يبدو أن مكافحة "الإرهاب الإسلامي" تكمن في صلب أولويات الرئيس الفرنسي المُنتخَب حديثاً إيمانويل ماكرون، الذي لعبت بلاده دوراً عسكرياً كبيراً في منطقة الساحل الأفريقية. كذلك، الاهتمام الأوروبي بالساحل يتزايد باطّراد، حيث يسود انطباع بأن أمن أوروبا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأحداث التي تشهدها هذه المنطقة.

في أول زيارة رسمية له خارج أوروبا، زار ماكرون مالي التي تنتشر فيها القوات الفرنسية منذ العام 2013 لمحاربة مجموعات جهادية كتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وجماعة أنصار الدين وحركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا. وزار ماكرون قاعدة غاو التي يتمركز فيها حوالى 1600 جندي فرنسي في إطار عملية برخان.

يبدو أن ماكرون لايعتزم سحب قواته من مالي قريباً، بل على العكس. فهو أعلن أن القوات الفرنسية ستبقى متمركزة في مالي "مادامت منطقة الساحل تواجه تحدّي الإرهاب الإسلامي"، كما دعا الدول الأوروبية إلى تكثيف انخراطها في جهود مكافحة الإرهاب وزيادة حجم مساعداتها العسكرية والتنموية إلى المنطقة. ومنذ فترة وجيزة، وعلى الرغم من الاعتراضات الأولية التي أبدتها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، ضمنت فرنسا تبنّي مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قراراً يقضي بنشر قوة أفريقية يشارك فيها كلٌّ من بوركينا فاسو وتشاد ومالي وموريتانيا والنيجر، وترمي إلى مكافحة الإرهاب والإتجار بالمخدرات والبشر في المنطقة.

يُنظر إلى فرنسا عموماً على أنها تمارس القوة الصلدة في منطقة الساحل فيما تقتصر مساهمة الاتحاد الأوروبي على القوة الناعمة، عبر التركيز على الدبلوماسية والتنمية والمساعدات الإنسانية. لكن هذا الواقع قد تغيّر. فمنذ توقيع اتفاقية ياوندي في العام 1963 بين المجموعة الاقتصادية الأوروبية وبين الدول الأفريقية، ركّز انخراط أوروبا على التعاون الإنمائي. لكن الاتحاد الأوروبي، الذي يدرك أن تحسين أمن الساحل يصب أيضاً في صالح تعزيز الأمن الأوروبي، تبنّى استراتيجية شاملة في العام 2011، أفضت إلى تشكيل "قوة مشتركة في منطقة الساحل" ومنح مبلغ 450 مليون يورو لمالي وموريتانيا والنيجر عبر الصندوق الأوروبي للتنمية والمديرية العامة للتعاون الدولي والتنمية. ويتم تطبيق هذه الاستراتيجية في إطار خطة العمل الإقليمية، التي تُضاف إليها مبادرات أخرى مثل التحالف الدولي لزيادة القدرة على التكيف والصمود التي انطلقت في بوركينا فاسو في العام 2012، وعملية نواكشوط التي رأت النور في العام 2013 تحت إشراف الاتحاد الأفريقي، والمؤتمر الوزاري في باماكو الذي حظي بدعم منظمة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي ومنظمات أخرى.

تعزيز الدور الأمني

بعبارة أخرى، تم تكثيف انخراط الاتحاد الأوروبي في منطقة الساحل وبات يركّز أيضاً على الأمن. وهذا أمر مفهوم باعتبار أن دول المغرب العربي الواقعة شمال منطقة الساحل تشكّل الحدود الجيوسياسية الجنوبية لأوروبا. وتواجه بلدان الساحل، على امتداد حدودها الطويلة سهلة الاختراق، أزمات متعددة الأبعاد منها الضعف البنيوي، وسوء الحوكمة، والفساد، وقلّة التطوّر، والهشاشة الاقتصادية، والإجرام، والاتجار غير المشروع، والإرهاب، والصراعات الداخلية المستعصية، والانعدام المستمر للأمن الغذائي، فضلاً عن المخاطر البيئية والنمو السكاني المرتفع. كل هذا يولّد حالة من انعدام الاستقرار بشكل كبير في المغرب العربي، إضافةً إلى إمكانية امتداده إلى أوروبا.

للقارة العجوز مصالح عديدة في ما يحصل الآن في منطقة الساحل. فالاتحاد الأوروبي يستورد 23.4 في المئة من خاماته والمعادن الأخرى من موريتانيا، ومن المتوقّع أن يتم نقل الغاز النيجيري إلى أوروبا من خلال خط أنابيب الغاز العابر للصحراء (Trans Sahara Gas Pipeline)، ويوفّر اليورانيوم من النيجر 20 في المئة من الوقود الخاص لتشغيل المفاعلات النووية الفرنسية الثمانية والخمسين، التي بدورها توّلد ما يقارب 75 في المئة من الطاقة الكهربائية في فرنسا. كما تتأثر أوروبا بشدّة بقضايا الهجرة، حيث تشكّل منطقة الساحل نقطة عبور رئيسة للاتجار بالبشر إلى أوروبا. علاوةً على ذلك، ثمة مخاوف أمنية، إذ إن منطقة الساحل تُعتبر معقلاً لجماعات جهادية قد تهاجم أوروبا أو المصالح الأوروبية، مع الإشارة إلى أنه سبق لها أن اختطفت مواطنين أوروبيين. كما أنها تُعتبر منطقة تُجرى فيها عمليات الاتجار بالمخدرات إلى أوروبا.

وبهدف التصدّي إلى هذه التحديات كافة، عزّز الاتحاد الأوروبي المبادرات الثنائية ومتعددة الأطراف على السواء، تشمل كلية أمن الساحل، فضلاً عن برنامج نظام معلومات الشرطة في غرب أفريقيا، الذي يُعدّ منصة لتبادل المعلومات بين مقرات الشرطة في كل من بنين وغانا ومالي وموريتانيا والنيجر. بالإضافة إلى ذلك، أنشأ الاتحاد الأوروبي ثلاث بعثات للعمل في إطار سياسته الأمنية والدفاعية المشتركة: بعثة الاتحاد الأوروبي لبناء قدرات قطاع الأمن في منطقة الساحل في النيجر (EUCAP Sahel Niger)، التي تهدف إلى مساعدة النيجر في مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة من خلال توفير التدريب والمشورة لأفراد الشرطة والدرك والحرس الوطني؛ وبعثة الاتحاد الأوروبي لبناء قدرات قطاع الأمن في منطقة الساحل في مالي (EUCAP Sahel Mali)، التي تتولى تدريب ومساعدة قوات الأمن في مالي، فضلاً عن تنسيق التعاون مع الشركاء الدوليين؛ وبعثة الاتحاد الأوروبي المنفصلة للتدريب العسكري في مالي (EUTM)، التي تُعنى بتدريب الوحدات القتالية وتوفير الخبرات والتوجيه بشأن القيادة والسلاسل اللوجستية والموارد البشرية. وتساهم هذه الأخيرة بالتنسيق مع بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي في عمليات نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج التي نصّ عليها اتفاق السلام والمصالحة في مالي.

أخيراً، تدخّل الاتحاد الأوروبي أيضاً في بوركينا فاسو وتشاد ومالي وموريتانيا والنيجر في إطار "مجموعة دول الساحل الخمس" (Sahel G5)، ومنحها تمويلاً قدره 50 مليون يورو. ويُعتبر ذلك إطاراً مؤسسياً تمّ إنشاؤه في العام 2014 من أجل مواءمة التعاون الإقليمي في السياسات التنموية والقضايا الأمنية. ساهم ذلك في تعزيز التنسيق والتبادلية بين قوات الأمن في دول الساحل، وستبدأ قوة من الساحل العمل قريباً جنباً إلى جنب مع بعثة الأمم المتحدة المؤلفة من 12 ألف عنصر في مالي.

نجح الاتحاد الأوروبي، من خلال استراتيجيته الإقليمية، في ترويج وتشجيع السياسات الوطنية في منطقة الساحل. بيد أنه يستخدم أيضاً في إطار عمله مجموعة مربكة من الأدوات والأطر المؤسسية الأخرى، تشمل اتفاق كوتونو، وصندوق التنمية الأوروبي، ومكتب المفوضية الأوروبية للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية (إيكو). وقد أدّى ذلك إلى تضارب وازدواجية، مثيراً عقبات في وجه معالجة القضايا المتفشية في منطقة الساحل.

منح نيجيريا والجزائر وضعية خاصة

يتعيّن على الاتحاد الأوروبي، إذا ما أراد وضع حد لهذه المسألة، أن ينسّق مقارباته العديدة للساحل. كما يجب أن يعطي البلدان الإفريقية عموماً ودول الساحل على وجه الخصوص مسؤولية ومشاركة أكبر في مايحدث، من خلال الاتحاد الإفريقي والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا على وجه التحديد.

في الوقت عينه، يجب منح شركاء إقليميين رئيسيين، كنيجيريا والجزائر، وضعية مميّزة خلال التنسيق حول الشؤون المتعلقة بالساحل. فنيجيريا هي أكبر اقتصاد في أفريقيا، وتنطوي على مخزون ضخم من النفط والغاز، وتبنّت سلسلة تعهدات لمكافحة الإرهاب. والجزائر هي خامس أكبر مزوّد للغاز للاتحاد الأوروبي، ومصدر استقرار، ناهيك عن كونها قوة عسكرية كبرى ولديها قوات أمن حسنة التجهيز والتدريب وتتمتع بخبرة في منازلة الجماعات الجهادية. ولذا، يتعيّن على أوروبا الانخراط مع الجزائر ونيجيريا بوصفهما شريكين كاملين في الساحل، وليس مجرد مقاولين من الباطن للسلام أو مُثبِطين لدفق الهجرة إلى القارة العجوز.

في ما يتعلّق بالجزائر خاصة، لايزال انعدام الثقة قائماً بينها وبين بروكسل. إذ لدى الاتحاد الأوروبي تحفظات حول مدى التزام الجزائر بمكافحة الإرهاب، فيما تساور هذه الأخيرة الشكوك حيال الاتحاد الأوروبي لأنها تعتبر أن معظم المبادرات الأوروبية تُحدث بدفع من باريس، ولأنها تشعر بتململ من الانخراط العسكري الأجنبي المباشر في المنطقة. نتيجة لذلك، هناك نقص في تقاسم المعلومات، وفي التنسيق بين المبادرات التي يقودها الاتحاد وبين تلك التي تُطلقها الجزائر. على سبيل المثال، أنشأت الجزائر "هيئة الأركان العامة المشتركة لشؤون العمليات" ومقرها تمنراست، بهدف تنسيق جهود مكافحة الإرهاب عبر المنطقة وتسهيل تشكيل دوريات وعمليات مشتركة عبر الحدود. إضافة إلى ذلك، لعبت الجزائر دوراً محورياً في تأسيس "وحدة الدمج والاتصال" ومقرها الجزائر العاصمة بمشاركة الجزائر وبروكينا فاسو وليبيا وموريتانيا ومالي والنيجر ونيجيريا وتشاد، بهدف تعزيز تبادل المعلومات الاستخبارية بين كل هذه الأطراف.

وبالتالي، يمكن لبروكسل والجزائر أن تفيدا من بعض أشكال الحوار المؤسَسي، على أن يُشرك الاتحاد الأوروبي الجزائر في عملية صنع القرار، حين يتعلّق الأمر بالقضايا الأمنية السواحلية- المغاربية، طالما أن مصالح كلا الطرفين مترابطة بعمق على هذا النحو.

كانت فرنسا، لأسباب تاريخية، منغمسة في الساحل أكثر من زميلاتها الأوروبية. بيد أن هذا قيد التغيير الآن. فالساحل واستقراره باتا أمراً حاسماً ليس لفرنسا وحسب بل أيضاً لأوروبا. وبوصفه إحدى أفقر المناطق في العالم، يحتاج الساحل إلى المساعدات الخارجية، فيما تبقى أوروبا الطرف الأكثر صدقية لمد يد العون في هذا المجال. لهذا، وعلى رغم الجهود الأوروبية الأخيرة التي ركّزت على الشأن الأمني، لاتزال مساهمة أوروبا في حقلي التنمية والاندماج الاقتصادي حيوية للغاية على قدم المساواة مع الأمن. فالتنمية والأمن، كما هو معروف، وجهان لعملة واحدة.