هاني المصري | مدير عام المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية – مسارات

لاتزال قطر تقيم علاقات وطيدة مع حركة حماس والسلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس، وتستضيف أيضاً قيادات من حماس في الدوحة. ندرك في هذا السياق دلالة وأهمية الزيارة التي أقامها وفد من حماس إلى القاهرة بعد يوم واحد من اندلاع الأزمة الخليجية، وأعرب خلالها عن موافقته على الإجراءات الأمنية المصرية. وهذا أدّى إلى إعادة فتح معبر رفح، والسماح بإدخال الوقود والسلع المصرية إلى غزة.

أحدث هذا تغيّراً في سياسة مصر، التي كانت تفضّل أن تتعامل مع غزة من خلال السلطة الفلسطينية، يمكن تفسيره بفعل مشاعر الغضب التي اعترت مصر على خلفية رفض عباس عودة محمد دحلان - الرئيس السابق لجهاز الأمن الوقائي في غزة، والحليف الراهن لمصر والإمارات العربية المتحدة – إلى اللجنة المركزية لحركة فتح، واتّخاذه (عباس) إجراءات عقابية ضد غزة، على الرغم من التحذير الذي أطلقته القاهرة ومفاده أن انفجار الوضع في غزة قد يهدّد المصالح المصرية.

تسعى مصر والإمارات العربية المتحدة وسائر الدول المناوئة لقطر إلى إخراج غزة من فلك الدوحة. وهذا مايشرح صدفة تزامن الاتفاق الذي تمّ التوصّل إليه بين مصر وحماس والتفاهم بين حماس ودحلان (الذي هو خصم قديم للحركة الإسلامية)، الذي قد يؤدّي تطبيق بنوده إلى شراكة جديدة في غزة وتشكيل تحالف قوي مناوئ لعباس. بيد أن هذا من شأنه أن يعمّق الانقسامات الفلسطينية، إذ ستسرّع عودة دحلان وتائر النزاع حول خلافة محمود عباس، وستكون إسرائيل المستفيد الأكبر، نظراً إلى أنها ستستغل الانقسامات في صفوف الفلسطينيين لتزعم أنه لايوجد شريك فلسطيني، فتبدأ بتطبيق خطتها لتصفية القضية الفلسطينية.

ناثان ج. براون | باحث أول غير مقيم في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي، وأستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن. شارك براون في كتابة التقرير الذي صدر مؤخراً عن كارنيغي بعنوان "إحياء النزعة الوطنية الفلسطينية: الخيارات مقابل الوقائع".

ليس بالأمر المستجد قطّ أن تصارع الدول العربية خصومها في حلبة السياسات الداخلية الفلسطينية – إذ يسود هذا النهج منذ العام 1948 إن لم يكن حتى قبل ذلك. لكن القادة الوطنيين الفلسطينيين بنوا منذ الستينيات مجموعة مؤسسات (هي عبارة عن مختلف الفصائل الفلسطينية والمؤتمر الوطني الفلسطيني والسلطة الوطنية الفلسطينية) أو سيطروا على مؤسسات أخرى (مثل منظمة التحرير الفلسطينية) للتصدّي إلى هذا التدخّل والحفاظ على هامش حرية حركة مستقلة للفسلطينيين.

تُعتبر جولة التدخّل الراهنة في الشؤون الفلسطينية، التي تشارك فيها الإمارات وقطر ومصر وغيرها، بمثابة عودة إلى حقبة كانت فيها تلك المؤسسات ضعيفة أو غير موجودة أساساً. وهذه ليست حصيلة الحروب العربية الجديدة بالوكالة وحسب، بل هي ناجمة أيضاً عن تآكل المؤسسات الفلسطينية، مايسهّل الآن مثل هذا التدخّل بدل مقاومته. فحماس والسلطة الوطنية الفلسطينية، وهما أحدث عناصر في التركيبة المؤسسية الفلسطينية، تسمحان للأطراف الأخرى برسم مستقبل فلسطين.

مع ذلك، تُعدّ جولة التدخّل الحالية أسوأ بالنسبة إلى الفلسطينيين من سابقتها التي جرت منذ نصف قرن، حين كانت الجهات الفاعلة الخارجية تُبدي على الأقل ادعاء الالتزام بالقضية الفلسطينية. ولايفيد المتدخلون اليوم أي مصلحة فلسطينية محدّدة.

جايمس دورسي | باحث أول في "كلية س. راجارتنام للدراسات الدولية" (S. Rajaratnam School of International Studies) ضمن جامعة "نانيانغ للتكنولوجيا" (Nanyang Technological University) في سنغافورة، وكاتب عمود، وكاتب مدوّنة The Turbulent World of Middle East Soccer.

بالمختصر المفيد، الأمور كلها لاتزال معلّقة. لكن ماهو واضح أن حماس لم تُدرج على لائحة المنظمات التي صاغها التحالف المعارض لقطر الذي تقوده السعودية والإمارات. وكان ذلك بمثابة حافز لدفع هذه الجماعة الإسلامية إلى قبول اتفاق لتقاسم السلطة في قطاع غزة، من شأنه أن يسمح بعودة محمد دحلان، الرئيس السابق لجهاز الأمن الوقائي الفلسطيني. ويُعتبر دحلان، الذي يقيم في أبوظبي وتربطه علاقات وثيقة بولي عهد أبوظبي محمد بن زايد والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ووزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، المنافس الأساسي للرئيس الفلسطيني محمود عباس. ويطمح دحلان بأن يخلف عباس.

أدّى اقتطاع الرواتب التي تدفعها السلطة الفلسطينية لموظفي القطاع العام في غزة، وخفض إمدادات الطاقة الإسرائيلية إلى القطاع، بناءً على تعليمات السلطة الفلسطينية، إلى وضع حماس بين فكيّ كمّاشة ترزح فيه تحت وطأة ضغوط يمارسها كل من عباس وإسرائيل ومصر والإمارات. نتيجةً لذلك، اضطرت إلى اللجوء إلى مصر وحليفتيها الإمارات والسعودية طلباً للمساعدة، والدخول في محادثات مع دحلان حول اتفاق تقاسم السلطة. ويبدو بالفعل أن حماس عالقةٌ بين المطرقة والسندان. فالضغوط الاقتصادية المستمرة تقوّض قدرتها على الحكم، من جهة، وتخليها عن أي درجة من السيطرة على غزة ينسف قاعدة نفوذها، من جهة أخرى. باختصار، مهما كان الحل لأزمة الخليج، ستكون حركة حماس مأزومة.