وسط الاضطرابات التي تشهدها شبه الجزيرة العربية، جرّاء سلوك السعودية تجاه اليمن وقطر من جملة أسباب أخرى، يغيب عن بالنا بسهولة أن السياسة الخارجية السعودية كانت، حتى وقت ليس ببعيد، حذرة ومحافظة. نتفهّم أن تهوُّر محمد بن سلمان، الشاب الذي تمت ترفيعه إلى منصب ولي العهد في حزيران/يونيو، يجعل بعض المسؤولين الأميركيين يشعرون بالحنين إلى الزمن الغابر عندما كانت السياسة الخارجية السعودية في أيدي مسؤولين متمرّسين من ذوي الخبرة.

على الرغم من المبادرات البارزة التي تظهر من حين لآخر وتلقى تغطية إعلامية واسعة، على غرار مبادرة السلام العربية للعام 2002 التي أطلقها ولي العهد آنذاك، الأمير عبدالله، إلا أن السعوديين فضّلوا تقليدياً العمل في الظل، مستخدمين دبلوماسية دفتر الشيكات والإقناع الهادئ لكسب النفوذ، وشراء الأصدقاء والأعداء، وتحقيق مصالحهم في اليمن والمشرق وخارجهما. وكان هذا الحذر أيضاً وليد الضرورة، نظراً إلى التفاوت بين ماتتمتع به البلاد من غنى على مستوى الموارد وبين ضعفها على المستوى العسكري، ماجعلها تعتمد اعتماداً شديداً على المظلّة الأمنية الأميركية من أجل التصدّي لخصومها الإقليميين على غرار العراق في عهد صدام حسين، ومؤخراً، إيران.

دفعت الإدارات الأميركية المتعاقبة، القلقة من التعاطي مع شريكها العربي الأهم وكأنه قاصر غير ناضج، بالرياض إلى تحمّل مسؤولية أكبر في الدفاع عن نفسها، وكذلك في التعامل مع المشاكل الأمنية في المنطقة. وقد بذلت إدارة أوباما بشكل خاص مساعي حثيثة في هذا الصدد، وذلك من خلال توظيف جهود إيجابية شملت مبيعات أسلحة بقيمة نحو مئة مليار دولار، ودعم لوجستي وسياسي للعملية العكسرية العنيفة وسيئة التخطيط التي شنّها السعوديون في اليمن. بيد أن الجوانب السلبية لهذا المجهود هي التي أثارت سخط السعوديين، والتي تتمثل في سعي الولايات المتحدة إلى التقارب مع إيران والانتقادات التي وجّهها أوباما إلى السعودية واكتسبت طابعاً شخصياً جداً عندما وصفها بأنها "مستفيدة بالمجان" أمنياً.

صدامية ومؤجِّجة للمشاعر

إذا كانت واشنطن قد شجّعت السعودية على اتخاذ موقف إقليمي أكثر حزماً، فما حصلت عليه يفوق ما ابتغته في الأصل. إذ أن السياسة السعودية اليوم طموحة ومعادية وشوفينية – ولاتساهم في جعل المنطقة أكثر أماناً أو استقراراً. وفي منطقة الخليج على وجه التحديد، اعتمدت المملكة سياسات صدامية وخطاباً مؤجِّجاً للمشاعر، معوِّلةً على الإكراه العسكري والدبلوماسي الذي يتنافى تماماً مع الأهداف الواقعية. (نذكر من الاستثناءات اللافتة العراق، حيث يحافظ السعوديون، في تعاطيهم مع الحكومة التي يقودها الشيعة في بغداد، على مقاربتهم القائمة إلى حد كبير على النأي بالنفس).

تمارس النزعة القتالية السعودية تأثيرات تتسبّب بزعزعة الاستقرار في مختلف أنحاء المنطقة. فالحملة العسكرية الكارثية التي تقودها السعودية في اليمن، والتي جاءت إلى حد كبير بدفعٍ من المخاوف المبالَغ فيها من قيام إيران بتطويق المملكة من مختلف الجهات، تؤدّي إلى تمزيق ذلك البلد المُفقر إرباً إرباً، مع مايترتب على ذلك من تداعيات إنسانية مروّعة، فيما يتحوّل اليمن إلى مستنقع عسكري تغرق المملكة في وحوله. لقد استغل "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب" الفوضى العارمة التي تسبّب بها التدخل العسكري السعودي كي يعمد إلى زيادة قوّته. ومن سخرية القدر أنه خلافاً لما تتوخّاه الأهداف السعودية، ازداد التأثير الإيراني في اليمن، واستمرّت الهجمات الحوثية ضد الأراضي السعودية.

على ضوء هذه الخلفية الصارخة، يُعتبر التحرك الذي قادته السعودية والإمارات ضد قطر الشهر الماضي – قطع العلاقات معها وفرض حصار اقتصادي بصورة مفاجئة من دون تحذير مسبق وأي سبب مباشر يستدعي الاستعجال في اتخاذ مثل هذه الإجراءات – أسوأ من مجرد إلهاء غير مستحَب عن الأولويات الأخرى للمملكة على صعيد السياسة الخارجية والداخلية. فقد كانت له تأثيرات مناوئة تمثّلت في تعزيز النفوذ الإيراني في قطر وزرع الشقاق داخل التحالف السنّي العربي الذي أملت إدارة ترامب في تشكيله بغية التصدّي للسياسات الإيرانية العدوانية في المنطقة والمساعدة على إلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية.

إذاً كيف يمكن تفسير الخطوات الدبلوماسية التي تبدو مضلَّلة؟ ربما يرتبط أحد التفسيرات المحتملة بلغز محمد بن سلمان الذي تزامن صعوده السريع تحديداً مع تثبيت بلاده لوجودها بصورة مستجِدّة. وقد دأب الأمير محمد، بدعم ثابت من الإمارات، على المبالغة في تقدير القوة السعودية والتقليل من شأن قدرة خصومه على مقاومة الضغوط العسكرية والدبلوماسية.

اليمن أداةً للتوريث

غير أن هذا التحليل يتجاهل بعداً مهماً من أبعاد ظاهرة محمد بن سلمان: ففي حين أن الحرب في اليمن والنزاع في قطر لم يقدّما الكثير لتعزيز المصالح الأمنية السعودية، إلا أنهما حقّقا نجاحاً هائلاً كأداتَين من أدوات التوريث. لقد أتاحت رؤية المملكة 2030، وهي الخطة الطموحة التي وضعها محمد بن سلمان لإحداث تحول في الاقتصاد السعودي، لولي العهد الجديد تسلّم مقاليد أدوات السياسة الاقتصادية في بلاده، في حين سمح له النزاع في اليمن بتهميش خصمه الأساسي، ابن عمه وولي العهد السابق محمد بن نايف، من السياسة الأمنية. وقد أتاح اندلاع الأزمة مع قطر، التي كان محمد بن نايف يقيم علاقات ودّية معها، فرصة أمام محمد بن سلمان ليطيح خصمه بلا هوادة ويخرجه عن تماماً من عملية التوريث.

كانت السياسة الخارجية السعودية القديمة عبارة عن فعل توازن ثقيل الوطأة في بعض الأحيان بين العديد من الفروع المتنافسة في العائلة المالكة، في ظل تعاقب ملوك ومسؤولين متقدّمين في السن على السلطة. كان حكم المسنّين بطيئاً في اتخاذ القرارات – وغالباً ماكانت تلك القرارات تعكس القاسم المشترك الأدنى بين المصالح الشخصية للأفراد الذين يتكوّن منهم هذا النظام. ولذلك من السهل أن نفهم لماذا كان المسؤولون الأميركيون يشعرون بالإحباط من آلية صنع القرارات في السياسة الخارجية السعودية.

لكن وفي حالةٍ واضحة يصحّ فيها القول "حذارِ من التمنّيات"، ولّى ذلك الجيل من الأمراء السعوديين – وولّت معه شبكاته من العلاقات في قطر وإيران، والتي كانت لتبحث ربما عن وسائل لنزع فتيل التشنّجات. بدلاً من ذلك، تتركّز السلطة في شخص شاب في سن الواحدة والثلاثين لم يُثبت نفسه بعد، ويملك طموحات إقليمية واسعة. قد تؤدّي سياسة حافة الهاوية التي تعتمدها السعودية مع قطر، إلى نجاح السياسة المتشدّدة التي ينتهجها محمد بن سلمان. هناك بعض المؤشرات بأن السعوديين والإماراتيين بدأوا يتساهلون في مطالبهم، وبأن السعوديين يمتلكون أوراقاً ضاغطة تخوّلهم فرض نتيجة معيّنة بحيث تقرّ قطر بخطأها إنما من دون ان تُذَلّ. سيكون ذلك جيداً للمصالح السعودية والأميركية، لكنه يتطلّب درجة من الوعي الذاتي بأن الرياض تخطّت الحدود في خطواتها الأولى ضد الدوحة.

من جهة أخرى، لن يكون من السهل ترويض العداوات الشخصية التي يضمرها محمد بن سلمان لكل من قطر وإيران. إذا أصبح سلوكه في الأشهر الأخيرة من الثوابت في السياسة السعودية فيما يتحكّم بمقاليد السلطة، ستكون المنطقة أقل أماناً. وإذا تمسّكت السعودية والإمارات بموقفهما إلى حين تلبية المطالب المتشدّدة التي يفرضانها على قطر، شدّوا أحزمتكم جيداً.

يحاول السعوديون اللعب على وتر الخلافات داخل إدارة ترامب حول الاستراتيجية الإقليمية، بما يصبّ في مصلحتهم. لقد أبدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب دعمه الكامل للموقف السعودي في الخلاف مع قطر، في حين يسعى وزير الخارجية ريكس تيلرسون ووزير الدفاع جايمس ماتيس، إلى نزع فتيل التشنّج. من الأجدى بترامب أن يدع وزارتَي الخارجية والدفاع تتولّيان زمام الأمور في هذه القضية. لقد كشف الشجار داخل مجلس التعاون الخليجي النقاب عن خطوط التصدع بين دول الخليج العربية في مرحلة من اللااستقرار الإقليمي. وفي حين أن توريط الولايات المتحدة مباشرةً في هذا النزاع الدبلوماسي لن يؤدّي إلى تحقيق مكاسب كبيرة، لابل سيتسبّب بخسائر شديدة، ينبغي على واشنطن أن تدعم، كقاعدة عامة، سيادة الدول العربية الأصغر حجماً.

بيد أن ديناميكيات التوريث الداخلي تدفع بمحمد بن سلمان نحو اعتماد مزيد من السياسات الصدامية، حتى لو كانت آفاق النجاح ضئيلة. فالمبادرات التي اتخذها ضد اليمن وقطر وإيران، وعلى الرغم من أنها بدت مضلَّلة للغاية في نظر الخارج، نجحت في تعبيد الطريق أمامه للوصول إلى العرش. والقيود الداخلية التي ربما واجهها أسلافه، لم يعد لها وجود، أقلّه في الوقت الراهن. كما أن الضوء الأخضر الذي يمنحه ترامب لمساعي محمد بن سلمان الآيلة إلى تثبيت وجود المملكة في المنطقة، هو بمثابة ضمانة شبه مؤكّدة بأن الأمير الشاب لايرى أي قيود خارجية أمام تحرّكاته.

طالما أن الولايات المتحدة تبقى المشجّعة الأساسية للمملكة، لن تجد واشنطن والمنطقة مفرّاً من تنظيف الركام الذي يتركه وراءه ولي عهد متهوّر يتخبّط في المشاكل ولايمتلك استراتيجيات خروج لانتشال السعوديين والمنطقة من التداعيات الفوضوية لخياراته.