إذا أخذنا بالتحليل الوارد في مجلة "فورين بوليسي" هذا الأسبوع، قد نستنتج  أن الولايات المتحدة تبنّت السياسة نفسها التي انتهجتها إدارة أوباما في التعاطي مع الملف السوري.

حتى لو أن كثراً استشعروا هذا الأمر، كان المسار نحو الحقيقة معوجّاً. فقبل وقت قصير من قيام النظام السوري بـقصف خان شيخون بالأسلحة الكيميائية في نيسان/أبريل الماضي، بدا وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون والمندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة نيكي هالي غير مستنفرَين لإطاحة الرئيس السوري بشار الأسد من السلطة. فقد لفت تيلرسون في آذار/مارس الماضي، خلال زيارته إلى تركيا، إلى أن مصير الأسد "يقرّره الشعب السوري"، في كلامٍ القصد منه أن مايحدث له ليس من شأن واشنطن. وسرعان ماكررت هالي صدى تصريحات تيلرسون عبر التشديد على أن "أولويتنا لم تعد التركيز على إبعاد الأسد".

تغيّرت المواقف بعد الهجوم المروّع في خان شيخون. فقد عمد تيلرسون إلى تبديل موقفه قائلاً إن المجتمع الدولي "في صدد اتخاذ خطوات" للتخلّص من الأسد. وأضاف: "بعد الممارسات التي قام بها، يبدو أنه لن يكون له دورٌ في حكم الشعب السوري".

هالي كانت لها أيضاً انعطافة في الموقف، إلى درجة معيّنة، عندما قالت: "ليست هناك خيارات متاحة من أجل التوصّل إلى حل سياسي في ظل وجود الأسد في سدّة الحكم". لم تكشف تصريحاتها هذه عن سياسة جديدة لتغيير النظام في سورية، لكنها تضمنت تلميحاً إلى أنه على الولايات المتحدة التفكير فعلاً في عزل الأسد في حال كانت تسعى إلى التوصل إلى حل عن طريق التفاوض في سورية.

هل نحن أمام موقف واضح وصريح؟ ليس تماماً، على ضوء ماورد في مجلة "فورين بوليسي". فقد أشار كولوم لينش وروبي غرامر، في مقال نُشِر في الثالث من تموز/يوليو الجاري، إلى أن تيلرسون قال لأمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غيتيريس في اجتماع بينهما، "إن مصير الرئيس السوري بشار الأسد هو الآن في يد روسيا، وأولوية إدارة ترامب تقتصر على إلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية..." وقد استشهد كاتبا المقال بثلاثة مصادر ديبلوماسية مطّلعة على تفاصيل اللقاء بين الرجلَين.

مما لاشك فيه أن الانعطافات في مواقف تيلرسون من الأسد أمرٌ مثير للقلق، غير أن قيامه بإلقاء مهمة التوصل إلى حل للمسألة السورية في أحضان موسكو ليس بالأمر الجديد. ربما لم تكن إدارة أوباما بهذه الجرأة، غير أن سياستها في التعاطي مع الملف السوري استندت إلى حد كبير أيضاً إلى السماح للروس بتولّي زمام الأمور هناك. لقد بذلت الإدارة الأميركية السابقة جهوداً دؤوبة من أجل تعزيز التعاون العسكري مع روسيا، على الرغم من أن إطار العمل الذي اقترحته أتاح لموسكو إلى حد كبير السعي لتحقيق أهدافها في سورية، والتي تضمنت ترسيخ نظام الأسد. وإزاء لامبالاة البيت الأبيض، أقدم 51 موظفاً في وزارة الخارجية الأميركية على توقيع مذكرة في حزيران/يونيو 2016 يطالبون فيها الإدارة الأميركية باعتماد سياسية أكثر هجومية ضد النظام السوري.

لقد ألقى منتقدو إدارة ترامب اللوم على موقف تيلرسون الأخير معتبرين أنه السبب وراء فوضى السياسات في واشنطن. هذا ملائم جداً. غير أن التبدّلات في مواقفه تكشف مدى صعوبة إجراء تغييرات في سياسة محددة مسبقاً. لم يعتبر الرئيس دونالد ترامب قط أن سورية هي ذات أهمية استراتيجية للولايات المتحدة، ونتيجةً لذلك لم يسعَ البتة إلى اعتماد مقاربة جديدة للتعاطي مع النزاع الدائر هناك.

في الأسابيع الأخيرة، مع احتدام التشنجات حول التنف، على مقربة من الحدود العراقية، حيث ينتشر طاقم عسكري أميركي، ازدادت المخاوف من غرق واشنطن في مستنقع النزاع السوري. ونظراً إلى أن ترامب ليس متحمساً للجوء الولايات المتحدة إلى التصعيد في سورية، حاول وزير الدفاع جيمس ماتيس بث أجواء من الاطمئنان في أواخر حزيران/يونيو عندما أكّد: "نرفض الانجرار إلى الحرب الأهلية السورية". الكلام الذي قاله تيلرسون على مسامع غيتيريس يصبّ في الإطار عينه.

إلا أنه لايسعنا سوى أن نبدي استغرابنا، لأنه يبدو أن إدارة ترامب لاتدرك الطبيعة المترابطة لأهدافها المعلنة في سورية، لاسيما في مايتعلق بإيران. على النقيض من إدارة أوباما، التي اعتبرت التوصل إلى اتفاق نووي مع طهران أولوية استراتيجية، تعهّدَ ترامب بالتعامل بحزم مع الجهورية الإسلامية. وبدا لبرهة في أيار/مايو الماضي، أن الولايات المتحدة تقرن القول بالفعل، عبر السعي إلى منع إيران من السيطرة على الحدود السورية-العراقية. كما بدا أنها تريد منع طهران من السيطرة على ممر بري يمكن استخدامه لإرسال تعزيزات كبرى إلى سورية ولبنان في حال اندلاع حرب مع إسرائيل. بيد أن تصريحات تيلرسون الأخيرة إلى غوتيريس تلقي شكوكاً حول هذا التفسير.

وفي مؤشر لايقلّ أهمية، وقفت إدارة ترامب، التي أعربت عن دعمها لعملية جنيف حول الملف السوري، مكتوفة اليدَين مع حلول مفاوضات الأستانة المدعومة من روسيا وإيران وتركيا تدريجاً مكان محادثات جنيف. عبر التخلي فعلياً عن عملية جنيف، التي اشترطت حدوث انتقال سياسي بمعزل عن الأسد، أتاحت الولايات المتحدة لروسيا وإيران رسم خطوط اللعبة السياسية في سورية بما يتناسب مع مصالحهما. وعلى ضوء سلطة الفيتو الكبيرة التي تتمتع بها إيران في مايتعلق بآلية الحل في سورية، ليس واضحاً كيف أن وضع المستقبل السوري في عهدة روسيا سوف يساهم في تحقيق المصالح الأميركية، أو تلبية رغبة ترامب في التصدّي للنفوذ الإيراني.

على غرار أوباما، قام ترامب في شكل أساسي بحصر سياسته في الملف السوري بمسعى واحد: تدمير مايُسمّى الدولة الإسلامية. من يقولون إن في ذلك دليلاً على ارتباك السياسات في واشنطن هم على خطأ. يعرف ترامب تماماً مايريد في سورية – وهو إبقاؤها على مسافة آمنة من الولايات المتحدة. وهذا بالضبط ماأراده أوباما.