أعلنت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في 5 حزيران/يونيو عن قطع علاقاتهما مع قطر، وإغلاق الحدود البرية والمجال الجوّي معها، وتشكيل تحالف إقليمي ضدّها، بدعوى دعمها للإرهاب. وعلى الفور، انكبّت أجهزة السياسة الخارجية الأميركية على العمل.

فقد أعادت السفيرة الأميركية لدى الدوحة التأكيد على الشراكة بين البلدين، ودعا وزير الخارجية ريكس تيلرسون ووزير الدفاع جيم ماتيس، اللذان يقومان بزيارة مشتركة إلى أستراليا، إلى ضبط النفس والحوار، وأعربا عن ثقتهما بأن قرار قطع العلاقات مع قطر لن يقوّض العمليات العسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية. كان من الطبيعي أن يشكّل هذا الأمر مصدر قلق لهما، باعتبار أن قاعدة العُديد الجوية في قطر هي مركز العمليات العسكرية الجوية الأميركية في الشرق الأوسط.

مع دخول الأزمة أسبوعها الثاني، لايزال التنسيق بين الوزيرين جارياً على قدم وساق، إذ عقد كلٌّ منهما على حدة سلسلة من اللقاءات في واشنطن مع وزيرَي الخارجية السعودي والإماراتي، ووزير الدفاع القطري، ومستشار الأمير القطري، وبديا مُصمّمَين على الإشارة إلى أن العلاقات مع الدوحة لم تتضرّر. وفي 12 حزيران/يونيو، قال ماتيس في كلمة أمام الكونغرس إن قطر "تسير على الدرب الصحيح" في الجهود التي تبذلها لكبح جماح تمويل الإرهاب. وبعد يومين، وقّعت قطر والولايات المتحدة صفقة بقيمة 12 مليار دولار تقضي ببيع قطر 36 طائرة مقاتلة من طراز بوينغ F-15 أُعيد خصّيصاً تصميمها، كما باشر الطرفان تدريبات بحرية مشتركة كانت مقرّرة مسبقاً ودامت ثلاثة أيام.

إذن، في خضمّ هذه الأزمة التي تهدّد المصالح الأميركية في الشرق الأوسط، تصرّفت ماكينة إدارة ترامب بشكلٍ يحاكي تصرّف الإدارات السابقة، إذ سعت إلى صيغة دبلوماسية تسمح للطرفين بحلٍّ يحفظ ماء الوجه، لكن ماعدا تفصيل صغير: ردة فعل الرئيس ترامب، الذي قرّر أن يصبّ الزيت على نار الأزمة، إذ أطلق سلسلة من التغريدات بعد يوم واحد من قطع العلاقات مع قطر، مفادها:

خلال رحلتي الأخيرة إلى الشرق الأوسط، حين قلت إنه لن يكون هناك بعد الآن تمويل للإيديولوجيا الراديكالية، أشار قادة بأصابع الاتهام إلى قطر - انظروا!
(realDonaldTrump@) دونالد ترامب 6 حزيران/يونيو 2017

أمر طيّب للغاية أن نرى أن زيارتي للسعودية ولقائي مع الملك و50 بلداً يؤتيان أُكلهما. قالوا إنهم سيلتزمون خطاً متشدّداً حيال تمويل...
(realDonaldTrump@) دونالد ترامب 6 حزيران/يونيو 2017

...التطرف وكل المؤشرات تُشير بالبنان إلى قطر. ربما هذا سيكون بداية نهاية أهوال الإرهاب!
(realDonaldTrump@) دونالد ترامب  6 حزيران/يونيو 2017

جسّدت هذه الكلمات القليلة مقاربة ترامب للسياسة الخارجية، إذ ناقض فيها بشكلٍ مباشر مرؤوسيه، وقوّض الجهود التي تبذلها إدارته، وشجّع الرياض وأبو ظبي على رفع سقف مطالبهما المتشدّدة. لكن قرار الإدارة الأميركية اللاحق ببيع منظومة من الأسلحة المتطورة التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات إلى قطر، يشي إما بأن ترامب لم يصدّق التصريحات التي أدلى بها، أو أنه ليس الآمر والناهي في نهاية المطاف. (لقد جادلتُ على موقع آخر بأن لُبّ الأزمة الخليجية ليس الإرهاب بقدر ماهو دعم الدوحة للإسلام السياسي وفضائية الجزيرة التابعة لها).

لطالما انطوى فن الحكم الفعّال على قدرٍ من الخداع، لكن مايجري الآن مختلفٌ تماماً. قد يكون مغرياً أن نعزو هفوة ترامب الأخيرة في مايتعلق بالأزمة مع قطر إلى نقص خبرته السياسية. لكن في ظل التقارير المتواترة التي تشير إلى أنه لم يكن على علمٍ بأن قطر تستضيف قاعدة العُديد الجوية، تشكّل هذه الواقعة خير مثال على أن الرئيس يعيش ازدواجية جيكل وهايد في تخطيط السياسة الخارجية.

منذ ماقبل أن يتولّى ترامب سُدة الرئاسة، ما انفكّ مؤيّدو النهج السياسي التقليدي داخل إدارته، ومن ضمنهم ماتيس وتيلرسون وحتى نائب الرئيس مايك بنس، يردّدون أن الولايات المتحدة ستحافظ على التزاماتها تجاه حلفائها الأساسيين. فقد وصف ماتيس حلف الناتو على أنه "على الأرجح أنجح وأقوى تحالف عسكري في التاريخ الحديث، وربما على الإطلاق"، فيما أكّد بنس أن "التزامات الولايات المتحدة ثابتة" تجاه الحلف، مطمئناً الأوروبيين إلى أن بلاده "ستواصل دائماً دعمها لهم".

مثل هذا النوع من الكلام المبتذل شائعٌ في الدبلوماسية الدولية، إلا أنه لن يقنع أحداً. فقد كرّر ترامب قبل حفل تنصيبه الشعار الذي ردّده خلال حملته الانتخابية، وهو أن حلف الناتو "عفا عليه الزمن". كذلك لم يخفِ ترامب في المكتب البيضاوي ازدراءه لأنجيلا ميركل (فيما كال المديح لقادة سلطويين مثل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي؛ لكن إشادته بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين كانت أكثر غرابةً وإرباكاً). وخلال الكلمة التي ألقاها في مقر حلف شمال الأطلسي، أحجم ترامب عن إعلان تبنّيه الصريح للمادة الخامسة من ميثاق الناتو، التي تُلزم الأعضاء على اعتبار أي هجوم على عضو في الحلف هجوماً على الجميع.

قد يميّز البعض بين مقاربة "أميركا أولاً" التي ينتهجها ترامب، وبين أخطائه غير المقصودة مثل ردة فعله على الأزمة الخليجية، إلا أن هذين التصرّفين ينبعان من مصدر واحد، وهو استخفافه بالمعايير السياسية، وبالفروق الدقيقة التي يرتكز عليها فن الحكم التقليدي، والأهم ربما عدم اكتراثه بالمشاعات العالمية. فالإجراءات السياسية التي اتخذها ترامب في بداية عهده – مثل القرار الذي قضى بانسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس لمكافحة تغيّر المناخ، ومن اتفاقية الشراكة التجارية عبر المحيط الهادئ – ستقوّض حتماً قدرة واشنطن على ممارسة دور قيادي على مستوى السياسة الخارجية، وستسهم باطّراد في هدم ما تبقّى من النظام العالمي، وقد تُضرّ أيضاً باقتصاد الولايات المتحدة.

لكن هذه القرارات لم تكن غير متوقعة بالكامل، وقد بدأ قادة الدول بتقييم الحالة. لاشك أن انسحاب الاقتصاد الأكبر في العالم من الاتفاقين سيضعفهما، ربما إلى حدٍّ كبير. لكن دول منطقة آسيا المحيط الهادئ عقدت اجتماعاً في تشيلي في شهر آذار/مارس أعادت فيه تأكيد التزامها باتفاقية الشراكة التجارية عبر المحيط الهادئ، سواء شاركت الولايات المتحدة فيها أم لا. كذلك، لم تحذُ أية دولة حذو ترامب في الانسحاب من اتفاقية مكافحة تغيّر المناخ، مايشي بأن المضاعفات الدولية لتوجّهات ترامب الشعبوية والعدائية لاتزال محدودة.

لايُستبعد أن تكون للنزعة القومية الاقتصادية لترامب تبعات فعّالة غير مقصودة. إذ يبدو أن ترامب أسهم سهواً في تعزيز زخم الشخصيات الأوروبية الوسطية، بعد أن فلت الاتحاد الأوروبي من عقاله عقب استفتاء "بريكست" الذي شهدته المملكة المتحدة الصيف الماضي. فقد تراجع زخم اليمين المتطرف في أوروبا بدءاً من تشرين الثاني/نوفمبر 2016 وتكبّد هزائم انتخابية عدّة. كذلك، قد تؤدّي الضغوط التي يمارسها ترامب على الدول الأوروبية لحملها على الإسهام أكثر في حماية نفسها، إلى دفع دول الناتو إلى زيادة نفقاتها الدفاعية.

لكن الأخطاء التي اقترفها ترامب في الملف القطري مربكة أكثر، لأنها تميط اللثام عن استعداده لخوض غمار مسائل مهمة في السياسة الخارجية من دون إدراك ولو قسماتها الرئيسة. قلّما يهم، في نهاية المطاف، أن نعرف الدافع وراء ردة فعله الأولية تجاه الأزمة الخليجية، سواء أكانت تنمّ عن جهله، أو اقتناعه بما يقول، أو محبته للسعودية، أو افتقاره الكبير إلى الرضا الذاتي بحيث يلتمس الحصول على التقدير لأحداث تقع على بعد آلاف الأميال عنه. فترامب، غير المهتم وغير الملم كثيراً بالشؤون الدولية، يؤثر حتماً قضاء الوقت في مشاهدة برنامج "فوكس أند فريندز" Fox and Friends، على الانشغال في السياسة المناخية أو مسألة كوريا الشمالية أو السياسات الخليجية.

ثمة بعض الدلائل على أن الاهتمام الذي يوليه الجمهور الأميركي إلى تغريدات الرئيس بدأ يتضاءل. وقد يتضاءل مع الوقت كذلك اهتمام المسؤولين الدوليين بها. لكن في غضون ذلك، هل سيستمعون إلى كلام الرجل الأقوى في العالم، أم إلى أفعال مرؤوسيه التي تناقض كلامه؟

يستحق ترامب الحصول على قدرٍ من التقدير لنجاحه (بعد أن أُرغم مستشار الأمن القومي السابق مايك فلين على الاستقالة) في تشكيل فريق أمن قومي متمسّك بالقيم التقليدية. وحتى الآن، لم تواجه إدارة ترامب بعد أزمة دولية من العيار الثقيل يستدعي حلُّها كفاءةً وتبصّراً وقرارات حكيمة من جانب الرئيس.

لكن ترامب قد يواجه مثل هذه الأزمة قريباً، إذ هدّدت روسيا بأنها ستستهدف أي طائرة تحلّق ضمن مناطق عملياتها في سورية، سواء أكانت أميركية أو تابعة للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، ردّاً على إسقاط الولايات المتحدة طائرة عسكرية سورية يوم الأحد الفائت.