لم يكن لدى مركز كارنيغي في العام الماضي أية أوهام حول نظام التقاسم الطائفي للسلطة في لبنان. فقد طرح الباحث الزائر في كارنيغي جوزيف باحوط مقاربة نقدية مفصّلة للنظام اللبناني، في ورقة بعنوان "تفكك اتفاق الطائف في لبنان: حدود تقاسم السلطة على أساس الطائفة". وفي وقت أقرب، ركّزت مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط مهى يحيَ على الأزمات في نظامي التقاسم الطائفي للسلطة في لبنان والعراق. وحملت ورقتها العنوان"صيف الحراك المدني: الطوائف والمواطنون في لبنان والعراق".

طرح الباحثان وجهات نظر لها وجاهتها، وشت بأن النظام اللبناني بلغ مرحلة الشلل، مع استخدام السياسيين للطائفية، في أحوال كثيرة، لإدامة قبضتهم على السلطة والاحتفاظ بقدرتهم على نهب البلاد. الأسس التي استند إليها الباحثان في التعبير عن هذا الارتياب كانت مكينة، إذ من الصعب الدفاع عن النظام الطائفي بعد أن تآكلت، بقوة الواقع، أسسه الأدعى إلى التفاؤل.

لكن هنا يمكننا الدفاع عن وجه واحد من أوجه الطائفية اللبنانية، حيث أن النظام الطائفي هو المسؤول أيضا عن الليبرالية في لبنان، بما انطوت عليه من تناقض. لماذا التناقض؟ لأن ركائز الترتيب السياسي والطائفي غير ليبرالية في كثير من النواحي. وعلى رغم ذلك، فهي تميل، في تفاعلاتها، إلى أن يعطل بعضها بعضا، ما يخلق فراغات تسمح للأفراد بالتصرُّف بقدر من الحرية النسبية، على نحو يختلف عما هو سائد في معظم الدول العربية.

بالنتيجة، عملت الطائفية، التي تُقدِّم الجماعة الدينية على الدولة، على إضعاف الدولة. وكثير من اللبنانيين يسوءهم هذا الأمر، ولكن معظم العالم العربي يتكوّن من دول مستبدة تسعى إلى طحن التنوُّع السياسي والاجتماعي، لتخليق تجانس أيديولوجي بائس مفروض من أعلى. كان هذا موروث القومية العربية، غير المتسامحة مع كل خروج على الإجماع، سواء انطوى على نزوع إلى الحرية السياسية أو على طموح إلى أشكال من التضامن الإثني – الديني المنفصل.

هكذا، بقي الكُرد النزّاعون إلى الانفصال يُعَدُّون، لزمن طويل، مصدر خطر لنظامي العراق وسوريا. وللسبب نفسه، سارع حافظ الأسد، حين استولى على السلطة في سوريا في 1970، إلى تصوير نفسه بصورة القومي العربي، وليس باعتباره عضواً في الأقلية العلوية. وعندما أصبح جمال عبد الناصر حاكما لمصر، أطلق نفور ضباطه من الأقليات الإثنية والدينية نزوحا واسعاً من قبل هؤلاء، ماجعل الصحافي ديفيد هولدن David Holden يكتب: "تُشبه قراءة دليل الهاتف في الاسكندرية ترتيلة جنائزية مشرقية"، وفقا لما ذكره المؤلف فيليب مانسل Philip Mansel في كتابه" المشرق" ( Levant).

وحده لبنان، خلق نظاما سياسيا احتوى التباينات الطائفية بإدماج الحصص الطائفيىة في إطار مؤسسات وطنية، حتى وإن راح التوازن يتغيّر مع الوقت. بداية، كان التقاسم بين المسيحيين والمسلمين على أساس6:5 ، لصالح المسيحيين، حتى جرى تعديل الحصص بعد اتفاق الطائف في العام لتصبح 5:5. لم تكن المسألة أن الدولة نشأت معطوبة، على نحو مقصود، بقدر ما كانت المسألة تشظياً في الواقع الاجتماعي اللبناني وغياباً لأيديولوجية مُهيمنة قادرة على حشد المجتمع وراءها، ما أسفر عن وضع الدولة في خدمة الجماعات الدينية وليس العكس.

وبإعمال النظر فيما جرى، يبدو أن الأمر لم يكن بالغ السوء. لاشك في أنه سهّل الانقسام، وهي اللعنة التي حلّت بلبنان منذ عقود، وكانت مصدر معظم مشكلاته السياسية الرئيسة. لكن ذلك وَلَّد، أيضا، تعددية صحّية في المجتمع، لاتزال قائمة إلى اليوم وهي المحرّك الرئيس لنجاحات البلاد.

قبل سنوات عدة مضت، كنت في دمشق حيث أجريت مقابلة مع رجل أعمال صديق لبشار الأسد. وعندما سألته عن العلاقات الطائفية في سوريا، جاء رده رافضاً النظر في الموضوع، إذ اعتبر الطائفية مشكلة لبنانية، لاسورية. لم يكن مستعداً ليقرَّ بأنه تمّت التعمية على التباينات الطائفية والعرقية بسلطوية فظّة مارسها النظامان البعثيان في سوريا والعراق. وفي الواقع، عانت سورية والعراق من انفصام الشخصية (الشيزوفرانيا): فالديكتاتور قابع على قمة السلطة، وعند قاعدتها تتواصل الانقسامات. وأبلغ دليل على ذلك الأحداث في سوريا والعراق في السنوات العشر الأخيرة، أو مايزيد قليلا عن ذلك.

أما لبنان عموماً، وعلى رغم حرب أهلية استمرت 15 عاما، فقد فتمكّن من احتواء ارتكاسات التعايش الديني. لاريب أنه يتعيّن على المرء عليه تجنُّب المبالغة، لكن التفاعل بين الطوائف تواصل، حتى في ذروة الصراع. صحيح أنه وقعت مذابح بشعة، لكنها لم تنجح قط في اقتلاع اليومي والمركب من الممارسات، والعادات، بل والتعابير اللفظية التي تستخدمها الطوائف اللبنانية المختلفة، عند التعامل في ما بينها، بغرض تحييد صراعات محتملة. وكان هذا، على سبيل المثال، ما ساعد على تجنب مجابهات طائفية كبرى في الفترة التي تلت 2011.

يقينا، يحتاج النظام إلى الإصلاح. لكن، هل يستلزم إصلاح كهذا اقتلاع الطائفية؟ من المؤكد أن الحداثيين يجيبون على هذا السؤال فوراً بالإيجاب، لكن أغلبية كبيرة من اللبنانيين أمْيَلُ إلى الإجابة عليه بالسلب. وقد يكون هذا مفيدا، حيث أن أي محاولة لإطاحة النظام الطائفي، جبرا، قد تمضي بنا إلى منطقة لاتناسب أي طرف من الأطراف، حيث يتعيّن الاختيار بين بدائل كلها رديئة: فمن شأن الإصلاح أن يجعل النظام ينزع كل صدقية عن المؤسسات التي تضمن التعددية والليبرالية المنطوية على تناقض، من دون أن يضمن الاتفاق على ما يحل محلها، لأن اللبنانيين يُصَرِّفون أمورهم منذ ردح طويل من الزمن في إطار بيئة طائفية.

ينطوي اتفاق الطائف، فعلا، على عملية إصلاح أكثر تدرُّجا، تُبقي على المؤسسات الطائفية، وتُؤَمِّن الاستمرارية والتطمينات للأقليات، في حين تفتح الباب أيضا أمام إلغاء مجالات أساسية من الطائفية السياسية. وقد يكون هذا هو الطريق الذي يتعيّن المضي قدماً إليه، وإن كان اتفاق الطائف لم، وربما لن، ينفذ تنفيذا كاملا. وبغض النظر عن التعقيدات الكثيرة، فإن لبنان يبقى الاستثناء الجدير بالإعجاب في الشرق الأوسط، لأن قادته، في مرحلة ما بعد الاستقلال، لم يحاولوا أن يفرضوا على البلاد دولة يشوبها تناقض جوهري مع بنيتها الاجتماعية.