 مليار دولار قبل خمسة أعوام، منها مقاتلات "إف-15"، وطائرات حربية من طراز "أباتشي"، وسواها من الأسلحة، طلبت إسرائيل صفقة للحصول على طائرة مقاتلة شبح إضافية من طراز "إف-35" من أجل الحفاظ على "تفوّقها النوعي" على العرب، وكان لها ماأرادت. وفي حال التوصُّل إلى صفقة حقيقية بقيمة مليارات الدولارات، كونوا على يقين من أن الحكومة الإسرائيلية ستُسمِع صوتها في هذا المجال. وعندئذٍ لن يكون خبراً ملفّقاً.

يونغ: منذ الزيارة التي قام بها الرئيس الأميركي إلى الشرق الأوسط في أيار/مايو الماضي، مارس عدد من الدول العربية، منها السعودية والإمارات العربية المتحدة، تصعيداً عنيفاً ضد قطر. ما برأيكم الرابط المحدد بين زيارة ترامب إلى الخليج والخلاف مع قطر؟

ريدل: تلاعب السعوديون جيداً بفريق ترامب قبل قمة الرياض وخلالها. أغدقوا الإطراء على الرئيس وعائلته، واستقدموا جمهوراً خاضعاً من القادة المسلمين الذين لم يحظَ معظمهم بفرصة التكلم، وحرصوا على عدم خروج تظاهرات عامة مناهضة لترامب في رحلته الأولى إلى الخارج. الدولة البوليسية التي تقطع رؤوس منتقديها ستكون على الدوام خالية من الاحتجاجات.

في المقابل، كرّس ترامب المملكة في موقع القائد الأول للعالم الإسلامي. السعوديون هم الأخيار، والإيرانيون هم الأشرار. الخير في مقابل الشر، الأبيض في مقابل الأسود. وقد حصل الملك سلمان على شيك على بياض لملاحقة أعدائه. ويبدو أن قطر تتصدّر القائمة التي وضعها العاهل السعودي.

لم يفكّر فريق ترامب قط بموضوع قطر. لم تكن السياسة المعقّدة في مجلس التعاون الخليجي مدرجةً على شاشات راداراتهم. قال ترامب إن قطر ستكون زبوناً آخر يُضاف إلى قائمة مشتري الأسلحة الأميركية "الجميلة". بيد أن تعقيدات السياسة الشرق أوسطية مسألة غير معهودة بالنسبة إلى ترامب وصهره جاريد كوشنر. وهذا ليس مفاجئاً. ولم يكن مستشارو الرئيس الأكثر خبرةً نافعين في هذا المجال. فقد سبق أن خيّبوا الآمال عندما كان يجدر بهم قول الحقيقة للرئيس.

يونغ: كيف سيؤثّر الخلاف مع قطر في مستقبل العلاقات في الخليج الفارسي؟

ريدل: الأزمة القطرية هي أزمة صغيرة نسبياً بحسب المعايير شرق الأوسطية. غير أن ترامب يتعامل معها بطريقة فوضوية. فالتغريدات التي تعتبر أن المسألة القطرية هي نقطة التحوّل الحاسمة في الحرب العالمية على الإرهاب تتسابق مع النداءات الأكثر ديبلوماسية لسلوك طريق العقل والمنطق. إذا كان مايجري هو تجربة اختبارية عن إدارة الأزمات في الخليج، فإن النتائج التي ظهرت حتى الآن تشي بأن الإدارة الأميركية ليست جاهزة لوقت الذروة. هذا ليس الفريق المناسب لجَبْه التحديات الحقيقية. تخيّلوا فريق ترامب يتعامل مع التداعيات التي قد تتأتّى عن اندلاع حرب في غزة أو لبنان.

ليس واضحاً ماالذي ستؤول إليه هذه الأزمة. كانت السياسة الخارجية السعودية، تقليدياً، حذرة وتتجنّب المجازفة. كان أسلاف الملك سلمان – أشقاؤه عبدالله وفهد وخالد وفيصل – يتفادون عادةً المواجهة، ويتحرّكون في الخفاء وخلف الكواليس. كان المال يجد حلولاً لمعظم المسائل، أو على الأقل ينفع بطريقة من الطرق.

غير أن الملك سلمان ونجله، ولي ولي العهد وزير الدفاع محمد بن سلمان، أكثر ميلاً إلى خوض حروب وأشد استعداداً للمجازفة. السياسة التي تطبع وجودهما في السلطة منذ عامَين ونصف العام هي الحرب في اليمن، التي تعتبرها الأمم المتحدة الأزمة الإنسانية الأسوأ في العالم في الوقت الراهن. عملية عاصفة الحزم مستنقع يتخبّط في طريق مسدود، وإيران هي الرابح الوحيد. إذا كان اليمن يحمل من مؤشّر في مايتعلق بالأزمة القطرية، فعلينا أن نتوقّع مساراً فوضوياً يستمر وقتاً طويلاً.

يونغ: كيف تفسّرون أن الرئيس الأميركي الذي يبدو الأكثر عداء للمسلمين بين الرؤساء لايحظى بشعبية حقيقية سوى وسط مجموعة من القادة في الشرق الأوسط؟ وهل تعتقدون أن هناك نتائج طويلة الأمد لزيارته إلى المنطقة، أم مثل معظم الأمور في حالة ترامب، إنها مجرد مسألة للدعاية من دون متابعة فعلية؟

ريدل: ترامب غير شعبي إلى حد كبير في أوساط المسلمين حول العالم. حتى في السعودية، حفنة قليلة من المواطنين أبدت رغبتها في أن يفوز في الانتخابات، بحسب استطلاع آراء أجري الخريف الماضي. يخشى الأميركيون المسلمون، عن حق، ألا تكون الإدارة صديقة لهم. لايزال ترامب يحاول فرض تطبيق الحظر على المسلمين.

إذن، الاحتضان السعودي لترامب يجعل المملكة في خلاف مع الأمة الإسلامية. احتضنت الأسرة المالكة السعودية ترامب لأنه ليس باراك أوباما. هو لايأبه لحقوق الإنسان أو المساواة الجندرية، يكره الصحافة الحرّة، ويحبّ الرجال الأقوياء. لقد توقّفت الانتقادات للدعم السعودي للعنف المذهبي ضد الشيعة.

في الولايات المتحدة، يتسبّب احتضان ترامب للسعوديين بإثارة نفور الشريحة الواسعة من الأميركيين الذين لايثقون بالمملكة. هل تذكرون التصويت لإبطال الفيتو الذي استخدمه أوباما لمنع إقرار قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب، أو مايُعرَف بـ"جاستا"؟ كان التصويت بالإجماع تقريباً. الارتباط الوثيق مع الحكومة السعودية ليس مرحّباً به على المستوى الشعبي، ولاسيما في صفوف داعمي ترامب.

من الضروري أن تكون هناك مقاربة أكثر تمايزاً لهذا التحالف الأميركي بالغ الأهمية. السعودية هي الحليفة الأقدم للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. يعود هذا الحلف إلى العام 1943 عندما زار فيصل الذي كان أميراً آنذاك البيت الأبيض، ثم ترسَّخَت قواعده بعد عامَين عندما التقى الملك عبد العزيز آل سعود وفرانكلين ديلانو روزفلت يوم عيد العشاق في العام 1945، على متن السفينة الحربية الأميركية "كوينسي". لقد واجهنا معاً تحدّيات كثيرة، بدءاً من الإمبريالية السوفياتية مروراً بصدام حسين وصولاً إلى تنظيم القاعدة. إنها شراكة تحتاج إلى لمسة واثقة وليس إلى التعامي عنها.

يونغ: كتبتم الكثير عن جنوب آسيا، مايضعكم في موقع جيد يخوّلكم تنويرنا عن المقاربة الأميركية للشأن الأفغاني، والتي يبدو أنها تواجه هجمات تزداد دموية داخل البلاد.

ريدل: الحرب في أفغانستان هي أطول حرب على الإطلاق تخوضها الولايات المتحدة، ولاتلوح لها أي نهاية في الأفق. يحتاج ترامب إلى سياسة واستراتيجية شاملتَين، وليس إلى مجرد زيادة إضافية في عديد الجنود.

العلاقة الأساسية هي مع باكستان التي لايزال جهازها الاستخباراتي المعروف بجهاز الاستخبارات المشترك، يدعم حركة طالبان الأفغانية عبر السماح لعناصرها بالاختباء في ملاذات آمنة داخل باكستان. الاستخبارات الباكستانية هي الحليف الأساسي لحركة طالبان. كانت أمام ترامب فرصة ممتازة لمناقشة هذا الأمر مع رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف في الرياض. لكنه تجاهل الزعيم المنتخَب ديمقراطياً في البلد الإسلامي الوحيد الذي يمتلك أسلحة نووية. لشريف خلافاته الخاصة مع جهاز الاستخبارات الباكستاني. وهو الشريك الأفضل الذي يمكن أن يحصل عليه ترامب في باكستان. غير أن الرئيس الأميركي لم يبادر إلى القيام بخطوة تجاهه والاجتماع به وجهاً لوجه.

يونغ: من كان، في رأيكم، خلف التفجير الأخير في الحي الديبلوماسي في كابول؟ لقد أنكرت حركة طالبان علاقتها بالهجوم.

ريدل: تقول الحكومة الأفغانية إن شبكة حقاني هي التي تقف وراء الهجوم. أعتقد أنهم يعرفون عمّا يتكلّمون. يعني ذلك أنه نُفِّذ فعلياً على يد ذراع تابعة لجهاز الاستخبارات الباكستاني. باكستان هي البلد الأكثر تعقيداً وخطورة في العالم. يمتلك فريق ترامب الخبرة اللازمة في مجلس الأمن القومي وأماكن أخرى من أجل معالجة المسألة. لنرَ إذا كانوا سيستخدمون هذه الخبرات.

يونغ: عملتم في ظل إدارات أميركية سابقة. هل هناك مايقضّ مضجعكم ويحرمكم النوم؟

ريدل: مايحرمني النوم الهانئ هو إدارة ترامب. حكَم رؤساء سيئون هذه البلاد من قبل. كان ريتشارد نيكسون محتالاً حاول سرقة ديمقراطيتنا. وكان جورج دبليو بوش مهرِّجاً خذل أميركا في 11 أيلول/سبتمبر، وارتكب الخطأ الأكبر في السياسة الخارجية في تاريخ الولايات المتحدة عبر اجتياح العراق. غير أن دونالد ترامب مخادع يمارس الخداع على الشعب الأميركي والعالم. هو ليس مؤهلاً البتّة لأداء الوظيفة الأكثر صعوبة في العالم.

يُخفي ترامب شيئاً ما عن الآلية القضائية بشأن علاقته مع الحكومة الروسية. سوف يفضح الإعلام الأميركي ترامب عاجلاً أم آجلاً. لكن ذلك قد يستغرق سنوات عدة. في الانتظار، سوف يتكبّد عالمنا أضراراً كثيرة.